التعليقات على كتاب الأدب المفرد 28

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الرحمة في الإسلام وتطبيقاتها العملية

يتناول هذا الفصل مفهوم الرحمة في الإسلام وأهميتها، مشيرًا إلى أن الله جعل الرحمة مئة جزء واحتفظ بتسعة وتسعين جزءًا لنفسه وأنزل جزءًا واحدًا إلى الأرض. كما يبرز أهمية الرحمة في التعامل مع الصبيان وغيرهم.

الوصية بالجار وإكرام الضيف في الإسلام

يشرح هذا الفصل أهمية الوصية بالجار وإكرام الضيف في الإسلام، مستندًا إلى أحاديث نبوية تؤكد ضرورة حسن معاملة الجار وإكرام الضيف وكف الأذى عن الجار، مما يعكس قيمة الرحمة في التعاملات اليومية.

آداب الكلام وخطورة اللسان في الإسلام

يركز هذا الفصل على أهمية آداب الكلام وخطورة اللسان، حيث يؤكد على ضرورة الكلام الطيب أو الصمت، ويحذر من خطورة اللسان في الوقوع في الذنوب، مشيرًا إلى أن حفظ اللسان من علامات الإيمان.

التفريغ النصي الكامل

عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ناس من الأعراب، فقال له رجل منهم: يا رسول الله، أتقبلون الصبيان؟ فوالله ما نقبلهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو أملك إن كان الله عز وجل نزع من قلبك الرحمة؟ قال: وحدثنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد، وحماد بن زيد إمام، قال أحمد بن حنبل رحمه الله: حماد بن زيد من أئمة المسلمين، من أهل الدين والإسلام، وهو أثبت الناس في أيوب. ولما مات، قال يزيد بن زريع: مات سيد المسلمين. عن عاصم، وهو ابن سليمان الأحول، عاصم من سليمان الأحول، وقد وثقه جمع من الحفاظ، وقال الإمام الدارقطني رحمه الله: هو أثبت من عاصم بن أبي النجود. قال: عن أبي عثمان، وهو النهدي، وهو أبو عثمان النهدي، من المخضرمين. ومن هو المخضرم؟ الذي أدرك الجاهلية والإسلام، ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، فيقال له مخضرم، يعني أنه كما يقال فريد من نوعه، لا هو صحابي، مع أنه أدرك زمن النبوة، ولا هو تابعي؛ لأنه ليس بعد الصحابة أو بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم مخضرم، يعني مقطوع، بمعنى مقطوع عن أمثاله. وعداه مهل العلم من أولى أو أكبر طبقات التابعين، من أكبر طبقات التابعين، قال: أن عمر رضي الله عنه استعمل رجلا، فقال العامل: إن لي كذا وكذا من الولد، ما قبلت واحدا منهم، فزعم عمر - أو قال عمر -: إن الله عز وجل لا يرحم من عباده إلا أبرهم. والحديث حسن، وتحسنه علامة الألباني رحمه الله. ومر الكلام كذلك عليه، بما مر من أحاديث بمعنى هذا الحديث: أن الله سبحانه وتعالى لا يرحم من عباده إلا الرحماء، ولا يرحم إلا أبرهم. والأبر ما كان في قلبه الرحمة. ومن الرحمة الشفقة على الصبيان، وتقبيل الصبيان، فهذه من الرحمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في قلوب العباد. قال: باب الرحمة مئة جزء. قال: حدثنا الحكم بن منافع، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، ومحمد بن المسلم، قال: أخبرنا سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿جعل الله عز وجل الرحمة مئة جزء﴾ فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه. الحديث صحيح، وهو في الصحيحين، وجاء أيضا عن سلمان عند الإمام مسلم، وجاء كذلك عن غيرهما. والمراد بهذه الرحمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى مئة جزء، هي الرحمة المخلوقة التي خلقها الله سبحانه وتعالى. والرحمة رحمتان: رحمة هي صفة لله سبحانه وتعالى، صفة لله سبحانه وتعالى من الصفات الذاتية، فهذه ليست مخلوقة كسائر صفات الله سبحانه وتعالى. ورحمة مخلوقة، وهي المراد بهذا الحديث. أن الله سبحانه وتعالى جعل الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، يعني جزء واحد من تسعة وتسعين جزءا فقط، الذي أنزله الله سبحانه وتعالى في هذه الأرض. فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، فالرحمة التي بين الخلائق هي من جزء واحد فقط من تسعة وتسعين جزءا، يرحم الخلائق بعضهم بعضا. ومن ذلك رحمة البهائم، كرحمة الأم لولدها. وفي بعض الروايات: حتى يرحم السباع بعضهم بعضا، أو ترحم السباع ولدها، ترفع الأنثى من السباع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، مع كونها ممن خلق على الشدة والحدة والقوة، ومع ذلك ففيها رحمة لولدها. قال: حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه. وذكر النبي عليه الصلاة والسلام الفرس في هذا الحديث، ولم يذكر غيره من الحيوانات. قال أهل العلم: وذلك أن الفرس من أشد الحيوان المألوف الذي يعاينه الناس، ينظر الناس إليه كيف يعامل ولده. وكذلك أيضا أن الفرس سريعة الخطى وسريعة التنقل، ومع ذلك فإنها تحرص على أن لا تصيب ولدها بسوء. فهذه الرحمة التي هي جزء فقط، جزء واحد من تسعة وتسعين جزءا، فكيف إذا أنزل الله سبحانه وتعالى جزئين؟ فكيف إذا كان أكثر من ذلك؟ إذا كان هذا جزء واحد فقط، ومع ذلك توجد الرحمة العظيمة التي بين الخلائق وبين البهائم. وجعل الله سبحانه وتعالى بقية الأجزاء كما جاء في بعض الروايات: أنه جعلها ليوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكمل الله سبحانه وتعالى بها هذه الرحمة، يعني أكمل التسعة والتسعين بهذا الجزء الذي أنزله في الأرض، فتكون مئة جزء يرحم بها ربنا سبحانه وتعالى عباده يوم القيامة، وهذا من عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى. قال: باب الوصاة بالجار. قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني مالك عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني أبو بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». والحديث صحيح، هو في الصحيحين. وفيه وصية النبي عليه الصلاة والسلام بالجار، فأخبر عليه الصلاة والسلام أن جبريل من شدة ما كان يوصي النبي عليه الصلاة والسلام بالجار حتى ظن أنه سيورثه، أي سيورث هذا الجار من جاره. قيل: المراد بالإرث أن يجعل له سهما كبقية الورثة. وقيل: أنه يرثه بالبر والصلة. والأول والأقرب أن المراد بالإرث أنه يكون له سهما من التركة كبقية الورثة، هذا المراد بقوله: سيورثه. ولم يقع ولم يقع ذلك، لكن من شدة الوصية بالجار ظن النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعل للجار سهما من الإرث، أنه يرث من جاره كما يرث إخوته وأقاربه من شدة الوصية به. والإرث إرثان: إرث حسي، وإرث معنوي. الإرث الحسي هو إرث ما يخلفه الميت من تركة، وهو المراد بهذا الحديث. والإرث المعنوي هو إرث العلم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن العلماء ورثة الأنبياء»، فهذا الإرث إرث معنوي. والمراد من هذا الحديث هو بيان عظم حق الجار. قال: حدثنا صدقة، قال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو عن نافع بن جبير عن أبي شريح الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». والحديث صحيح، وهو في الصحيحين، وجاء أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وفي هذا الحديث أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره». وفي حديث أبي هريرة: «فلا يؤذي جاره». والمراد: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، أي الإيمان الكامل، فليحسن إلى جاره، يعني يحسن معاملته للجار، وكذلك أيضا يبعد الأذى عن جاره، لا يؤذيه لا باللسان ولا باليد، ولا كذلك أيضا بالمعاصي. كما يفعل بعض الجيران، تجده ربما يرفع صوت الأغاني إلى آخره، ويؤذي بذلك جيرانه، وهذه من الأذية التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا فعل بذلك فليخفض الصوت. وأما أن تؤذي الجيران وترفع الصوت، كأنه مستخف بهم، يأتي بأشياء يزعجهم ويؤذيهم بأصوات الأغاني أو نحو ذلك، وكذلك أيضا تكون الأذية من الأولاد، يأتي الأولاد إما أن يرموا بالحجارة على بيت الجار ويؤذوه، وهذا من الأذية، أو كذلك أيضا بوضع القمامات والأوساخ عند بيت هذا الجار، فهذا من الأذية، أو غير ذلك من أنواع الأذية، فلا يجوز للجار أن يؤذي جاره. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، فإذا آذاه فهذا دليل على أنه ليس عنده الإيمان الكامل، ليس عنده الإيمان الكامل. بل قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه»، يعني الذي لا يبعد الشرور والآذى عن جاره، فهذا ليس بمؤمن. فمن الإيمان أن تحسن إلى الجار في المعاملة، وهكذا أيضا في الأقوال، وهكذا أيضا في النصيحة، أنه ينصح إذا رآه على غلط وعلى خطأ أن ينصحه بالتي هي أحسن، فهذا أيضا من الإحسان. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، فإذا نزل عليه ضيف، وهو من قدم من سفر فنزل عليه، فمن الإيمان بالله واليوم الآخر أن يكرمه ويحسن إليه في الضيافة. والضيافة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والضيافة ثلاثة أيام، فما زاد على ذلك فهو فضل»، يعني زيادة خير وأجر، لكن أنت الواجب عليك أن تضيفه ثلاثة أيام. وإذا علم هذا الضيف أنك فقير ما عندك شيء، فإنه لا يجوز له أن يطيل المكث عندك، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ولا يحل للرجل أن يمكث عند صاحبه حتى يؤثمه». قيل: يا رسول الله، كيف يؤثمه؟ قال: «يقيم عنده وليس له ما يقريه به»، يقيم عند هذا الشخص وليس عنده ما يضيفه به، فيقع في الإثم. فإذا علم منه الضيق وعدم السعة، فإنه لا يجوز له أن يطيل المكث عنده. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، كذلك أيضا من الإيمان بالله جل وعلا واليوم الآخر أنك لا تتكلم إلا بخير، فليقل خيرا أو ليصمت، إما أن تتكلم بكلام تنتفع به، وكذلك أيضا تؤجر عليه، أو لا تؤجر عليه ولا تعاقب، وهو الكلام المباح. وأما إن أردت أن تتكلم بحرام، فعليك أن تسكت، لا تتكلم، خير لك أن تصمت. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، وبذلك تسلم؛ لأن الإنسان محاسب على ما يتكلم به، كما قال الله جل وعلا: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾، ﴿إن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾. فالإنسان محاسب على كل صغيرة وكبيرة، ومن أعظم ذلك ما يصدر من اللسان، فإن كثيرا من المعاصي والذنوب آفتها اللسان، فلهذا ينبغي للمسلم أن يحفظ لسانه، فينظر إن كان هذا الكلام خيرا تكلم، وإن كان شرا صمت وسلم نفسه. نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.