الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح أهمية صلة الرحم ويستدل بحديث عن النبي الذي أنذر عشيرته الأقربين من النار. يبين أن النبي لا يملك لأحد شيئًا أمام الله.
النبي يبين أن النسب لا ينفع صاحبه إذا لم يكن له عمل صالح، ويحذر من الاكتفاء بالنسب عن الطاعات. الميزان هو تقوى الله سبحانه وتعالى.
يُشدد على أهمية العمل الصالح والتزود بالطاعات للفوز بالجنة والنجاة من النار. الدنيا فانية والآخرة هي الحياة الحقيقية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمسلمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب وجوب صلة الرحم. قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا ضمضم بن عمر الحنفي، قال حدثنا كليب بن منفع، قال: قال جدي يا رسول الله، من أبر؟ قال: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي، ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة. وهذا الحديث ضعيف، كليب بن منفع مجهول، ومعناه جاء في الصحيحين. قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام النبي صلى الله عليه وسلم فنادى: يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، أو فإني لا أملك لك من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها. ويجوز بلالها بالفتح وبالكسر. وهذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أنزلت عليه هذه الآية فأنذر عشيرتك الأقربين، قام عليه الصلاة والسلام فنادى في عشيرته: يا بني كعب بن لؤي، وعبد مناف، وبني هاشم، وبني عبد المطلب، فقال: أنقذوا أنفسكم من النار، يعني أنه عليه الصلاة والسلام لا يملك لهم شيئًا، فأمرهم أن ينقذوا أنفسهم من النار، بل قاطبة أقرب الناس إليه، وابنته فاطمة رضي الله عنها، فقال: أنقذي نفسك من النار. وفي هذا بيان أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك لأحد من الخلق شيئًا، وأن الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى. فإذا كانت فاطمة وهي ابنته أقرب الناس إليه يخبرها بأنه لا يملك لها من الله شيئًا، ويأمرها أن تقي نفسها من النار، يعني بفعل الطاعات والقربات والأعمال الصالحة، واجتناب المحرمات حتى تنقذ نفسها من النار، فكيف بمن كان أبعد منها؟ هؤلاء عشيرته وقبيلته وأهل بيته، وهو يخبرهم عليه الصلاة والسلام أنه لا يملك لهم من الله شيئًا. فكيف بمن يأتي بعدهم ويقول: إنهم من أهل البيت، وأنه بنسبه وقرابته ينجو من عذاب الله سبحانه وتعالى؟ فهذا جاهل، من يقول ذلك ويعتمد على نسبه وقرابته، فيفعل المنكرات ويترك الطاعات، كحال كثير ممن ينتسب إلى أهل البيت، ويظن أنه بنسبه وقرابته ينجو من عذاب الله سبحانه وتعالى. فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر بأنه لا يملك لأحد من أهل بيته وقرابته وعشيرته شيئًا، ومنهم فاطمة ابنته رضي الله تعالى عنها. وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، كما جاء في حديث أبي هريرة: من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه. والذي يدرك الأعمال ويتكاسل على النسب ما ينفعه. إنما تنفعه أعماله. فأبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام أبى أن يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، فما كان مصيره؟ النار، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾. ما أغنى عنه نسبه، وهو عم النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أبو طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام، بل كان ينصره ويحوطه ويؤيده، لكنه أبى أن يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، فما أغنى عنه ذلك شيئًا، فهو في ضحضاح من نار، كما قال عليه الصلاة والسلام: ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. ما نفعه هذه الأعمال التي عملها مع عدم الإيمان والاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام، فهو في نار جهنم خالدًا مخلدًا. فلا ينفع نسب مع عدم الأعمال. وكما قال القائل: عليك بتقوى الله في كل ساعة، ولا تترك التقوى اتكالًا على النسب؛ فقد رفع الإسلام سلمان فارس، كما وضع الكفر النسيب أبا لهب. فالميزان هو تقوى الله سبحانه وتعالى، وبقدر طاعتك وعملك يرفعك الله سبحانه وتعالى. فرفع الله جل وعلا سلمان الفارسي وبلال الحبشي وغيرهما من الصحابة، ولم يكونوا من ذوي النسب ولا من ذوي الحسب، لكن رفعوا بأعمالهم وطاعاتهم وإيمانهم، رفعهم الله سبحانه وتعالى. ووضع أهل النسب بسبب كفرهم وفسقهم وطغيانهم، فلم ينفعهم نسبهم ولا قرابتهم. فالذي يتمسك بالنسب ويتعلق به فهو جاهل، ينبغي أن يعلم أنه لا ينفعه إلا أعماله. ثم قوله عليه الصلاة والسلام: إلا أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها، البلال أي الماء، والمعنى أن لكم رحما سأصلها. أنتم قرابتي وأهل بيتي وعشيرتي، ولكم رحم سأقوم بصلتها. ومثل النبي عليه الصلاة والسلام قطيعة الرحم بشدة الحرارة، أي الحرارة الشديدة التي تطفأ بالماء، فيكون وصلها بإطفاء هذه الحرارة، وإطفاءها يكون بالبرودة. فقال: سأبلها ببلالها. قال: باب صلة الرحم، قال حدثنا أبو نعيم أو الفضل المقدسي، قال: حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت موسى بن طلحة يذكر عن أبي أيوب الأنصاري، أن أعرابيًا عرض للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره، فقال: أخبرني ما يقرّبني من الجنة ويباعِدني من النار؟ قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتَصِل الرحم. وهذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه أن هذا الأعرابي عرض للنبي عليه الصلاة والسلام وهو في طريقه، فقال: أخبرني ما يقربني من الجنة؟ وفي بعض الروايات أنه أخذ براحلة النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: أي الصحابة: ما له؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أراب ما له، يعني حاجة له. فدل على حرص الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على الاكثار من الأعمال الصالحة، ومن الطاعات والقربات التي تقربهم من الجنة وتباعدهم من النار. وذلك لأن قلوبهم كانت معلقة بالآخرة، تنظر إلى ما عند الله سبحانه وتعالى من النعيم، فكانوا يسألون عن الأعمال التي تقربهم إلى الله عز وجل حتى يتزودوا منها. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. ينبغي للمسلم أن يكون حريصًا على ما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يعمل بالطاعات والقربات والأعمال الصالحة التي ترفع من درجاته وتكفر عنه من سيئاته، فتكون في ذلك سببًا في الفوز بالجنة والنجاة من النار. ويعلم أن هذه الدنيا دنيا فانية وزائلة، وما خلق وأوجد فيها إلا من أجل العمل. ما خلق الإنسان في هذه الدنيا إلا من أجل أن يعمل للآخرة، فهي وسيلة إلى الآخرة، وليست هي مقصودة بذاتها. والله جل وعلا يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. خلق الله جل وعلا الحياة والموت ليبتلي الناس أيهم أحسن عملًا. فأنت اليوم على وجه الأرض، وغدًا في باطنها، والذي يخرج معك من هذه الدنيا هي الأعمال، كما قال عليه الصلاة والسلام: يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله. فعملك هو الذي يدخل معك في قبرك، أما الأهل والأموال والأولاد فهم يرجعون، ولا ينفعك إلا عملك. فلهذا ينبغي للمسلم العاقل أن يعمل ويتزود للدار الحقيقية التي سيسكنها، والتي ستكون ماذا؟ هي بيته وقراره المستمر، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. الدار الآخرة هي دار الحياة المستمرة المستقرة، لو كانوا يعلمون ذلك، فإذا علموا فإنهم لا يغترون بهذه الحياة الدنيا ويعملون للآخرة.