التعليقات على كتاب الأدب المفرد 13

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية دعوة الوالد ودعوة المظلوم

يتحدث هذا الفصل عن ثلاث دعوات مستجابات وفقًا لحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع التركيز على خطورة دعوة الوالد على ولده ودعوة المظلوم، ويحذر من الظلم والتسرع في الدعاء على الأولاد.

قصص الصالحين والصبر على الابتلاء

يتناول هذا الفصل قصتين؛ الأولى لجريج الراهب الذي فضل الصلاة على إجابة نداء أمه، والثانية عن راهب وملك وغلام يظهر فيهما معجزات إلهية وصبر الراهب على الاضطهاد.

دعاء الأنبياء والصالحين والتعقيب عليه

يتناول هذا الفصل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بمريم عليها السلام عند سماع آية تتحدث عنها، ويشير إلى براءتها من التهمة، مع الإشارة إلى فوائد هذا الحديث.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق ومرسلينا نبينا محمد، والآل وصحب أجمعين. أما بعد، فوقفنا بالأمس عند حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ذكره الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب، في باب دعوة الوالدين، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاث دعوات مستجابات لهن لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده». فدعوة المظلوم قلنا بأنها دعوة مستجابة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، إذا ظلم الإنسان في عرضه أو ماله أو غير ذلك من المظالم، فدعا على هذا الظالم، قبل الله جل وعلا دعاءه. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». وفي حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد: «دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين». فلهذا ينبغي للمسلم أن يجتنب الظلم، وأن يبتعد عن الظلم حتى لا تصيبه دعوة من هذا المظلوم، فتكون سببًا في هلاكه. قال: ودعوة المسافر كذلك أيضًا دعوة مستجابة، إذا سافر الإنسان سفرًا، فإن السفر سبب لاستجابة الدعاء. وكذلك دعوة الوالد على ولده، فهي كذلك دعوة مستجابة. وهذا بيان لعظم حق الوالدين على الأولاد، وأن دعوتهما تستجاب إذا دعا الوالد على ولده، استجيب له. ولهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من تعجل الوالد بالدعاء على ولده، بالتسرع في الدعاء، لأن دعوة الوالد مستجابة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يوافق فيها ساعة يسأل الله جل وعلا فيها، فيستجيب له لدعائه، فيندم بعد ذلك على هذا الدعاء». وهذا حاصل كثير من الآباء والأمهات، ربما إذا غضبوا على أولادهم، استعملوا الدعاء: «الله يهلكك، الله يميتك، أو الله يوريني فيك»، وكذا يدعون عليه، ثم يبتلى هذا الولد، إما يصاب بمرض، ربما بعد ذلك يجلس يعالج فيه وينفق الأموال والآلاف في علاجه، أو يدعو له بالموت، تضمه سيارة فيموت. وهذا واقع قد حدث من ذلك حوادث بسبب دعاء الوالد على ولده، فلهذا ينبغي للوالد أن يحذر من ذلك، وألا يستعجل في الدعاء، فإن دعوته على ولده مستجابة. قال: وحدثنا عياش بن الوليد، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قصيط، عن محمد بن شرحبيل أخي بني عبد الدار، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما تكلم مولود من الناس في مهد إلا عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، وصاحب جريج». قيل: يا نبي الله، وما صاحب جريج؟ قال: «فإن جريجا كان رجلا راهبا في صومعة له». والصومعة هو البناء المرتفع، ويكون محدد الأعلى، وهو المكان الذي يتخذ للتعبد، وهو من فعل النصارى، يتخذون الصوامع للتفرغ للعبادة. والفرق بينها وبين الكنيسة أن الكنيسة هي المعابد العامة التي يجتمعون فيها، والصومعة تكون للشخص الواحد. قال: وكان راعي بقر يأوي إلى أسفل صومعته، وكانت امرأة من أهل القرية تختلف إلى الراعي، يوم تختلف إلى الراعي. فأتت أمه يومًا، فقالت: يا جريج، يعني نادته وهو يصلي. فقال في نفسه، وهو يصلي: أمي وصلاتي، يعني الآن تعارض عندي إجابة أمي أو استمرار في الصلاة. فهل أجيب أمي أو أستمر في صلاتي؟ فرأى أن يؤثر صلاته، يعني استمر في الصلاة. ثم صرخت به ثانية، فقال في نفسه: أمي وصلاتي، فرأى أن يؤثر صلاته. ثم صرخت به ثالثة، فقال: أمي وصلاتي، فرأى أن يؤثر صلاته. فلما لم يجبها، يعني استمر في صلاته، وقد سألته ثلاث مرات، قالت: لا أماتك الله يا جريج حتى تنظر في وجه المومسات. والمومسات جمع مومسة، وهي الزانية. قال: ثم انصرفت، فأتي الملك بتلك المرأة، ولدت. وفي بعض الروايات أنه لما استمر جريج في عبادته وبلغ شأنه وانتشر واشتهر، أراد بعض الفتنة وأهل السوء أن يفتنوه. وكانت هناك امرأة بغي زانية، وكان يضرب بها المثل بحسنها، فقالت: أنشئتم لأفتننه. فكانت تأتي إلى صومعته، وكان جريج لا يلتفت إليها، كان لا يلتفت إليها، يقبل على صلاته. فلما رأى ذلك منه، وكان راعي يأتي في غنمه، كما في الرواية، أمكنته من نفسه، فزنى بها، ثم ادعت أن جريج هو الذي زنى بها. فلهذا أوتي بتلك المرأة، يعني بعد أن وقع الزنى وحملت وولدت، جئ بها، فقيل: ممن هذا الولد؟ وممن حصل الزنى؟ قالت: من جريج، نسبت هذا الولد زورًا وبهتانًا إلى جريج. قال: أصحاب الصومعة؟ قالت: نعم. قال: اهدموا صومعته، واهتوني به، يعني أمر هذا الملك بأن تهدم صومعته. قال: فوقعوا صومعته بالفؤوس حتى وقعت، فجعلوا يده إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به، فمر به على المومسات، يعني على الزانيات. قال: فرآهن فتبسم، وهن ينظرن إليه في الناس، إن قلتم الناس كلهم، وهو يوقظ ويجر إلى الملك. فقال الملك: ما تزعم هذه؟ قال: ما تزعم؟ قال: تزعم أن ولدها منك. قال: أنت تزعمين؟ قالت: نعم. قال: أين هذا الصغير؟ قالوا: هذا في حجرها. فأقبل عليه، فقال: من أبوك؟ قال: راعي الغنم. وفي بعض الروايات أنه قال: دعوني أصلي، فتوضأ ثم صلى، ثم أتى إلى هذا الصغير، فطعنه، يعني في أصبعه أو في بطنه، فقال: من أبوك؟ قال: فلان الراعي. قال الملك: أنجعل صومعتك من ذهب؟ قال: لا. قال: من فضة؟ قال: لا. قال: فما نجعلها؟ قال: ردوها كما كانت. قال: فما الذي تبسمت؟ قال: أمرًا عرفته، أدركتني دعوة أمي، ثم أخبرهم، يعني بما حصل له مع أمه. الأثر هذا هو الصحيح، وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه ذكر هذه القصة بطولها، مع اختلاف بعض الألفاظ. وفيه كذلك ذكر الصبي الثالث، وهو الصبي الذي كان مع امرأته. فمرت به امرأته على رجل ذي منظر حسن، وكانت عنده أموال، فلما نظرت إليه، قالت: ﴿اللهم اجعل ابني مثله﴾. وكان يرضع من أمه، كان يمص الثدي، قال: فتركه، ونظر إليه، فقال: ﴿اللهم لا تجعلني مثله﴾. ثم رجع فالتقم الثدي. فمرت على امرأة وهم يضربونها، يقولون: زنيت، سرقت، وهي تقول: لا. فقالت: ﴿اللهم لا تجعل ابني مثلها﴾. فترك الثدي، ونظر إليها، وقال: ﴿اللهم اجعلني مثلها﴾. فتعجبت الأم من ذلك، فسألته: مررنا على ذات الرجل، وكان ذا شارة حسنة، يعني له ركب وله أموال ونحو ذلك، فقلت: ﴿اللهم اجعل ابني مثله﴾، فقلت: ﴿اللهم لا تجعلني مثله﴾. فقال: «إن ذاك كان رجلًا فاجرًا أو جبارًا». فقلت: ﴿اللهم لا تجعلني مثله﴾. ثم مررنا على تلك المرأة، وهم يضربونها، يقولون: سرقت، زنيت، وهي تقول: حسبي الله. فقال: فقلت: ﴿اللهم لا تجعل ابني مثلها﴾، فقلت: ﴿اللهم اجعلني مثلها﴾. فقال: «إنها كانت مظلومة صادقة»، يعني أنها بريئة لم تسرق ولم تزني، فقلت: ﴿اللهم اجعلني مثلها﴾. وإن شاء الله نتكلم على هذا الحديث بذكر بعض فوائده في درس آخر. والله تعالى أعلم. شكرًا لكم.