الدرس في التعليق على رسالة شروط الصلاة وأركانها وواجباتها 6، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول هذا المحور الشرط السابع من شروط صحة الصلاة وهو دخول الوقت، مستدلاً بحديث جبريل عليه السلام والآيات القرآنية التي حددت أوقات الصلوات الخمس، مع التنبيه على عدم جواز تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها إلا في حالات الجمع المشروع.
يستعرض المحور الشرط الثامن وهو استقبال الكعبة المشرفة، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس أولاً ثم نُسخ ذلك بتحويل القبلة إلى الكعبة، مع توضيح الفرق بين استقبال عين الكعبة للمعاينة واستقبال جهتها للبُعد والتيسير الشرعي في ذلك.
يشرح المحور الشرط التاسع وهو النية ومحلها القلب، مستدلاً بحديث «إنما الأعمال بالنيات»، ويبين أن التلفظ بالنية بدعة، كما يفصل في أحكام تغيير النية بعد الشروع وجواز اختلاف نية الإمام عن المأموم بين الفرض والنفل.
يختم الدرس بجمع شروط الصلاة التسعة في سياق واحد وهي: الإسلام، العقل، التمييز، الطهارة من الحدث والنجاسة، ستر العورة، الوقت، القبلة، والنية، مؤكداً أن فقدان أي شرط يبطل الصلاة، ومُشيراً إلى أن الدرس القادم سيتناول أركان الصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع كتاب شروط الصلاة وأركانها وواجباتها لشيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. قال رحمه الله تعالى: الشرط السابع، أي من شروط صحة الصلاة، قال: الشرط السابع دخول الوقت. دخول الوقت. قال: والدليل من السنة حديث جبريل عليه السلام أنه أمّ النبي صلى الله عليه وسلم في أول الوقت وفي آخره، يعني صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم إماماً، ففي اليوم الأول صلى به في أول وقت الصلاة، وفي اليوم الثاني صلى به في آخر وقت الصلاة. قال: فقال: يا محمد، الصلاة بين هذين الوقتين، بين هذين الوقتين. قال: وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]، أي مفروضا في الأوقات. قال: ودليل الأوقات قوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78]، وهنا ذكرت الصلوات، سواء صلاتي العشي أو الليل، وهكذا الفجر، فاجتملت هذه الآية على هذه الصلوات الخمس. لكن بيان هذه الأوقات بينها النبي صلى الله عليه وسلم بيانها في صحيح سنته، فلا يجوز أن تصلى هذه الصلاة قبل أن يدخل وقتها، ولا يجوز كذلك أيضاً تأخيرها عن هذا الوقت الذي حدده ربنا تبارك وتعالى، وأرسل جبريل لكي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم هذه المواقيت، إلا ما كان من مشروعية الجمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فهذا جاءت السنة النبوية ببيان جوازه للمسافر، وهكذا أيضاً لغيره من ذوي الحاجات وأصحاب الضرورات. قال رحمه الله تعالى: قال الشرط الثامن: استقبال القبلة. وقبلة المسلمين هي الكعبة المشرفة بمكة المكرمة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره أمر أن يستقبل بيت المقدس، فبقي بمكة يصلي إلى بيت المقدس، وكان عليه الصلاة والسلام يحب أن لو أمر باستقبال الكعبة، استقبال الكعبة، فكان يصلي بمكة ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. فلما هاجر إلى المدينة ظل بضعة عشر شهراً يصلي إلى بيت المقدس، وكان يحب أن لو أمر باستقبال الكعبة المشرفة، فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144]. ومعنى شطر: يعني جهة المسجد الحرام، وحيثما كنتم: يعني في أنحاء الدنيا وأصقاعها المعمورة، فولوا وجوهكم شطرها. فهذه الآية فيها الأمر باستقبال القبلة الجديدة التي هي الكعبة المشرفة بمكة المكرمة، بمكة المكرمة. والواجب على من كان معاينا للكعبة، يعني يرى الكعبة أمامه، أن يستقبل عينها، أن يستقبل عينها. ومن كان خارجاً وبعيداً فالواجب في حقه أن يستقبل جهتها، أن يستقبل جهتها. وهذا يدل على التيسير الذي جعله الله عز وجل في هذا الشرط العظيم من شروط صحة الصلاة. اليوم، ومع وجود الأجهزة الحديثة التي تبين للناس عين القبلة، لربما ظهرت كثير من المساجد القديمة أنها إلى غير جهة عين الكعبة، وقد يحصل بسبب ذلك مشاكل ونزاعات في المساجد، وتغير القبلة والاتجاهات، بل كم هدمت مساجد بسبب ذلك، بينما الواجب هو استقبال الجهة وليس عين الكعبة. ولهذا ذكر الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى: ذكر أن كثيراً من المساجد القديمة، مساجد الصحابة ومن بعدهم، كانت إلى غير عين الكعبة، وإنما هي إلى جهة الكعبة، إلى جهة الكعبة. والواجب على من نزل منزلاً وأراد أن يصلي، إذا كان لا يعلم أين جهة الكعبة، أن يسأل. البعض ينزل في فندق، أو ينزل ضيفاً في بيت من البيوت ببلد من البلدان، ولا يدري أين جهة الكعبة، يسأل عن الجهة ثم يصلي، ثم يصلي. فإذا كان لا يعلم ولم يسأل وصلى، فكانت صلاته إلى غير جهة الكعبة، فهذه الصلاة غير صحيحة، هذه الصلاة غير صحيحة. وإذا لم يكن عنده من يدله على الجهة فاجتهد وعمل ثم صلى، فبان له بعد ذلك أن صلاته كانت إلى غير جهة الكعبة، وقد خرج وقت الصلاة، فصلاته صحيحة، ولا يلزمه أن يعيدها، ولا يلزمه أن يعيدها. وإذا كان وقت الصلاة لا يزال باقياً فعليه الإعادة. قال الشرط التاسع: قال: النية، ومحلها القلب، والتلفظ بها بدعة. والدليل حديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». والنية هي القصد والعزم على فعل الشيء، وهذه محلها القلب، ولا يشرع التلفظ بها. لا يجوز أن من أراد أن يصلي قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام يقول مثلاً: نويت أن أصلي فرض صلاة العصر لله تعالى أربع ركعات مأموماً، الله أكبر. هذا ما يجوز. لو كان جائزا فعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأت أنه فعله، لفعله الصحابة، وهكذا العلماء المشهود لهم بالرسوخ في العلم، فلم يفعلوا ذلك. ومع قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات»، يعني هذه الأعمال صحتها وفسادها يترتب على نية صاحبها. قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، أي من الأجر والثواب والجزاء على حسب نيته. وبالنية يا إخوان، بالنية يتميز العمل: هل هو عبادة أم هو عادة؟ يتميز كثير من العادات عن كثير من العبادات بنية صاحبها. أيضاً النية تميز بين العبادات، بين صلاة الظهر والعصر، الفرق هو النية، ذاك صلاة بنية الظهر، وهذا صلاة بنية العصر، وهذا صلاة بنية العصر، فيميز بين العبادات بالنية التي تكون مع أصحابها، مع أصحابها. ولا يجوز أن يحول نية النافل إلى فريضة، كبر يريد أن يصلي السنة، الله أكبر، قال: لا لا، أحسن، خليها فرض. إذن هذه الركعتان أو هذه التكبيرة التي كبرتها هي لصلاة الفريضة، صلاة العصر أو غيرها من الصلوات التي ينويها، لا، ما يجوز أن يغير من نفل إلى فرض، إلى فرض. وأجاز من أجاز من أهل العلم العكس، أن يغير من فرض إلى نفل، من فرض إلى نفل. ويجوز أن تختلف نية الإمام والمأموم، الإمام يصلي فريضة ويصلي خلفه المأموم بنية النافلة، هذا جائز يا إخوان. ولهذا لما دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صلى عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «من يتصدق على هذا فيصلي معه»، فيصلي معه، يعني هو يصلي مفترضاً، والذي سيصلي معه يصلي بنية النفل. ويجوز أن يكون الإمام يصلي بنية النافلة والمأموم خلفه يصلي مفترضاً، كما في قصة معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، كان يصلي صلاة العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرجع إلى مسجد قومه فيجد أنهم ينتظرونه، فيقدم ويصلي بهم نافلة، وهم يصلون فريضة، وهم يصلون فريضة. فهذا من النية التي إذا اختلفت بين الإمام والمأموم فهذا لا يضر، هذا لا يضر. فبهذا نكون قد انتهينا من الأمر الأول الذي يتعلق بشروط الصلاة، وهي كما سبق تسعة. نعيدها على سبيل الإجمال: ذكر رحمه الله تعالى أن شروط الصلاة هي تسعة، هي تسعة: الشرط الأول الإسلام، الثاني العقل، الثالث التمييز، الرابع رفع الحدث وإزالة النجاسة، والخامس ستر العورة، والسادس دخول الوقت، وماذا الذي بعده؟ استقبال القبلة، وأخيراً ما مر معنا حول النية. فهذه تسعة شروط هي شروط الصلاة، التي إذا فقد واحد منها كانت الصلاة باطلة، ويلزم المصلي أن يعيدها من جديد، أن يعيدها من جديد. ويأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى الكلام حول أركان الصلاة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.