الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد النبي على أهمية حق الجار وواجب إكرامه من خلال أحاديث نبوية تحذر من إيذاء الجار وتشجع على الإحسان إليه. يجب على المسلم أن يحسن إلى جيرانه ويتفقد أحوالهم.
يشرح المقطع أهمية الإحسان إلى الجيران وتفقد أحوالهم، ويستدل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي ينهى عن أن يشبع الإنسان وجاره جائع. الأغنياء عليهم حق زائد على زكاة الأموال وهو الإنفاق على الفقراء والمساكين ومنهم الجيران.
يجب على المسلم طاعة ولاة الأمر ما لم يأمروا بمعصية، وتكون بالمعروف ولا تجب في المعصية. يجب السمع والطاعة لولاة الأمر صونًا لدماء المسلمين ولو لم يكونوا من قريش أو كان أحدهم عبدًا.
الإحسان إلى الجيران يكون بتقديم الطعام لهم، مثل إعطائهم من المرق عند الطهي، حتى يكون عونًا لهم على طاعة الله وتطييبًا لأنفسهم. هذا الفعل من مكارم الأخلاق التي أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام.
باب من أغلق الباب على الجار قال حدثنا مالك بن إسماعيل، قال حدثنا عبد السلام عن ليث عن ناس عن ابن عمر، قال: قد أتى علينا زمان - أو قال: حين - وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم. سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، يقول: يا ربي، هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه». والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وليث في هذا السند هو ليث بن أبي سليم، وليس ليث بن سعد. وليث بن أبي سليم في إسناد، وليث بن سعد ونافع رواة، وليث بن أبي سليم رواي، وليث بن سعد، لكن عبد السلام لم يرو إلا عن ليث بن أبي سليم، فعلم أن ليث في هذا السند هو ابن أبي سليم، وهو مع ضعفه، لكن لهذا الحديث شاهد، وهو كذلك ضعيف، فيه رجل مجهول، لكن يحسن بمجموع الطرق. وفيه عن شبر بن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لقد أتى علينا زمان - أو حين - وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم»، يعني أن الإنسان كان يقدم محبة أخيه على محبة الدينار والدرهم، قال: ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، أصبح حب المال مقدمًا على محبة الإخوان، ويحب الإنسان الدنيا والدرهم أشد من محبته لإخوانه، فلا يبالي بهم. ثم ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة، يقول: يا رب، هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه»، يعني أنه قدم محبة المال والدينار والدرهم على محبة أخيه المسلم، فمنع معروفه لجاره، وهو يعلم أنه فقير أو مسكين أو محتاج، ومع ذلك فلا يلتفت إليه ولا يتفقد حاله، فصار حبه للمال مقدمًا على حبه لأخيه المسلم. فيأتي هذا الجار متعلقًا بجاره يوم القيامة، يقول: يا رب، هذا أغلق بابه دوني، يعني أنه منعه المعروف ولم يتفقد جاره، ربما يكون محتاجًا إلى طعام أو يحتاج إلى كسوة أو يحتاج إلى نبيه، وهو غني يستطيع أن يقوم بذلك، فإذا لم يفعل ذلك فإنه يحاسب على ذلك يوم القيامة. وهذا يدل على أن الجار له حق على جاره، وينبغي أن يبذل له المعروف، أن يبذل الجار لجاره المعروف بما يستطيع، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. باب لا يشبع جاره جائعًا قال حدثنا محمد بن كثير، قال أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن أبي بشير عن عبد الله بن المساور، قال: سمعت ابن عباس يخبر عن ابن الزبير، يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع». والحديث صححه شيخ الإسلام الألباني رحمه الله. وعبد الله بن المساور مجهول عين، لكن الحديث له شواهد كثيرة، جاء من حديث أنس ومن حديث عائشة ومن حديث ابن عباس، وذكره شيخ الإسلام الألباني رحمه الله في «الصحيحة». وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع»، يعني ليس هذا بالمؤمن الكامل الإيمان الذي يشبع، يأكل مما أتاه الله سبحانه وتعالى في بيته، هو شبعان، وجاره جائع، يعلم أنه ما عنده شيء وأنه محتاج، فلا يبالي به ولا يتفقد حاله، فهذا من ضعف الإيمان، ومن قلة الإيمان. فالمؤمن لا يفعل مثل هذا الفعل، بل يتفقد جاره، وإذا علم أنه جائع فإنه يطعمه. وهذا واجب على من كان مستطيعًا، إذا كان غنيًا عنده استطاعة، فيجب عليه أن يطعم جاره إذا كان يحتاج إلى الطعام، أو يكسوه إذا كان يحتاج إلى كسوة. أما أن يبيت وهو شبعان قد ملأ بطنه، وجاره يبيت وهو جائع، فهذا من ضعف الإيمان. «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع». وهذا يدل على أن الأغنياء عليهم حق زائد، عليهم حق زائد على ما أوجب الله سبحانه وتعالى من زكاة الأموال، وهو الإنفاق من هذا المال على الفقراء والمساكين، ومنهم الجيران، إذا كان جاره فقيرًا محتاجًا، فإنه يجب عليه أن يعطيه مما أتاه الله سبحانه وتعالى. باب يكثر ماء المرق فيقسم في الجيران قال حدثنا بشر بن محمد، قال أخبرنا عبد الله، قال أخبرنا شعبة عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر، قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: «أسمع وأطيع ولو لعبد مجدع الأطراف، وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف، وصل الصلاة لوقتها، فإن وجدت الإمام قد صلى فقد أحرزت صلاتك، وإلا فهي نافلة». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وفيه وصية النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر رضي الله تعالى عنه، أوصاه عليه الصلاة والسلام بثلاث، قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث. وقوله: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث، هل ينافي ويعارض قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن»؟ الجواب: لا. فإن النبي عليه الصلاة والسلام ليس هو الذي اتخذه خليلًا، يعني اتخذ أبا ذر خليلًا، ولكن أبا ذر الذي اتخذ النبي عليه الصلاة والسلام خليلًا، فقال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم، فالخلة هنا جاءت من جهة أبي ذر رضي الله تعالى عنه. فذكر من أول هذه الثلاث، قال: «أسمع وأطيع ولو لعبد مجدع الأطراف»، يعني أوصاه النبي عليه الصلاة والسلام بالسمع والطاعة لولاة الأمور، ولو كان هذا الحاكم والوالي عبدًا، ولو كان عبدًا مملوكًا مجدع الأطراف، يعني مقطع الأطراف، والمعنى أنه في غاية من الدناءة، فإنه يجب عليك أن تسمع وتطيع. يجب عليك أن تسمع وتطيع، وهذا كما أمر الله سبحانه وتعالى بقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر، فقال عليه الصلاة والسلام: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». وقال عليه الصلاة والسلام: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». فالواجب على المسلم أن يسمع ويطيع لولاة أمره ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وتكون طاعتهم بالمعروف، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة بالمعروف»، «إنما الطاعة بالمعروف». فالمعصية ليس لهم فيها طاعة، وإنما يطاعون بطاعة الله سبحانه وتعالى، هذا الذي يقول به أهل السنة، كما أمر الله سبحانه وتعالى به، وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم. وما أحد من أهل السنة يقول: يجب طاعة ولاة الأمور في الطاعة والمعصية، كما يرمي بعض من تلطخ فكره بفكر الخوارج يرمي أهل السنة بذلك، وأنهم يوجبون طاعة ولاة الأمور ولو أمروا بالمعصية، ثم يرمون أهل السنة بأنهم مرجئة، وأنهم يأمرون بعبادة الحكام، قل: هذا كذب وبهتان على أهل السنة والجماعة. ولكن هذا يفعل من تلطخ فكره بفكر الخوارج. قال: «أسمع وأطيع ولو لعبد مجدع الأطراف». وهل هذا ينافي ويعارض قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الأئمة من قريش»، وقوله: «لا يزال هذا الأمر في قريش، لن ينازعهم أحد إلا أكبه الله على وجهه في نار جهنم ما أقاموا فيكم الدين»؟ الجواب: لا. فالأصل أن الحق بالإمامة هو القرشي، الحق بالإمامة هو من كان قرشيًا، فإن لم يوجد أو توصل إلى الإمامة من لم يكن قرشيًا، وصار حاكمًا وأميرًا، إما عن طريق السيف والقوة، وإما عن طريق أهل الحل والعقد، فإن أو غير ذلك، فيجب حينئذ طاعته والسمع له، ولو كان عبدًا، ولو كان عبدًا، فإن طاعته تجب صونًا للفتنة، وكذلك أيضًا لسفك دماء المسلمين. وأيضًا ذكر بعض العلماء أن كونه عبدًا، قال بعضهم: أي إذا كان هذا العبد هو واليًا على بعض البلاد، يعني يكون مثلًا في بلد من البلاد، والحاكم العام ليس بعبد، يكون مثلًا قرشيًا أو نحو ذلك، ولكن هذا العبد هو وال على بعض هذه البلاد، قالوا: هكذا المراد بهذا الحديث، بل ولو كان أيضًا هو الحاكم والوالي الأعظم، فكذلك تجب طاعته صونًا لدماء المسلمين، ولو كان عبدًا، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام: «أسمع وأطيع ولو لعبد مجدع الأطراف». قال: «وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف». وهذا من الإحسان إلى الجيران، إذا صنعت مرقة أن تكثر ماءها، ثم تصيب جيرانك منها بمعروف، تعطي الجار من هذا المرق حتى تكون عونًا له على طاعة الله، وكذلك أيضًا هو مما تكون نفسه متشوقة إليه، وخاصة إذا كان هذا اللحم يتصاعد له رائحة، وهو قريب منك، يشم هذه الرائحة فيتشوق لهذا الطعام، فإذا أهديت له المرق هدأت نفسه وطابت بهذا المرق، فلهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.