الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع بشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول أهمية صلة الرحم وتأثيرها يوم القيامة. يشير إلى أن النبي أكد على دور صلة الرحم في تعزيز الوحدة والترابط بين المسلمين.
يناقش هذا الجزء حكم التحالف في الإسلام، ويفرق بين التحالفات التي توافق الشرع وتلك التي تخالفه. يستند إلى الأحاديث النبوية لتوضيح الضوابط الشرعية للتحالفات.
يفسر هذا الفصل معنى أولياء النبي صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أنهم المتقون وليسوا كل من ينتسب إليه بالنسب. يوضح أن العبرة بتقوى الله وطاعته وليس بالقرابة أو النسب.
يناقش هذا الجزء العقوبة التي وعد بها النبي لمن أراد به السوء، مشيرًا إلى أن النبي أخبر بوعيد خاص لمن تسول له نفسه الإساءة إليه أو الإضرار به.
نحن عند حديث من عباس، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «احفظوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب بالرحم إذا قربت وإن كانت بعيدة، ولا بعد بها إذا بعدت وإن كانت قريبة». كل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها. قلنا: الرحم إذا قربت، يعني إذا قام بأسباب وصلها فإنها تكون قريبة، وإن كان أو كانت هذه الرحم التي بينك وبين هذا الإنسان بعيدة. وإذا قطعت الرحم فإنها تكون بعيدة وإن كانت قريبة، فصلت الرحم سبب لحصول القرب وإن كانت أصل هذه الرحم بعيدة. وأما قوله: «كل رحم آت يوم القيامة أمام صاحبها» إلى آخره، فقد مر في الأحاديث الماضية ما يدل على هذا المعنى، وأن الرحم لها لسان ذلق، يعني فصيح، تنطق به يوم القيامة. قال: باب مولى القوم من أنفسهم. قال: حدثنا عمر بن خالد، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرني إسماعيل بن عبيد عن أبيه عبيد عن رفاعة بن رافع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: «اجمع لي قومك». فجمعهم، فلما حضروا باب النبي صلى الله عليه وسلم، دق عليه عمر، فقال: قد جمعت لك قومي. فسمع ذلك الأنصار، فقالوا: قد نزل في قريش الوحي. فجاء المستمع والناظر ما يقال لهم. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فقام بين أظهرهم، فقال: «هل فيكم من غيركم؟» قالوا: نعم، فينا حليفنا وابن أختنا وموالينا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حليفنا منا، وابن أختنا منا، وموالينا منا». وأنتم تسمعون، إن أوليائي منكم المتقون، فإن كنتم أولئك فذاك، وإلا فانظروا. لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالأثقال فيعرض عنكم. ثم نادى، فقال: «يا أيها الناس». ورفع يديه يضعهما على رؤوس قريش: «أيها الناس، إن قريشا أهل أمانة، من بغى بهم قال زهير: أظنه قال العواثر - كبه الله لمن خريه». يقول ذلك، فلا تمرات هو الحجيز. حسنه الألباني رحمه الله. وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر عمر رضي الله تعالى أن يجمع قومه، فقام النبي عليه الصلاة والسلام فيهم، فقال: «هل فيكم من غيركم؟» يعني هل فيكم من غير قريش؟ قالوا: نعم، فينا حليفنا وابن أختنا أو موالينا. والحليف: وهو أن يأتي شخص أو طائفة فتحالف قوم، يكون بين إنسان وآخر حلف. ومعنى الحلف هو عقد ومعاهدة على فعل شيء، مساعدة وتعاون على فعل أمر من الأمور. فإن كان هذا الأمر مما يخالف الشرع، كالتعاقد على الفتن والقتال ونحو ذلك من الأمور المحرمة، فهذا مما نهى عنه الشرع. فقد ثبت في صحيح الإمام مسلم عن أنس، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حلف في الإسلام». وهذا كان يفعله أهل الجاهلية. وإن كان هذا الحلف والعقد على فعل أمور مشروعة، تصل الأرحام وعلى النصرة ولإظهار الظالم ونصر المظلوم، فهذا مشروع. وهو المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة». أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة. فالمراد بهذا الحلف هو ما كان بهذا المعنى، ما كان فيه موافقة للشرع من صلة الأرحام ونصر المظلوم والوقوف في وجه الظالم. فهذا مما زاده الإسلام قوة. وبهذا أجمع بين الحديثين، بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حلف في الإسلام»، وبين قوله: «أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة». فالمنفي هو ما كان فيه مخالف للشرع، أو كذلك أيضا ما كان فيه التوارث، فإنهم كانوا في الجاهلية يورثون بالحلف، كما كان التوارث كذلك بالأقوى. وهذا منسوخ، وهو معنى «لا حلف في الإسلام». وأما ما كان بمعنى الموافقة للشرع، فهذا الذي أقره الشرع. فقوله: «فيما حليفنا وابن أختنا وموالينا»، يعني موالي القوم، أن يكون الإنسان عنده عبيد ورقيق، فيعتقهم، فيكون ولاؤه لهم، يكون هذا المعتق مولى لسيده الذي اعتقه. وقوله: «ابن أختنا»، أي ابن أخت القوم، أولاد الأخوات. وقد جاء في صحيح البخاري عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ابن أخت القوم منهم». وهكذا أيضا: «مولى القوم من أنفسهم»، «مولى القوم من أنفسهم». والمعنى أنه له من الولاية والمعاونة والشفقة ونحو ذلك، هذا معنى «مولى القوم من أنفسهم». فقال عليه الصلاة والسلام: «حليفنا منا، وابن أختنا منا، وموالينا منا». وهذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث. وقوله: «موالينا منا»، يعني أن مولى القوم من أنفسهم. فمن كان مولى لقريش فهو منهم. وهكذا له أن ينتسب إلى نسب مواليه، لكن من غير الأب، ما ينتسب إلى غير أبيه، لأن هذا من باب ما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. وأما أن ينتسب إلى نسب مواليه، فهذا جائز. يقول مثلا: أنه من بني تميم، ليس منهم في العصب، لكن من مواليهم، فينتسب إليهم بنسبهم. وهذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الولاء لحمة كلحمة النسب»، يعني ارتباطا كارتباط النسب. وهو الشاهد منه في ذكره في هذا الباب. قال: «إن أوليائي منكم المتقون». كذلك فيه بيان أن أولياء النبي عليه الصلاة والسلام، وأن أهل قرابته هم من كان على تقوى، من كان على استقامة. ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أو من حديث عمر بن العاص، قال: «إن آل بني فلان ليس لي بأولياء، إنما وليي الله، ثم صالح المؤمنين». فأولياء النبي عليه الصلاة والسلام وأهل قرابته من كان منهم على التقوى، على الطاعة، وعلى استقامة. كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. «إن أوليائي منكم المتقون». فمن كان عاصيا، فاسقا، فاجرا، مبتدعا، ضالا، فإنه ليس من أولياء النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «فإن كنتم أولئك فذاك»، أي إن كنتم على تقوى واستقامة فأنتم أولياء. «وإلا فانظروا»، يعني فانظروا في أنفسكم، وراجعوا أنفسكم. «لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالأثقال فيعرض عنكم»، يعني لا يأتي الناس بالأعمال والطاعات والقربات، وتأتون وتأتون أنتم بالأوزار وبالآثام وبالمعاصي وبالذنوب، اتكالا على أنسابكم وعلى قرابتكم. وهذا الأمر هو الواقع في كثير ممن ينتسب إلى أهل البيت، أنهم يتكلون على أنسابهم، فتجد كثيرا منهم من أفسق الناس، ومن أفجر الناس، ربما لا يصلي، ويتأتى المحرمات، ربما يشرب الخمر، ويأتي الزنا والفواحش، ويتكل على نسبه أنه من أهل البيت. فهذا لا ينفع، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه». قال: «وتأتون بالأثقال فيعرض عنكم»، أي لا يبالي بكم. فليس العبرة هو بالأنساب والأحساب، وإنما العبرة هو بالطاعة والتقوى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا فرق بين عربي ولا عجمي، ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى». فالعبرة هو بتقوى الله سبحانه وتعالى. ثم نادى، فقال: «يا أيها الناس». ورفع يديه يضعهما على رؤوس قريش: «أيها الناس، إن قريشا أهل أمانة، من بغى بهم قال زهير: أظنه قال العواثر - كبه الله من صريه». يعني أنه من عارض أهل البيت ووقف في وجههم وعاندهم، وكذلك أراد بهم الضر والأذى، فإن الله سبحانه وتعالى يكبه على وجهه. وليس هذا لكل من انتسب إلى أهل البيت، بل لمن كان منهم مستقيماً، لمن كان معروفا بالاستقامة والصلاح. فإن له من الحقوق فوق حق المسلم. فالمسلم له حق الإسلام، والقرشي له حق الإسلام وحق القرابة، فحقه أعظم. فمن أراد به السوء، فإن له ما وعد النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، وفي غيره من الأحاديث.