التعليق على أصول في التفسير 18

الدرس في التعليق على أصول في التفسير 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في تفسير المتشابه والراسخين في العلم

يتناول المقطع الأول تفسير الآية التي تفرق بين موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه في القرآن. يشرح الاختلاف في تفسير الواو في قوله «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» وتأثير ذلك على فهم الآية.

تفسير الآيات المتعلقة بالحكم والكفر والتعامل مع المتشابه

يناقش المقطعان الثاني والثالث تفسير آية الحكم والكفر، ويوضحان أن الكفر المذكور ليس هو الكفر المطلق. كما يناقشان مفهوم المتشابه في القرآن وكيفية التعامل مع الآيات التي قد يبدو ظاهرها متعارضًا.

النهي عن الشرك وبيان عظمته

يزيل المقطع الرابع الاشتباه حول الرسول صلى الله عليه وسلم ببيان عظمة النهي عن الشرك، حيث يوضح الله عز وجل أن حتى الأنبياء لو أشركوا لحبط عملهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه معنى، على ما ذكره الله عز وجل في الآية التي في سورة آل عمران. قال: إن موقف الراسخين في العلم من المتشابه، وموقف الزائغين منه، بيّنه الله تعالى، فقال في الزائغين: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، وقال في الراسخين في العلم: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا». فالزائغون اتخذوا من هذه الآيات المشتبهات وسيلة للطعن في كتاب الله، وفتنة الناس عنه، وتأويله لغير ما أراد الله تعالى به، فيضلون ويضلون. المسألة: هذه الآية اختلف العلماء في هذه الواو في قوله «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»، هل هي واو استئنافية أو هي عاطفة؟ فإن كانت هذه الواو عاطفة، فمعنى الكلام: والراسخون في العلم أيضا يعلمون المتشابه، يعلمون تأويل المتشابه. ولهذا بسبب هذا اختلف السلف في معنى هذه الآية، فقال بهذا ابن عباس وجماعة: أن الواو هنا عاطفة، أنه والراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه، لأن الله عز وجل يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. معنى: إذا كان الواو عاطفة هنا، أي أن الراسخون أيضا، أن الراسخين في العلم يعلمون أيضا تأويل المتشابه، مثل ما يعلمه الله عز وجل، أي أن الله عز وجل يعلم هؤلاء بسبب علمه، تعلموا كيف يعرفون تأويل المتشابه. وأما الزائغون، فهم لا يعلمون تأويل المتشابه، فقال: وأما «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»، فلهذا قالوا: المراد من هذا أن العلماء يعرفون العام والخاص، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، يعلمون هذه الأشياء، يجمعون بين الأدلة، ليس مثل أهل البدع، والذين لا يعرفون، أهل الزيغ، فهم ينظرون إلى النصوص كما قال شيخ الإسلام: نظرة عوراء، يأخذون نصوص ويتركون نصوصا، ليس مثل أهل السنة يجمعون بين النصوص. أنظروا إلى الخوارج، أخذوا نصوص الوعيد وتركوا نصوص الرجاء، فضلوا، وقالوا: هذا الوعيد لابد أن ينفذه الله، لابد أن ينفذه، ما دام أنه أوعد هؤلاء بكذا، فهذا لابد أن ينفذه، هذا جهل، جهل أولا بالنصوص، وجهل أيضا بلغة العرب، وبما كان عليه الناس، الوعيد لا يجب أن ينفذ أصلا، الذي يجب أن ينفذ هو الوعد، أما الوعيد، فهو أمر حسن، وأمر كمال، وغالبا يكون من الرحمة. ولهذا الله عز وجل يقول: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي»، فالآن مثلا الأب إذا قال مثلا لولده: إن لم تفعل كذا سأفعل بك كذا وكذا، ثم عفى عنه، فالعفو عند المقدرة يعتبر حلم، فالعفو في الوعيد أصلا حلم ورحمة إذا عفى عن من توعده. والله عز وجل يقول: «وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ»، فالوعد لا يخلفه الله أبدا، لكن الوعيد إذا أخلف، فهو المراد به الرحمة والحلم، فهذا الذي لم يفهمه هؤلاء المعتزلة الضالون، فأوجبوا على الله عز وجل أن ينفذ الوعيد، مع أنهم تركوا النصوص التي فيها الرحمة والرجاء. فقلنا: أن هؤلاء أخذوا النصوص الوعيد، وبالمقابل، المرجئة أخذوا نصوص الرجاء وتركوا نصوص الوعيد، أخذوا نصوص تشبثوا في نصوص الرجاء وتركوا نصوص الوعيد، وهكذا، فأهل البدع غالبا تذهب عليهم هذه الأشياء، الجمع بين الأدلة. لكن الراسخين في العلم، هم الذين يجمعون بين أدلة الكتاب والسنة، فما كان متشابه منه ردوه إلى المحكم، وما كان فيه غموض، بينوا غموضه بالآيات الأخرى. فلهذا فهناك آيات محكمات، وهناك آيات متشابهة، مثلا قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، فهنا قوله «خَالِدًا فِيهَا»، المرجع الخلود هنا العبدي مثل الكفار، فقال بهذا الخوارج، قالوا: نعم. طيب لما نظر الأئمة إلى النصوص الأخرى، الله عز وجل سمى القاتل «أَخ»، فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، سماه «أخ» مع أنه قاتل، ولو كان مثلا كافرا لما سمه «أخ». وقال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، سماهم مؤمنون وهم يقتتلون، وأيضا كذلك الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، هذه الآية العامة. طيب كيف نجمع بين هذه النصوص؟ العلماء قالوا: أن المراد هنا بالقتل استحلال القتل، أنه يستحل دم أخيه، من قتل نفسا متعمدا أي استحل دم أخيه، فهذا لا شك أنه كافر. وبعضهم قال: أن المراد «خَالِدًا فِيهَا» أي طول المكث، طول المكث، ليس المراد أنه خالد مثل الكفار، الكفار ليس، فسروا هذه الأشياء، وليس تعولوا هذا المتشابه لأجل أن هناك محكمات، هناك أشياء محكمة، معناه لابد أن يرجع هذا المتشابه إلى المحكم حتى يعرف معناه، وإلا كان الضلال، وإلا كان الضلال. مثلا الخوارج يقولون في قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، من يعص الله فقد ضل ضلالا مبينا، هذه قالوا: آية عامة، الذي يعص الله فهو ضال، كافر. طيب أين الآيات الأخرى؟ كيف نفعل بالآيات الأخرى؟ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، وأيضا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وآيات كثيرة في هذا الباب، أن الله عز وجل يغفر الذنوب، وحديث كثيرة جدا منها الذي ذكرنا. فأين نذهب بهذه النصوص؟ لماذا نأخذ نص ونترك النصوص الأخرى؟ أيضا الخوارج أخذوا قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قالوا: أنه كافر. طيب هناك آية أخرى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ليش أخذتم الكافر وتركتم الفاسق والظالم؟ ولهذا العلماء جمعوا بين هذه الآيات، فليس المراد حتى الذين قالوا بالكفر، لكن قالوا: قد يكفر، وقد يفسق، وقد يظلم. أنا: فيه فسق، وفيه ظلم، وفيه كفر، وأيضا أخذ الآية على عمومها، أيضا سيعارض أدلة كثيرة، أن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، لم يحدد حاكما، ما حدد أنه حاكم لابد يكون حاكم دولة أو من الآن. أنظارهم كلها إلى حاكم الدولة الذي يحكم الدولة، من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، الحكام كفار. طيب هناك أيضا حكام آخرين، أب الأسرة أيضا نعتبر حاكم في أسرته، راع في أسرته، هو داخل في هذه الآية، إذا لم يحكم شرع الله فهو كافر، على قوله. أنا مثلا ترك مثلا بعض بناتي يخرجن في شيء من التبرج، ترك أولادهم مثلا يخرجون وفيهم شيء مثلا من معصية الله عز وجل، أو هناك أشياء في البيت أيضا فيها المعاصي، ينظرون إلى النساء العاريات في التلفاز وفي غيره، وهكذا. فهل معنى ذلك أن هذا الرجل كافر لأنه لم يحكم بشرع الله في بيته؟ هذا ما يقوله أحد، معنى: إذا أراد الإنسان أن يأخذ بعموم الآية، فهذا سيورد عليه موارد كثيرة. ولهذا السلف عرفوا أن هذه الآية ليست على هذا، فلهذا جاء عن ابن عباس أنه قال: «لَيْسَ الْكُفْرُ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ»، معنى: ليس الكفر هذا الآية في الآية، ليس الكفر الذي تذهبون إليه، هذا كفر دون كفر. وفي لفظ قال ابن عباس: «هَذَا لَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ»، هذا كفر آخر، دون الكفر، هذا معنى هذا يعتبر من كفر النعمة، كفر النعمة، الله عز وجل أنعم على هذا الإنسان، فجعله له ذرية، له حكم، له كذا، له رعاية، له ناس، فلا بد أن يفي بنعمة الله عز وجل عليه، لا يكون كافرا. فلهذا هؤلاء أخذوا بعض النصوص وتركوا النصوص الأخرى، إلى الآن تجد بعضهم إلى الآن، بعض السرورية مثلا هؤلاء يقولون: أن الكفر في هذا كفر واحد، أنا ليس كفران في هذه الآية، لكن ينزلون هذا الحاكم فقط، نزلوا على أنفسكم، أنتم أنتم الآن ما أقمتم شرع الله في بيوتكم، معنا أنتم كفار على هذه الآية، على عموم هذه الآية، أنتم كفار لأنكم ما أقمتم شرع الله في بيوتكم. فلكن هم ينزلون هذه الآية على الحاكم فقط، حتى صرح بعضهم، تعرفون هذا الأهدل، قال: أن الكفر واحد في هذه الآية، ليس كفر كفران، أنا يرد على السلف ويرد على كذا، قال: الكفر واحد، لأن الله عز وجل قال: «أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»، تجد بعض السلف، لأنهم عرفوا أن هذا المعنى لا يكون على العموم، مثل أبي عبيدة القاسم بن سلام، قال: «أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»، أي الذين يتصفون بهذه الصفات هم الكافرون، لكن المسلم إذا وقع منه شيء من هذا، ليس هو داخل في أولا، لكن تشبه بهم. أنا أنظر إلى تأويل السلف لهذه الآية، معنى: بعضهم حملها على أن «أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»، أي هؤلاء أهل الكتاب هم كافرون أصلا، من صفاتهم أنهم لا يحكمون شرع الله، فمن لم يحكم شرع الله، ففيه صفة من صفات اليهود والنصارى، لكن ليس أنه كافر، ليس أنه كافر مثلهم، لأنه كما قلنا: إذا قلنا أن كل من لم يحكم بشرع الله فهو كافر، فهذا تكفير عام للأمة، أو لجميع الناس إلا من رحم الله، وهذا هو مذهب الخوارج أصلا، أن يكفرون الأمة بسبب المعاصي. فلهذا فالعلماء الراسخون في العلم يجمعون بين النصوص، يجمعون بين نصوص الكتاب والسنة، حتى المتشابه يوافق المحكم، المتشابه يوافق المحكم. ولهذا لما اجتمع علي رضي الله عنه بعد صفين اجتمع بالناس، فكان يتكلم، فقام الخوارج بعض الخوارج يقولون: «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»، أنت معناه يقول: حكمت الرجال، ولا حكم إلا لله، وخرجوا هكذا، ذاك يصيح من هنا، هذا يصيح من هنا: «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ». هذا قال علي رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطن، هذه كلمة حق، الحكم لله، لكن أنتم الآن تريدون باطن، هل معنى إذا حكمنا الرجال في الصلح، معنى أننا حكمنا غير الله؟ هذا شرع الله أيضا. ولهذا لما ابن عباس لما ذهب إلى يناظر الخوارج، قال: إيش عندكم على ابن عم رسول الله؟ قالوا: أنه حكم الرجال، والله عز وجل يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، أن الحكم إلا لله، وهو حكم الرجال. أنظروا إلى فهم هؤلاء القوم، معنى: أخذوا قول الله عز وجل: أن الحكم إلا لله، ونسوا أن هناك أمور معنى جعلها الله عز وجل سبب للإيصال إلى حكمه. فقال لهم: الله عز وجل يقول: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقًا بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا أَنْ يَصْلُحَا﴾، معنى: قال لهم الآن: بضع امرأة، معنى: بضع امرأة أعظم أو حق اندماج المسلمين، هذا الله عز وجل جعل الحكم في امرأة وزوجها، معنى: حصل بينهم خلاف، الله عز وجل قال: هاتوا حكم من أهله وحكم من أهلها أن يصلحا، يوفق الله بينهما. هل الله عز وجل هنا رضي بحكم غيره؟ لا، هذا من حكم الله، هذا من حكم الله، معنى: قال لهم: هذا بضع امرأة، جعل الله عز وجل حكم للرجال. وأيضا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أنا قال: صيد، حكم الله عز وجل فيه الرجال، معنى: جعل قتل مثلا أرنب، أي شيء يخرج يخرج مثلا طلي، من يحكم؟ يحكم أهل الخبرة، حكم الله عز وجل في حكم حكم الصيد، حكم الرجال. قال: فما بالكم بحق دماء المسلمين؟ رأوا أن هذا صحيح، قالوا: خرجنا، قالوا: خرجنا، معنى: هم الآن أول فكروا: «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ»، ما في حكم للرجال، ظنوا أن لا حكم إلا لله معنى في كل شيء مثل هذا، وظنوا أن هذا ليس من حكم الله. فلهذا قال العلماء: أن الواو «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»، قال بعضهم: أنها عاطفة، كما هو قول ابن عباس وجماعة، ومعنى الآية: سيكون «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ»، يعلمون العام من الخاص، يجمعون بين النصوص. وقال: وأما قال بعض: القول الثاني، أن الواو هنا استئنافية، الواو استئنافية، استأنفت حكما آخر، فمعنى: يقف الحكم إلى قوله جل وعلا: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ»، الواو هنا بعد ذلك جاءت استئنافية، «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ»، ما معناه الآن؟ في القول الثاني، على أنها استئنافية، أي أن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه، لا يعلمه إلا الله، لكن الراسخون في العلم يقولون: «آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا»، ما يدخلون في تأويل المتشابه، كل من عند ربنا، وما يذكروا إلا أولو الألباب. فلهذا على القول الثاني أيضا، قال به جماعة من السلف أيضا، ليس فيه إشكال في الآية، لأنه إذا حملناها على العموم، على أن الواو هنا عاطفة، نقول: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، يعلمون العام بالخاص، المجمل المبين، يجمعون بين النصوص، فيردون المتشابه إلى المحكم. وأما إذا قلنا: أن الواو استئنافية، فالمراد أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه، لأن المتشابه هذا الذي هو لا يعلمه إلا الله، فيكلونه إلى الله. فلهذا المتشابه على نوعين: متشابه يعلم إذا رجع إلى المحكم يعلم معناه، فهذا يعلمه العلماء، ويبينونه للناس، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، مثل مثلا حقائق الصفات، مثل حقائق نعيم الجنة والنار، وغيرها، فهذه الأشياء لا يعلمها إلا الله. فلهذا يرد العلم إلى الله سبحانه وتعالى، هنا أرد على ما ذكره رحمه الله من الأمثلة التي ذكرها. قال: وعما الراسخون في العلم يؤمنون بأن ما جاء في كتاب الله فهو حق، وليس فيه اختلاف ولا تناقض، لأنه من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. وكان الإمام ابن خزيمة رحمه الله، إمام الأئمة، يقول: هاتوا لي حديثين أو آيتين أو آية وحديث، تظنون أنهما متعارضين، فسأجمع بينهما، ما فيه في القرآن أبدا تعارض، ولا في السنة تعارض، معنى: السنة صحيحة، ليس هناك تعارض بين القرآن والسنة، ولا في القرآن، ولا في السنة، لكن يحتاج إلى جمع، كما يذكرونها. والعلماء يعني إذا وجدنا النصين ظاهرهما التعارض، فإما إن كان يستطاع الجمع، يجمع بينهما، إن لم يستطع الجمع بينهما، علم المتقدم المتأخر، فنسخ، إن لم يعلم المتقدم المتأخر، فالترجيح يرجح بينهما، وإلا الأصل ليس هناك تعارض. يقول: هذا تجد الآن بعض الناس مثلا على قصور العلم، مثلا يقرأ بعض الآيات، بعض الناس يقول: إيش هذا تناقض؟ هذا كأنه فيه تناقض، الأمر معنى على فهمه، لكن لما يأتي إلى العالم يبين له أن هذا في كذا، وهذا في كذا، فيتضح له الأمر. قال: ما جاء مشتبها ردوه إلى المحكم ليكون الجميع محكما، ويقولون في المثال الأول: أن لله تعالى يدين حقيقتين، على ما يليق بجلاله وعظمته، لا تماثلان أيدي المخلوقين، كما أن له ذات لا تماثل ذوات المخلوقين، لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ويقولون في المثال الثاني: أن الحسنة والسيئة كلتاهما بتقدير الله عز وجل، لكن الحسنة سببها التفضل من الله على عباده، أما السيئة فسببها فعل العبد، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، فالحسنة سببها الفضل من الله، والتوفيق من الله سبحانه وتعالى، يوفق عباده إلى الحسنات. وأما السيئة فقد يكون سببها العبد، معنى: بسبب ذنوبه صارت هذه السيئة تكاثرت عليه السيئة، قال: فإضافة السيئة للعبد من إضافة الشيء إلى سببه، لا من إضافته إلى مقدره، يعني: هو لا يقدر هذه السيئة، وإنما هي من تقدير الله، أما إضافة الحسنة والسيئة إلى الله، فمن باب إضافة الشيء إلى مقدره. يعني: أنظر إلى هذا معنى: الذي يقرأ هاتين الآيتين سيقول: هذه متعارضة، كيف الله عز وجل قال في الآية هذه: ﴿فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، وفي الآية الأخرى خلاف هذا، على أن الحسنة والسيئة من الله، معنى: للسان يقول: إيش هذا التناقض؟ لكن إذا رجع إلى كلام العلم، وجد كيف يجمعونها، العلماء جعلوا أن إضافة السيئة إلى العبد، ليس لأجل أنه مقدر لها، وإنما هو سببها، هو سبب هذه السيئة، معنى: سبب هذه المصيبة التي أصابته، من أين هذه المصيبة؟ قل: هو من عند أنفسكم، كما قال الله عز وجل للصحابة في أحد، لما تساءلوا: من أين هذا دخل علينا هذا الهزيمة؟ أو أقصد أنهم قتل سبعين رجلا مننا، من أين دخل علينا هذا؟ قال: «هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ»، بسبب. فلهذا قد تكون السيئة معنى: أقصد السيئة أو المصيبة أو كذا الذي يصاب، بسبب ما أصاب من مصيبة: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، لكن للعاقل أن هذا من الله، وقوع هذه المصيبة هو من الله عز وجل، لأن الله عز وجل له تقدير كل شيء. قال: قالوا: يقولون في المثال الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شك فيما أنزل إليه، بل هو أعلم الناس به، وأقواهم يقينا، كما قال الله في نفس السورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، والمعنى: إن كنتم إن كنتم في شك منه، فأنا على يقين منه، ولهذا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، بل أكفر بهم. ويعلوا: إن كنتم المعنى: إن كنتم في شك منه، فأنا على يقين منه، ولهذا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، بل أكفر بهم وأعبد الله. قال: وليلزم من قولي: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، أن يكون الشك جائزا على الرسول صلى الله عليه وسلم، أو واقعا منه، ألا ترى قوله جل وعلا: يقول: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، هذا باب الجدال، فرض الجدال، قال: جدلا كذا. فأيضا هنا الله عز وجل لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم في شك، فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، معناه: فرضا أنك في شك، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبل، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك أبدا، لكن الله عز وجل يؤكد عليه، وكأنه معناه: يبين له لو أنت جدلا أنك تشك، اسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبل. وهكذا أيضا قول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، معناه: أن كان هذا كلامكم صحيح، جدلا أنه صحيح، أن لله ولد، فأنا أول العابدين، من من يعبد هذا، لكن ليس كذلك، هذا ليس صحيحا. قال: هل يلزم منه أن يكون الولد جائزا على الله تعالى؟ حاشا، كلا، فهذا لم يكن جائزا على الله، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. قال: ولا يلزم من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، أن يكون الامتار واقعا من الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما هذا من باب النهي فقط، كما قال: لأن النهي عن الشيء قد يوجه إلى من لم يقع منه، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، يعني: قد يكون هذا موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ليس المقصود هو، وإنما المقصود غيره. قال: معلوم أنهم لم يصدوا النبي صلى الله عليه وسلم عن آيات الله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه الشرك، والغرض من توجيه النهي إلى من لا يقع منه، التغيير، التنديد بمن وقع منه، والتحذير من مشابهتهم. وبهذا يزول الاشتباه، وظن ما لا يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من باب النهي لغيره، النهي لغيره، حتى يدرك العبد أنه هذا رسول الله، لو وقع في الشرك مثلا، مثل القول العزيز: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فهؤلاء أنبياء، أنبياء الله عز وجل، بعيد أنهم يشركون، لكن الله عز وجل يقول: لو أشرك هؤلاء لكانوا في النار، فكيف بغيرهم؟ فأراد الله عز وجل أن يبين النهي، أنه أمر عظيم.