الدرس في التعليق على رسالة شروط الصلاة وأركانها وواجباتها 8، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن المقطع أن قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة مستدلاً بحديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، ويتناول تفسير آياتها: معنى الحمد والربوبية، والفرق بين الرحمن والرحيم، وأن «ملك يوم الدين» هو يوم الجزاء والحساب.
يشرح المقطع معاني «إياك نعبد وإياك نستعين» و«اهدنا الصراط المستقيم» و«صراط الذين أنعمت عليهم»، مبيناً أن العبادة والاستعانة تخص الله وحده، وأن الهداية تطلب الثبات على الإسلام والقرآن وسنة النبي، وأن الصراط المستقيم هو طريق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين أنعم الله عليهم.
يفسر المقطع آية الفاتحة موضحاً أن المغضوب عليهم هم اليهود الذين علموا الحق ولم يعملوا به، والضالون هم النصارى الذين عبدوا الله على جهل، ويستدل بآيات وأحاديث على وجوب البراءة من الكفار والمشركين، وينتقد ضعف عقيدة الولاء والبراء لدى كثير من المسلمين المعاصرين مظاهراً ذلك في تشجيعهم للفرق الكافرة.
يختتم المتحدث الدرس بدعاء يسأل الله فيه حفظ الدين، وحسن الخاتمة، والثبات عليه حتى لقاء الله، ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويحمد الله رب العالمين، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في رسالته القيمة وكتابه النافع «شروط الصلاة وأركانها وواجباتها»: قال رحمه الله تعالى في بيان أركان الصلاة: «وقراءة الفاتحة ركن في كل ركعة»، كما في حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». قال: «وهي أم القرآن، بسم الله الرحمن الرحيم، بركة واستعانة». بركة واستعانة: يعني الابتداء بالبسملة من باب التبرك بالبداءة باسم الله عز وجل، وهكذا فيها استعانة بالله تبارك وتعالى. والبسملة: عدها بعض أهل العلم آية من سورة الفاتحة، ومن أهل العلم من لا يعدها آية، وبعضهم يجعلها آية مستقلة تستفتح بها سور القرآن، ما خلا سورة براءة إلا سورة براءة. وقوله رحمه الله تعالى في الفاتحة أنها ركن في كل ركعة، واستدل على ذلك بحديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». قال: «الحمد لله»، الحمد ثناء، والألف واللام للاستغراق، جميع المحامد، فالحمد المطلق يكون لله تبارك وتعالى. قال: «وأما الجميل الذي لا صنع له فيه، مثل الجمال ونحوه، فأثنى به يسمى مدحاً لا حمداً، يسمى مدحاً لا حمداً». وقوله: «رب العالمين»، الرب هو المعبود، الخالق، الرازق، المالك، المتصرف، مربي جميع الخلائق بالنعم. «العالمين»: قال: كل ما سوى الله عالم، العالمين: كل ما سوى الله عالم. إذن المقصود برب العالمين: فالعالمين هم كل ما سوى الله عز وجل. قال: «وهو رب الجميع، الرحمن: رحمة عامة، رحمة عامة جميع المخلوقات، الرحيم: رحمة خاصة بالمؤمنين». قال: والدليل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]، وكان بالمؤمنين رحيماً. فالرحمن: يعني ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، والرحيم: ذو الرحمة الواصلة الخاصة التي جعلها للمؤمنين، التي جعلها للمؤمنين. قال: «ملك يوم الدين»، أي يوم الجزاء والحساب. يوم الدين: أي يوم الجزاء والحساب، والحساب: يوم أو يوم كل يجازى بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. قال: والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: 17-19]، كما في سورة الانفطار. إذن يوم الدين هو يوم القيامة، يوم الجزاء، واليوم الذي يحاسب فيه ربنا عز وجل العباد على أعمالهم، يجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. قال رحمه الله تعالى: قال: والحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وتمنى على الله الأماني». والحديث ضعفه جماعة من أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: قال: قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، أي لا نعبد غيرك، عهد بين العبد وبين ربه أن لا يستعين، أن لا يستعين بأحد غير الله. فـ «إياك نعبد وإياك نستعين»: أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك. قال: قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، معنى «اهدنا»: أي دلنا وأرشدنا وثبتنا. فهذه دعوة بالهداية: أن الله تبارك وتعالى يهدي هذا العبد في الدنيا إلى الصراط المستقيم الذي يوصل إلى ما يرضي الله تبارك وتعالى، وإلى ما عند الله سبحانه وتعالى. وهكذا هي هداية في الآخرة على الصراط المستقيم، بألا تزل القدم فيقع السقوط في النار، والعياذ بالله. قال: «اهدنا الصراط المستقيم»، معنى «اهدنا»: أي دلنا وأرشدنا وثبتنا. والصراط: الإسلام، وقيل: الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: القرآن. قال: والكل حق، والكل حق. قال: «والمستقيم»: الذي لا عوج فيه، الذي لا عوج فيه. فالقرآن: ماذا؟ القرآن يهدي للتي هي أقوم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم وصفه ربه عز وجل أنه على صراط مستقيم، والإسلام دين لا عوج فيه، فالكل حق كما ذكر رحمه الله تعالى. قال: «المستقيم»: قال: الذي لا عوج فيه. قال: وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]، وهذه الدعوة بالهداية على الصراط المستقيم هي تعتبر من أعظم الدعوات، فنحن مأمورون أن ندعو بها في كل صلاتنا عند قراءتنا لسورة الفاتحة، عند قراءتنا لسورة الفاتحة. قال: «صراط الذين أنعمت عليهم»، قال: أي طريقة المنعم عليهم، فالصراط هو الطريق، يعني الطريق المسلوك الذي يسير عليه الناس. قال: والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: 69-70]. فهذه الطريق يا إخوان التي يحبها ربنا عز وجل، طريق هؤلاء الأخيار الأبرار، طريق النبيين، وهكذا الصديقين، وهكذا الشهداء، وهكذا الصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليماً. قال: وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]، قال: وهم اليهود، معهم علم ولم يعملوا به، نسأل الله أن يجنبك طريقهم. قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]، وهم النصارى، يعبدون الله على جهل وضلال، نسأل الله أن يجنبك طريقهم. قال: ودليل الضالين قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]. قال: والحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟ أي: من القوم غيرهم». قال: «أخرجاه»، يعني البخاري ومسلم رحمة الله عليهما في صحيحيهما. قال: والحديث الثاني: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». قلنا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي، وأصحابي». وهنا يا إخوان تظهر عقيدة الولاء والبراء بين المسلم وبين هؤلاء المغضوب عليهم، وهكذا الضالين. فالمؤمن يحب أهل الإيمان، ويوالي المؤمنين، بينما يبغض ويكره ويعادي ويتبرأ من هؤلاء الكفار، وهكذا المشركين، وهكذا المشركين. وللأسف يا إخوان، كم ضعف هذا الأصل لدى الكثير من أهل الإسلام، ومن ينتسبون إلى التوحيد والإيمان! فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله. لكن للأسف، كما سبق، ضعف أيما ضعف. كيف لا يضعف، ونحن مشاهد اليوم ونسمع عن أبناء المسلمين الذين أصبحوا يحبون الكفار بحجة لعب الكرة، بل ويشجعون المنتخبات الكافرة، بل ويتعصبون، بل ويتعصبون لتلكم الأندية والمنتخبات الكافرة! كم يبكي من يبكي من أبناء المسلمين إذا هزمت البرازيل، أو خسرت الأرجنتين، أو غيرهم من الكفار، وهكذا المشركين. فإلى الله المشتكى مما آل إليه حال الكثير من أهل الإسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بُعثتُ بالسيف بين يدي الساعة ليعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم». فما أعظم هذه السورة العظيمة، سورة الفاتحة، وما أعظم المعاني التي تضمنتها! ومن ذلك: إخلاص العبادة لله عز وجل، وهكذا تمام الاستعانة والتوكل على الله عز وجل، وهكذا دعاء الله عز وجل بأعظم الأدعية، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، والبعد عن صراط أصحاب الجحيم من اليهود والنصارى وغيرهم، من المشركين. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يثبتنا على هذا الدين حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر