كتاب النكاح من صحيح البخاري 3

كتاب النكاح من صحيح البخاري 3

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب الترغيب في النكاح وقصة عثمان بن عفان مع عبد الله بن مسعود

يستعرض البخاري باب الترغيب في الزواج مستنداً إلى حديث النبي ﷺ: «من استطاع الباءة فليتزوج»، ثم يسرد كيف عرض عثمان رضي الله عنه على عبد الله بن مسعود تزويجه بكراً ليذكره شبابه رغم كونه متزوجاً بالفعل. توضح القصة حرص الصحابة على تطبيق السنة النبوية في تشجيع النكاح.

موقف عثمان مع ابن مسعود حول الزواج في الكبر

في عهد عثمان كبر عبد الله بن مسعود وضعف بدنه، فلاحظ عثمان شحوب حاله وقال له: «تذكرك ما كنت تعهد»، مشيراً إلى أن الزواج بالشابة يعيد النشاط. فأشار ابن مسعود إلى علقمة معلناً عدم حاجته للزواج، ففهم عثمان ذلك وكف عن الكلام.

توجيه النبي ﷺ للشباب بالزواج والصوم

أمر النبي ﷺ الشباب بالزواج إن استطاعوا الباءة لأنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه يكسر الشهوة ويعين على العفاف حتى ييسر الله لهم النكاح. يبين الحديث التوازن بين الزواج والصوم كوسيلتين لحفظ العفة.

وجوب الزواج لمن يخاف الوقوع في الفاحشة

يوضح الحديث أن الزواج يقرب العبد إلى الله ويبعده عن الحرام، وأن من استطاع الزواج وخاف على نفسه من الفاحشة وجب عليه الزواج. والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب قول النبي عليه الصلاة والسلام: من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. وهل يتزوج من لا أرب له في النكاح؟» لا أرب: أي لا حاجة له في النكاح. وهذا الباب أيضًا تابع للباب الذي قبله في الترغيب في النكاح، وهذا الحديث من أعظم الأحاديث ترغيبًا في النكاح. قال: حدثنا عمر بن حفص، وهو ابن غياث الكوفي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، عن علقمة، قال: كنت مع عبد الله -أي ابن مسعود- فلقيه عثمان بمنى، وكان في إمارته، أو في خلافته، فقال: «أي عثمان، يا أبا عبد الرحمن، إن لي إليك حاجة». فخلى، أنا أريد أن أكلمك، أنا وإياك. فقال عثمان: «هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكرًا تذكرك ما كنت تعهد؟». يقول عثمان لأبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود: «ألا نزوجك بكرًا تذكرك ما كنت تعهد؟» وابن مسعود رضي الله عنه متزوج، لكن يقول عثمان: «نزوجك بكرًا». وفي عهد عثمان، ابن مسعود قد بلغ، أو هو قد كبر، وقد مات رضي الله عنه في عهد عثمان، سنة اثنتين وثلاثين، وعثمان مسك الخلافة إلى خمس وثلاثين. «تذكرك ما كنت تعهد»: جاء في بعض الروايات أن ابن عباس، أو ابن مسعود، قال: «وكان إذ ذاك جاوز... قد جاوزت ثلاثين». ولعله ليس ابن مسعود، فإن ابن مسعود قد جاوز أكثر من الثلاثين. والظاهر كما قال بعض أهل العلم: أن عثمان رأى شيئًا من الشحوبة أو رثاثة الهيئة من عبد الله بن مسعود، فقال له: «نذكرك» أو «تذكرك ما كنت تعهد»، يعني: يكون فيه شيء من لبس اللباس الطيب، أو اللباس الجميل، ويرجع إليك ما كنت... أو من نفسك ما كنت تعهد. والمراد: أي نذكرك ما فاتك في شبابك. ويأخذ من هذا أن زواج الشابة يزيد في النشاط، وهذا الذي كان أو فهم من كلام عثمان رضي الله عنه. فقال: فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلى هذا، أشار إلي -أي أشار إلى علقمة- فقال: «يا علقمة». فانتهيت إليه، وكان عثمان يكلمه هو وإياه. فلما رأى أنه لا حاجة له بالزواج، قال: «يا علقمة». فانتهيت إليه، وهو يقول: «أما لئن قلت ذلك... إني أقول لعثمان: أما لئن قلت ذلك»، أي: هذا الكلام الذي قلته، «لقد قال لنا النبي عليه الصلاة والسلام: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». «من استطاع الباءة»: الباءة تجمع أمرين: القدرة على النكاح، وكذلك مؤنة النكاح. فمن استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. أن الزواج يحصنك من النظر إلى ما حرم الله، وأيضًا كذلك يحفظ فرجك حتى لا تذهب إلى الحرام. وكلما رأى الإنسان رغبته في الزواج، فإن له أن يتزوج حتى يعف نفسه، حتى يعف نفسه. فلهذا قال: «فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء. الذي لا يستطيع الباءة، أو لا يستطيع مؤنة النكاح، فليصبر وليصم، يجعل الصيام له علاجًا وكاسرًا لشهوته. فإن الصيام أيضًا مما يكسر به الشهوة، فلهذا اعتاد الصيام، فإذا اعتاد الصيام كسرت شهوته بذلك، حتى يسر الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. فإن استطاع فبها، وإن لم يستطع فليستعفف. ومن أعظم ما استعف به أنه يصوم، فإن الصيام يحصن به فرجه، وأيضًا يكسر به شهوته، يكسر به شهوته. فلهذا يكون أقرب إلى الله عز وجل، وأبعد عن الحرام، وأبعد عن الحرام. وهذا الحديث أيضًا فيه: أن من طاقت نفسه للزواج فإنه يجب عليه أن يتزوج، وخاصة إذا خاف على نفسه الوقوع في الفاحشة، فإنه يجب عليه أن يتزوج. هذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.