الدرس في شرح كشف الشبهات 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المؤلف استعداد الموحد لمواجهة أعداء الدين وتغلب المؤمن على الشيطان بالتسلح بالعلم والمعرفة. يُبين أن الشكر من أعظم مقامات الدين التي يحاول الشيطان إبعاد الناس عنها.
يُناقش أهمية العلم والالتجاء إلى الله في مواجهة الشيطان، ويُفسر قوله تعالى: 'إن كيد الشيطان كان ضعيفا' على أن كيد الشيطان ضعيف أمام المؤمن القوي الإيمان. القوة الحقيقية تأتي من قوة الإيمان والتوكل على الله.
يشرح كيف أن العوام الموحدين يغلبون علماء المشركين بفضل توحيدهم الكامل وفطرتهم السليمة. يُظهر أمثلة على ثبات العوام الموحدين في مواجهة الشبهات والرد على المشركين.
يُظهر انتقادًا لعلم الكلام والفلسفة من خلال قصة بين الهَمْداني والجُوَيْنِي حول مسألة وجود الله، حيث ينتقد الهَمْداني تعقيدات الجُوَيْنِي الفلسفية.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: لَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمِ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ. هذا في بيان كلام المؤلف رحمه الله تعالى على ضرورة أن الموحد يستعد في مواجهة أعداء الدين. ثم قال: الَّذِينَ قَالَ إِمَامُهُمْ وَمُقَدِّمُهُمْ، أي إبليس الشيطان، قد أشرنا إلى أن الشيطان مأخوذ من شاطنة، وشاطنة بمعنى الذي بعد عن الخير، فهو شاطن، وهو شيطان، فكل من ابتعد عن الخير يدخل في لفظ الشيطان، ويقال عنه إبليس. إبليس مأخوذ من أبلسة، وأبلسة، ومنه بلسة، بمعنى يأسة، أي يأس من رحمة الله، هو إبليس، أي هو ميؤوس من رحمة الله. قال: لَقْعُدَنَّ لَهُمْ، هذا فيه التأكيد والجزم والحرص من الشيطان على هذا الفعل، لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. وعبر عن فعل القرود، والقرود يدل على التمكن، أي أنه وقف لنا بالمرصاد، وهذا الوقوف بتمكن، ما هناك ما يعجله، جالس مع التأكيد لَأَقْعُدَنَّ، لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. الصراط المستقيم هو الإسلام، فالشيطان جلس في طريقنا إلى الله، جلس، ونحن في طريقنا إلى الله يصد هذا ويصد هذا ويصد ذاك، فقط مهمة الصد. بل جاءت أحاديث تدل على أن الشيطان جلس للآدمي حتى قبل الإسلام. جاء من حديث الفاكهة يخصه شيخ الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان جلس لابن آدم بأطرقه»، جلس لابن آدم بأطرقه، الطرق جلس فيها الشيطان. قال: فجلس له في طريق الإسلام، قال: «أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وأجدادك؟» قال: فعصاه فأسلم. تخيل رجل كافر عادة ما دخل في الصراط المستقيم، قال له الشيطان: تسلم؟ فأخذ يثنيه عن الإسلام ويرغبه في دين الآباء والأجداد. قال عليه الصلاة والسلام: «فجلس له في طريق الهجرة»، لأن الكافر إذا أسلم في بلاد الكفار لن يعيش الحياة الآمنة، فيجب أن يهاجر إلى بلاد المسلمين، هل تركه الشيطان؟ لا، جلس. قال: «فجلس له في طريق الهجرة»، قال: «أتهاجر دارك؟ أتهجر عن جاد الحديث؟» وجلس له في طريق الهجرة، قال: «أتذر سماءك وأرضك؟ أتذر سماءك وأرضك؟» يقول: وعباه، وعباه، تترك بلادك؟ ماذا شبت وترعرعت ونشأت؟ أنظر للفورة الفلانية، أنظر للساحل فلان، أنظر للجبل الأخضر، فلا زال يغني ببلده. «إجلس في بلاد الكفاية»، «تذر سماءك وأرضك؟» تتركها؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فعصاه فهاجر». هاجر. قال: «ثم جلس له في طريق الجهاد»، هذا الرجل حسن إسلامه وأحب أن يقاتل في سبيل الله، هل ترك أهله؟ لا، جلس. قال: «ثم جلس له في طريق الجهاد»، قال: «أتجاهد؟ أتجاهد فتقاتل وتقتل؟ فتقسم الأموال ويسبى النساء؟» قال عليه الصلاة والسلام: «فعصاه فقاتل». ثم قال نبيه -صلى الله عليه وسلم- والذي نفسي بيده -من كان معنى حديث أنا ما أستحضره الآن- لكن جاء في بالي للتو، فقال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده من فعل ذلك كان حقا على الله أن يدخله الجنة»، من فعل ذلك كان حقا على الله أن يدخله الجنة. في هذا الحديث أن الشيطان جلس بأطرقه في كل طريق تريد أن تطلب العلم، جلس. تريد أن تأخذ دعوة، جلس. تريد أن تقوم الليل، جلس. تريد أن تأتي النوافل، جلس. في كل طريق خير، ما من طريق خير إلا والشيطان جلس، فقط ينظر، لا يوسوس. يوسوس. قال: لَاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمِ، ثُمَّ لَأَاتِيَنَّهُمْ. هل معنى أن الشيطان أنه جلس فقط؟ لا، ما جلس فقط، بل جلس ثم قام، أتى، أتى إلينا، ما اكتفى بالقعود، بل أتى إلينا بكل قوة، فحاصرنا، كما قال ربنا جل وعلا: ثُمَّ لَأَاتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، أي في جميع الجهات، إشارة إلى أن الشيطان يحرص كل الحرص على أن يجد نقاط الضعف فينا، وبه يتسلل من خلالنا، يتخذ الطرق الكثيرة، من الترغيب، من الترهيب، من الشبهات، من الشهوات، من الإغراق بالأمان، الإنغماس في المباحات، يبدأ يشتغل، يشتغل، يشتغل على مدار الساعة، ليس له هم إلا الإغواء، ليس له هم إلا الإغواء. ثم قال: وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ، بهذا إشارة إلى عظيم مقام الشكر، إذ أن الشيطان لما بيّن أنه جلس على الصراط المستقيم، بيّن أعظم ما يستطيع عليه الشيطان من صد الإنسان، أنك لا تجد أحدا منهم شاكرا، لا تجد أحدا منهم شاكرا لله، دل على أن الشكر من أعظم مقامات الدين، ومما يحرص عليه الشيطان اللعين أن يبعد الناس عن شكر رب العالمين، عن شكر الله عز وجل. وفي قوله تعالى: وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ، في بيان على أن أكثر الناس ممن وقع في حبائل الشيطان، نسأل الله السلامة والعافية. قال رحمه الله تعالى: وَلَكِنْ إِذَا أَقْبَلْتَ عَلَى اللَّهِ وَأَصْغَيْتَ إِلَى حُجَجِهِ وَبَيِّنَاتِهِ فَلَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا. هنا المؤلف رحمه الله تعالى يذكر لنا السبل التي يحتاج إليها الموحد في الدفاع عن نفسه، فذكر الأمر الأول، ألا وهو التسلح بالعلم، بمعرفة الحجج والبينات، بمعرفة الأدلة. فإن العلم من أعظم ما تضبط به الشبهات، من أعظم ما هناك سلاح فتاك أمام أعداء الدين، بمثل العلم. فوالله ما حمل أعداء الدين في هذه الأزمان من يهود، من نصارى، من أوروبا، من أمريكا، هم قوم يدعون إلى ضلالتهم، لكن هم كهم الدعوة السلفية في القضاء عليها، وفي كبح جماحها، دعوة تسير بقوة، تسير ببطء، لكن بقوة، بقوة، لأنها قائمة على العلم، كل من اعتقد شيئا اعتنقه بعلم، صعب حتى أصبحت الدعوة السلفية تكتسح بلاد أوروبا، تكتسح بلاد أوروبا. دعك من جماعات الإخوان، وجماعات المفلسين، فهؤلاء ما هم إلا بيادق، هم يتلاعبون بهم، اليوم عندهم حلال، غدا حرام، ضيعوا دين الله عز وجل، عندهم الموسيقى الإسلامية، والربا الإسلامي، والديسكو الإسلامي، ما بقي إلا أن يأتون بالخمر الإسلامي، كل شيء إسلامي، إسلامي، وضيعوا دين الله، أو من انبطح لمسألة الحوار مع الأديان، أو من يقول بمسألة تطبيع العلاقات مع اليهود والنصارى، أول من يبادر إلى إلغاء الجهاد، كما قال القرضاوي: القتال مع اليهود ليس لأجل الدين، مش باقي عالي. فالإخوان المفلسون ليسوا بذي حرج عند الكفار، وإنما أعظم ما حملوا هم القضاء على الدعوة السلفية. فذكر شيخه مقبل رحمه الله تعالى يكرر هذا دائما، يكرر هذا دائما، هذا تجد الحرب من تضييق عليه في الخدمات، وتشويه لعلمائهم، والطعن والغمز في أركان هذه الدعوة المباركة. فالتسلح بالعلم يا عبد الله من أعظم السلاح، من أعظم الأسلحة. وأي دعوة لم تقم على العلم، اعلم أنها بوار، وما هي إلا غبار، كالدخان، يظهر ثم يختفي، يظهر ثم يختفي. طيب هذا الأمر الأول الذي يحتاج إليه الموحد، الازدياد من العلم، والأمر الثاني كما أشار إليه هاهنا، الالتجاء إلى الله، الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى. قال: وَلَكِنْ إِذَا أَقْبَلْتَ عَلَى اللَّهِ، فالإنسان ولو آتاه الله علما، عليه أن يرغب إلى ربه، تعلقا، والتجاءا، وتضرعا، وهكذا هم الصالحون. وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، اللهم يا مقلب القلوب والأبصار، ثبت قلبي على دينك، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا. والصالحون مع ما آتاهم الله من العلوم والفهوم، إلا أنهم كانوا يلتجئون إلى الله، فلا تغتر يا عبد الله بعلمك، ولا بما آتاك الله، فإن من الناس من آتاه الله ذكاءا، لكن لم يعطه ذكاة، عنده ذكاء العقل، لكن ما عنده ذكاة النفس، بما يكون من التواضع، وخضوعه، والتجائه، وصدقه، تعلقه بربه. فالإنسان الموحد عند المجابهة يحتاج إلى علم، مع صدق اللجوء إلى الله. فقال: وَلَكِنْ إِذَا أَقْبَلْتَ عَلَى اللَّهِ وَأَصْغَيْتَ إِلَى حُجَجِهِ وَبَيِّنَاتِهِ فَلَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا. إن حرف توكيد ونصب، إن كيد الشيطان الكيد، الكيد هو إيصال الضرر على وجه خفي، إيصال الضرر على وجه خفي، فهو أسلوب من أساليب المكر. كيد الشيطان، فالشيطان من أساليبه للإضلال أنه يكيد للآدميين، فلربما يزجهم إلى الحرام، لكن تحت أمر خفي، تحت أمر خفي. طيب إن كيد الشيطان كان ضعيفا، ما معنى كان ضعيفا؟ هل معنى ذلك أن كان على بابها، تفيد المضي، تفيد المضي، كان، كان، ما كان، فيكون على معنى هذه الآية أن كيد الشيطان كان ضعيفا، والآن يتقوى ويتقوى ويتقوى ويزداد؟ هل هذا معنى هذا؟ ليس بصحيح. بل حتى أن بعض العلماء يجعل أن هذا من تفسير الضلال، إذا فسر كان هنا بمعنى المضي، أي أن كيد الشيطان كان ضعيفا، ضعيفا، ثم لا زال يتقوى ويتقوى ويتقوى، لأن سيكون معنى ذلكم أن من كان من قبلنا من الأنبياء والرسل، إنما جابه الشيطان في وقت ضعفه، كان ضعيفا، ونحن الآن نواجه الشيطان بكل قوته، هذا ليس بصحيح. فما معنى كان؟ كان في اللغة العربية تأتي على عدة معان، تأتي على معنى الاستمرارية، على معنى الاستمرارية، وهذا كثيرا ما يكون في أسماء الله وصفاته، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا، وَكَانَ اللَّهُ، المعنى كان الله، أي أنه كان، ثم لم يكن، حاشا، حاشا، أي بمعنى كان، ولا يزال، فمن معاني كان الاستمرارية، كما قلنا في أسماء الله وصفاته، كذلك في كثير من المواطن يعرف بسياقه، وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا، هذا الاستمرار، أي واحد سعى، شعرهم مشكور، وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا. ويؤتى مكان في لغة العرب بمعنى صار، من معاني كان، أي صار، كما قال ربنا في حق إبليس: أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، أي وصار من الكافرين، كان، أي صار. وتأتي أيضا كان بمعنى المستقبل، أي بما سيأتي في المستقبل، يأتي كان بما يستقبل، كما في قوله تعالى: إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا، كان مسؤولا، أي سنسأل عنه يوم القيامة، العهود والوعود والمواثيق، هذا متى السؤال؟ سنسأل عنها في المستقبل، إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا، أي سنسأل عنه. إذن دل على أن كان في لغة العرب تأتي بعدة معان، فلا تفهم هذه الآية على النطاق الضيق، بأن كيد الشيطان كان ضعيفا، أي أنه كان في ضعف، وانتهى، أما الآن أصبح أقوى، ولهذا الصحيح في هذه الآية أن تفسر إما على الاستمرارية، وإما على الصيرورة. إما على الاستمرارية: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا، أي كان، ولا يزال، كان، ولا يزال. أو بمعنى صار، وهذا قد أشار إليه أبو حيان رحمه الله تعالى في تفسيره، أشار إلى أن بعض العلماء يجعلون كان بمعنى صار، بمعنى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ صَارَ ضَعِيفًا، أي بظهور الإسلام، صار ضعيفا، بظهور الإسلام، أي لما ظهر الإسلام، تعاليمه، وعرف كيف محاربة الشيطان، ضعف، أي صار ضعيفا، هذا من معنى. إذن قول تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا، على قول الصحيح والراجع والأكثر، أي كان، ولا يزال ضعيفا. فإذا كان كيد الشيطان ضعيفا، إذن فلن يتمكن إلا على الضعفاء، لن يتمكن إلا على الضعفاء، إذا كان كيد الشيطان ضعيفا، إذن كيده سيمرر على الضعفاء، لأن من كان قوي الإيمان لن يستطيع أن يفعل الشيطان معه شيئا، مهما حاول أن الشيطان لن يستطيع معه شيئا، من كان قوي الإيمان، قوي الإيمان. إن الشيطان لن يستطيع معه، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف». فسر هنا القوة بقوة الإيمان. ومن هذه الآية سنعلم أيضا: إذا كان كيد الشيطان ضعيفا، وهو الإيمان، وهو القدوة لأعداء الدين، إذا سنعلم أن أتباع الشيطان أضعف، وضعفا. إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا، إذا كان هذا إمامهم ومقدمهم، كيد فيه ضعف، فإذا من يتفرع عن هذا الشيطان، من أوليائه، ومن أتباعه، من ملاحدة، وزنادقة، ومن كفار، ومن مشركين، فهم كذلك على شاكلته، ضعفا، ضعفا. قال رحمه الله تعالى: وَالْعَامِيُّ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ يَغْلِبُ الْأَلْفَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ، كما قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ. الْعَامِيُّ مِمَّنْ عَرَفَ التَّوْحِيدَ وَتَرَبَّى عَلَيْهِ، الْعَامِيُّ إِذَا عَرَفَ التَّوْحِيدَ، يَعْلَمُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَهُوَ عَامِيٌّ، لَكِنْ يَعْلَمُ، يَحْضُرُ الْحَلَقَاتِ، يَسْمَعُ الدُّرُوسَ، يَقْرَأُ الْفَتَاوَى، عِنْدَهُ عِلْمٌ، لَكِنَّهُ عَامِيٌّ، لَيْسَ بِطَالِبِ عِلْمٍ، وَلَا دَاعِيَةٍ. فَالْمُؤَلِّفُ مَا يَتَكَلَّمُ عَنْ الْجَاهِلِ الصِّرْفِ، مَا يَتَكَلَّمُ عَنْ الْجَاهِلِ الصِّرْفِ، يَتَكَلَّمُ عَنْ عَامِيٍّ، لَكِنَّ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ بِالتَّوْحِيدِ. قَالَ: يَغْلِبُ أَلْفًا مِنْ عُلَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ، لِمَاذَا يَغْلِبُهُمْ؟ لِمَا آتَاهُ اللَّهُ، مَا الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ؟ آتَ اللَّهُ هَذَا الْعَامِ الْمُوَحِّدِ آتَاهُ اللَّهُ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ، آتَاهُ اللَّهُ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ الَّتِي لَمْ تَنْتَكِسْ، أَمَّا هَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ عُدَّادِ الْعُلَمَاءِ، لَكِنِ انْتَكَسَتْ فِطَرُهُمْ، وَانْقَلَبَتْ، بِخِلَافِ الْمُوَحِّدِ، لَا زَالَ عَلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ. فَفِي فِطْرَتِهِ يَغْلِبُ غَيْرَهُ، يَغْلِبُ غَيْرَهُ. كَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمُوَحِّدَ لَا زَالَ تَوْحِيدُهُ كَامِلًا، هَذَا الْمُوَحِّدُ تَوْحِيدُهُ كَامِلٌ، مَا تَغَيَّرَ، وَمَا تَبَدَّلَ، تَوْحِيدُهُ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ، عَلِمَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ، أَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّازِقُ، عَلِمَ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ، أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الَّذِي يُعْبَدُ، عَلِمَ بِتَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، هَذِهِ الْأُمُورُ عِنْدَهُ عَلَى وَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِاللَّهِ، مَا اعْتَرَاهَا نَقْصٌ، وَلَا خَلَلٌ. لَكِنَّ عُلَمَاءَ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَوْحِيدَهُمْ نَاقِصٌ، وَمِنْ أَيْنَ جَاءَ النَّقْصُ؟ عَلَى قَدْرِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ الشُّبَهِ وَالطُرَحَاتِ، الشُّبَهُ أَنْقَصَتْ مِنْ تَوْحِيدِهِمْ جِدًّا، فَأَضْعَفَتْهُمْ. لِهَذَا الْعَامِيُّ يَغْلِبُ الْعَامِيَّ الْمُوَحِّدَ يَغْلِبُ هَذَا الْعَالِمَ الْمُشْرِكَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ. أَوَّلًا مِنْ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي لَمْ تَنْتَكِسْ بِالتَّوْحِيدِ الْكَامِلِ الَّذِي عِنْدَهُ، مَا نَقَصَ. وَهَكَذَا مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ الثَابِتَةِ الْمُحْكَمَةِ، الْعَامُّ عِنْدَهُ قَوَاعِدُ مِنْ خِلَالِ إِسْلَامِهِ وَاسْتِسْلَامِهِ وَمَعْرِفَةِ بِدِينِ اللَّهِ، أَصْبَحَتْ عِنْدَهُ قَوَاعِدُ رَاسِخَةٌ، قَوَاعِدُ رَاسِخَةٌ، وَالْعَامُّ مَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهَا أَبَدًا. مِثَالُ ذَلِكَ: مَعْرِفَةُ مَعْنَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، مَعْنَى الْعِبَادَةِ، هَذِهِ قَاعِدَةٌ عِنْدَ الْعَامِّ، مَا هُوَ التَّوْحِيدُ؟ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ، خَاصَّةٌ، هَذَا التَّوْحِيدُ، تَرَبَّى عَلَى هَذَا مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ، وَلَا زَالَ يَكْبُرُ مَعَ هَذَا التَّعْرِيفِ، مَا هِيَ الْعِبَادَةُ؟ وَكُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ اسْمٌ جَامِعٌ لِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، هَذِهِ الْعِبَادَةُ، هَذِهِ أَشْيَاءُ ثَابِتَةٌ عِنْدَ الْعَامِّ، مَا أَحَدٌ يَزَحْزِحُهَا. نَتَكَلَّمُ عَنْ الْعَامِيِّ الْمُوَحِّدِ الَّذِي عَاشَ فِي كَنْفِ التَّوْحِيدِ. مِنْ قَوَاعِدِ الَّذِي يَعْلَمُهَا كُلُّ مُوَحِّدٍ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مَا اعْتَقَدُوا فِي الْأَحْجَارِ، وَإِنَّمَا اعْتَقَدُوا فِي الْأَرْوَاحِ، الْعَامُّ يَسْمَعُ دَائِمًا عَنْ قَضِيَّةِ الشِّرْكِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْكُفَّارَ عِنْدَمَا عَبَدُوا الْأَصْنَامَ وَالْأَخْشَابَ وَالْأَشْجَارَ، إِنَّمَا أَرَادُوا الْأَرْوَاحَ، مَا أَرَادُوا هَذِهِ التَّمَاثِيلَ، مَا أَرَادُوا هَذِهِ الْأَجْسَامَ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْأَرْوَاحَ. وَهَكَذَا مِمَّا يَعْرِفُهُ الْمُوَحِّدُ الْعَامُّ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ: أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَرْتَدُّ بِأَشْيَاءَ تُخْرِجُهُ مِنْ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ، هُنَاكَ مَا يُسَمَّى بِالرِّدَّةِ، الْإِنْسَانُ يَكْفُرُ، وَأَنَّ مِنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَخْرُجُ، لَا يَخْرُجُ، يَخْرُجُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ، وَابْتُلِيَ الْإِنْسَانُ بِأَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ تَصُدُّهُ وَتَرُدُّهُ عَنْ دِينِهِ. وَهَكَذَا مَا عِنْدَ الْمُوَحِّدِ عَلَى أَنَّ صَرْفَ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ أَشْرَكَ، مَنْ دَعَا غَيْرَ اللَّهِ، فَقَدْ أَشْرَكَ، هَذِهِ قَوَاعِدُ كَثِيرَةٌ، وَأَمْثَالُهَا كَثُرٌ، هِيَ عِنْدَ الْعَامِّ مِنْ الْمُوَحِّدِ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهَا. فَالْعَامُّ لِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَلِمَا عِنْدَهُ مِنْ التَّوْحِيدِ، وَلِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعَظِيمَةِ، فَاللَّهُ يَثْبُتُهُ حَتَّى أَمَامَ عُلَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. عُلَمَاءُ الْمُشْرِكِينَ مَهْمَا حَرَصُوا عَلَى إِضْلَالِ هَؤُلَاءِ الْعَوَامِّ، يَثْبُتُهُمُ اللَّهُ. وَكَمْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ، كَمَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ ذَاكَ الْعَامِيِّ، عِنْدَمَا جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْقُبُورِيَّةِ، وَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ تُنْكِرُونَ عَلَيْنَا أَنَّنَا نَسْتَغِيثُ وَنَرْتَجِي بِالْأَمْوَاتِ، هَؤُلَاءِ مَا هُمْ أَمْوَاتٌ، مَا هُمْ أَمْوَاتٌ، فَهُمْ أَحْيَاءٌ. ثُمَّ يَأْتِي يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَمْرِ الشُّهَدَاءِ: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَقَالَ لَهُ هَذَا الْعَامِيُّ: أَكْمِلْ الْآيَةَ، عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. قَالَ: هَذَا الشَّهِيدُ يَا طَيِّبُ، اللَّهُ يُرْزِقُهُ، مَوْهُ يُرْزِقُ، نَحْنُ مَا قَالَ اللَّهُ أَنَّهُمْ يُرْزِقُونَ، بَلْ قَالَ: يُرْزَقُونَ. فَسَكَتَ هَذَا الْقَبُورِيُّ. وَفِيهِ كَمَا ذُكِرَ مِنْ بَعْضِ الْمَجَالِسِ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُقَرِّرُ لِلنَّاسِ الِاعْتِقَادَ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا اعْتَقَدَ فِي هَذَا الْقَبْرِ، وَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الْقَبْرِ، أَنْتَ اعْتَقِدْ، وَقُلْ: أَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّافِعُ وَالضَّارُّ، وَمَا فِيهِ شَيْءٌ. تَأْتِي إِلَى الصَّنَمِ، قَالَ: أَعْطِنِي، إِيش الْمُشْكِلَةُ فِي الْكُفَّارِ؟ لَوْ جَاءُوا عِنْدَ الصَّنَمِ، وَاعْتَقَدُوا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّافِعُ وَالضَّارُّ، فَسَكَتَ هَذَا الْقَبُورِيُّ. وَبِالْمِثْلِ يَعْنِي: إِيش يُعْتَلُّ مِنْهُ؟ إِذَا نَفْعَلُ هَذَا الْفِعْلَ بِفِعْلِكُمْ، أَنَّنَا نَعْتَقِدُ وَنَطْلُبُ مِنْ الْأَمْوَاتِ بِمُقَابِلِ يَشْفَعُ لَنَا، أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّافِعُ وَالضَّارُّ، وَمَا نَفْعَلُهُ مِنْ الْقُبُورِ جَائِزٌ. لِنَجْعَلَ الْمُشْكِلَةَ فِي الْأَصْنَامِ، نَقُولُ: يَا أَصْنَامُ، يَا أَصْحَابَ اللَّهِ، وَهْبِلَ، اتَّخَذُوا صَنَمًا، وَاطْلُبْ مِنْهُمَا شَيْئًا، وَاعْتَقِدُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّافِعُ وَالضَّارُّ، وَحْنُ وَيَاكُمْ سَوَاءٌ. فَسَكَتَ هَذَا الْقَبُورِيُّ. وَهَكَذَا حِكَايَةٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَمِمَّا أَذْكُرُ أَيْضًا فِي قِصَّةِ ذَاكَ السَّيِّدِ الَّذِي كَانَ يَتَلَصَّصُ عَلَى أَمْوَالِ الْعَوَامِّ، يَتَلَصَّصُ بِحَجَّةِ مَنْصِبِهِ. فَمَرَّ عَامِيٌّ وَمَعَهُ رَأْسُ غَنَمٍ، مَسْكِينٌ، فَهَذَا السَّيِّدُ كَمَا يُقَالُ: أَرَادَ هَذَا الرَّأْسَ، فَوَقَفَ، قَالَ: أَنَا عَيْنِي عَلَى هَذَا الرَّأْسِ، وَأَنَا مُحْتَاجٌ لِهَذَا الرَّأْسِ، قَعَدَ. فَحَاوَلَ الْعَامِيُّ أَنْ يُتَرْجِيَ السَّيِّدَ: أَخِي، هَذَا مُقَوِّتُ الْعِيَالِ، وَأَنَا مَا حَصَلْتُ، بَسْ شِدَّةُ حَصَلْتُ هَذَا الرَّأْسِ، مَا دَرَى إِيش. فَالسَّيِّدُ طَرَحَ رَأْسَهُ، فَرَجَا، قَالَ: أُرِيدُهَا. قَالَ: إِلَّا قَالَ: إِيش يَا سَيِّدُ؟ يَا وَاللَّهِ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، بِخَلِّي هَذَا الرَّأْسِ كَلْبٌ، مَا تَسُرُّ مِنْهُ بِشَيْءٍ. قَالَ: لَا، لَا، لَا يَا سَيِّدُ، لَيْش؟ لَيْشِ بِتُحَوِّلُهُ كَلْبًا؟ إِنْ كَانَ شِيءٌ حَوْلَهُ، رَأْسٌ، رَأْسَيْنِ، وَاحِدٌ لَكَ، وَوَاحِدٌ لِي، وَانْتَهَتِ الْمُشْكِلَةُ. إِنْ كَانَ عِنْدَكَ قُدْرَةٌ عَلَى أَنْ تُحَوِّلَ حَوْلَهُ رَأْسَيْنِ، رَأْسٌ لِي، وَرَأْسٌ لَكَ، وَانْتَهَتِ الْمُشْكِلَةُ. فَسَكَتَ. وَهَكَذَا الْعَامِيُّ الْمُوَحِّدُ الَّذِي عِنْدَهُ الْعَقْلُ السَّلِيمُ وَالْفِطْرُ السَّلِيمُ وَالْحُجَجُ، يَغْلِبُ، يَغْلِبُ. كَمَا فِي قِصَّةِ الْهَمْدَانِيِّ، عِنْدَمَا رَأَى الْجُوَيْنِيَّ، وَهُوَ يُقَرِّرُ مَسْأَلَةَ مَسْأَلَةَ وُجُودِ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ، وَلَا خَارِجَ الْعَالَمِ، وَلَا مُتَّصِلٌ، وَلَا مُنْفَصِلٌ، وَلَا مِنْهُ، وَلَا إِلَيْهِ. أَخَذَ يُقَرِّرُ عِلْمَ الْكَلَامِ فِي مَسْأَلَةِ وُجُودِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ: يَا إِمَامُ، رَحِمَكَ اللَّهُ، دَعْكَ، دَعْكَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ كُلِّهِ، فَلْسَفَةٌ. قَالَ: وَخَاطِبْنَا بِمَا نَجِدُ فِي