الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 43، ألقاها
استعراض لأحاديث نبوية صحيحة تتعلق بأحكام وفضائل الصيام، مثل حكم الإفطار في يوم غيم، وفضل صيام يوم عرفة. هذه الأحاديث تشير إلى أحكام وفضائل مختلفة في الصيام.
يتناول المقطع أحكام الصيام في السفر والحضر، مثل صوم يوم عرفة، وهدي النبي في الأكل يوم الفطر والنحر، وتناول بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالصيام.
المقطع يتناول أحاديث نبوية تتعلق بصيام التطوع وأحكام الصيام، مثل صيام أيام البيض، ودعاء الفطر، وأحكام القبلة والمضمضة للصائم.
التعجيل بالفطر يكون عند تحقق الغروب، وهو المراد بالتعجيل في الفطر، حيث يُستحب للصائم أن يفطر بمجرد غروب الشمس.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في ذكره لأحاديث صحيحة تتعلق بالصيام: ثامن والأربعون، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، قالت: أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم، ثم طلعت الشمس. قلت لهشام: أمروا بالقضاء؟ قال: بد من ذلك. والحديث أخرجه البخاري. تخبر أسماء رضي الله عنها أنهم أفطروا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم غيم، كانت هناك غيوم وصحب السماء، فظنوا أن الشمس قد غربت، فأفطروا، فطلعت الشمس. معنى أنهم أفطروا قبل الغروب خطأ، فقلت لهشام بن عروة: أمروا بالقضاء؟ هل قضوا ذلك اليوم؟ قال: بد من ذلك، يعني لا بد من القضاء. قال: تاسع والأربعون، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: رخص للكبير الصائم في المباشرة، وكره للشاب. الحديث أخرجه أبو داود، ابن ماجة، وصححه الألباني رحمه الله. وهذا الحديث فيه التفريق في حكم المباشرة في نهار الصيام بين الكبير وبين الصغير، فقال: رخص للكبير الصائم في المباشرة، وكره للشاب. ويكره للشاب المباشرة؛ لأن الشاب مظنة، يعني غلبت الشهوة، بخلاف الكبير. معنى كون المباشرة غير محرمة حتى على الشاب، هي مكروهة فقط. وإذا كان يعلم من نفسه أنه لا يتمالك نفسه، فهنا تحرم عليه سدًا للذريعة. قال: الخمسون، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ما صمنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين. الحديث أخرجه أبو داود، ابن ماجه، والطبراني، وصححه الألباني رحمه الله. وجاء عند الترمذي من حديث ابن مسعود. قال: قوله "ما صمنا" موصولة، يعني بمعنى "الذي". فيكون المعنى: الذي صمنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين. يعني كان خروج الشهر في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أنه يخرج تسعًا وعشرين أكثر من خروجه ثلاثين. قال: الحادي والخمسون، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجلوا الفطر؛ فإن اليهود يؤخرون». الحديث أخرجه أبو داود، ابن ماجه، وابن خزيمة، وصححه الألباني رحمه الله. عجلوا الفطر؛ فإن اليهود يؤخرون. فتعجيل الفطر هو بسرعة الإفطار عند تحقق غروب الشمس، وهو من السنن التي حث عليها النبي عليه الصلاة والسلام، وفيها مخالفة لليهود. فيه مخالفة لليهود بأنهم يؤخرون الفطر. قال: الثاني والخمسون، عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة؛ إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده». الحديث. صيام يوم عرفة، أي يوم التاسع من ذي الحجة؛ إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده. يعني صيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين: سنة ماضية وسنة باقية. وهذا يدل على فضيلة صيامه، والمراد بتكفير الذنوب أي صغائر الذنوب. قال: الثالث والخمسون، عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة بعده». الحديث أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني رحمه الله. وهو بمعنى حديث أبي قتادة. من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه، يعني السنة التي قبله، وسنة بعده، أي التي ستأتي. قال: الرابع والخمسون، عن بريدة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل، وكان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع. الحديث أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني. هذا كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يخرج يوم الفطر، أي في عيد الفطر، حتى يأكل، وسيأتي معنى أنه يأكل ولو تمرة. ولا يأكل يوم النحر حتى يرجع، يعني من صلاة العيد، فيأكل من هديه وضحيته. قال أبو إبراهيم -وفقه الله-: فيكون إحصاء هلال شعبان لرمضان بالنص، وإحصاء هلال ذي الحجة للحج للقياس؛ يعني بقياس إحصاء هلال شعبان لرمضان، ويقاس عليه إحصاء هلال ذي الحجة للحج. قال: السابع والخمسون، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم». الحديث أخرجه أبو داود، ابن خزيمة، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع، وضعفه في ضعيف سنن أبي داود. قال أبو إبراهيم رحمه الله: يحمل قوله "من قاء" على من لم يتعمده؛ جمعًا بين الحديثين. يعني هذا الحديث وحديث أبي هريرة: «ومن ذرعه القيء فليقض». فيحمل قوله "لا يفطر من قاء" أي من لم يتعمد القيء بأن غلبه القيء وخرج بغير تعمد منه، فإنه لا يضر بصومه. وقوله "ولا من احتلم"؛ لأن القلم مرفوع عن النائم حتى يستيقظ. يعني من احتلم وهو صائم فصومه صحيح؛ لأن الاحتلام ليس باختياره، الاحتلام ليس باختياره ولا بقصده، ولذلك لا يضر هذا بصومه. قال: قوله "ولا من احتجم" هذا مبيح، وحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» مانع. يعني إذا اجتمع الحاضر والمبيح قدم الحاضر، كما هي القاعدة. نعم، القاعدة أنه إذا اجتمع حاضر ومبيح قدم الحاضر، لكن هذا عند عدم إمكان الجمع. هذا عند الترجيح إذا أردنا أن نرجح بين حديثين أو دليلين أحدهما حاضر والآخر مبيح قدم الحاضر، لكن إذا أمكن الجمع بين الأحاديث بوجه من وجوه الجمع فإن الجمع مقدم على الترجيح. الجمع مقدم على الترجيح. وأحاديث الحجامة التي فيها الفطر بالحجامة دلت أحاديث أخرى على ترخيص النبي عليه الصلاة والسلام بالحجامة، كما بحديث ابن سعيد عند الطبراني: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص بالقبلة للصائم والحجامة. والترخيص لا يكون إلا بعد منع، فيدل هذا الحديث على نسخ الأحاديث الدالة على الفطر بالحجامة. يدل على نسخ حديث الدال على الفطر بالحجامة. وهذا الحديث أيضًا يدل على أن الحجامة لا تفطر؛ تدل على أن الحجامة لا تفطر. قال: ولا من احتجم، أي لا يفطر من احتجم. ويكون هذا دالًا على قول من قال من أهل العلم بعدم الفطر بالحجامة، هو قول الجمهور. هو قول الجمهور أهل العلم، ويدل على نسخ الفطر بالحجامة. قال: الثامن والخمسون، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع صوم أيام البيض في سفر ولا حضر. أخرجه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الجامع. كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع صوم أيام البيض في حضر ولا سفر. ومعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على صيام أيام البيض، يواظب على صيام أيام البيض في السفر وفي الحضر، فلا يدع صيام أيام البيض في سفره وفي حضره عليه الصلاة والسلام. قال: التاسع والخمسون، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا أفطر: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله». والحديث أخرجه أبو داود، والبيهقي، والدارقطني بإسناد حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، والشيخ ابن باز رحمه الله في حاشيته على بلوغ المرام. وهذا أصح ما ورد في الدعاء عند الفطر: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله». قال: الستون، عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء؛ فإنه طهور». أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، وصحح إسناده الشيخ ابن باز رحمه الله. قال أبو إبراهيم رحمه الله: وحديث «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء؛ فإنه طهور» حديث حسن لغيره. الحديث كما سمعنا بعض العلماء ضعفه، وبعضهم حسنه. ومثل هذا الحديث يشهد له حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر على رطبات، فإن لم يكن فتمرات، فإن لم يكن فحسى حسوات من ماء. قال: الحادي والستون، عن جابر رضي الله عنه: أن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم، قال: فرأيت لو تمضمضت بماء، قال: لا بأس. قال: ففيما؟ الحديث أخرجه أحمد، أبو داود، والنسائي، وصحح إسناده الشيخ ابن باز رحمه الله. وهذا فيه جواز القبلة للصائم، وأنها لا تضر بالصيام. كما أن المضمضة للصائم مباحة، كذلك أيضًا القبلة. فعمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم، قال: فرأيت لو تمضمضت بماء، قال: لا بأس، يعني ليس بهذا حرج. قال: ففيما؟ يعني كذلك القبلة؛ فإنها لا تضر بالصيام. قال: الثاني والستون، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: أحب عبادي إلي أعجلهم فطرًا». أخرجه أحمد، والترمذي، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن الترمذي، وحسنه شيخ ابن باز رحمه الله في تعليقه على بلوغ المرام. قال شيخ ابن باز رحمه الله: رواه أحمد والترمذي من رواية الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وكلهم أئمة ثقات سوى قرة؛ فهو صدوق، لكن له مناكير كما في التقريب. قال أبو إبراهيم رحمه الله: فإذا لم يكن هذا الحديث من مناكيره، فهو حديث حسن كما قال الشيخ ابن باز. وانظر شواهده. نعم، فالحديث محتمل للتحسين. وكما قال المؤلف رحمه الله: إذا لم يعد هذا الحديث من مناكير قرة بن عبد الرحمن، فهو حديث حسن. ومعناه صحيح: أحب عباد إلي أعجلهم فطرًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على تعجيل الفطر، وعلق حصول الخيرية وكثرتها بتعجيل الفطر. ولا شك أن الشيء الذي يأمر به النبي عليه الصلاة والسلام فهو مما يحبه الله سبحانه وتعالى. والمراد بالتعجيل الفطر يعني عند تحقق الغروب، عند تحقق الغروب.