التعليقات على كتاب الأدب المفرد 46

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الرحمة والرفق في تعامل النبي مع أصحابه

يُظهر النبي صلى الله عليه وسلم رفقًا ورحمة مع أصحابه بتفقد أحوال أهلهم أثناء السفر. يُبرز أهمية الاقتداء بخلق النبي في الرفق والرحمة.

أحكام الصلاة وإمامة المسلمين وتعليم الأهل

يشرح النبي كيفية تعليم أهليهم الصلاة وأداء الفرائض، ويبين أهمية تعلم صفة الصلاة كما صلاها النبي. يحدد معايير إمامة المصلين.

مكافأة المعروف وتحذير من التظاهر

يؤكد على أهمية مكافأة من يقدم معروفا، والثناء عليه إن لم يستطع المكافأة. يحذر من التظاهر بما ليس لديك مثل لبس ثوبي زور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال يوم الزقاء رحمه الله: كتابه الأدم المفرد، قال حدثنا المسدد وابن المسرات، قال حدثنا إسماعيل، قال حدثنا أيوب وابن أبي تميم السختياني عن أبي خلابة عبد الله بن يزيد الجرمي، عن أبي سليمان مالك بن حويرث، قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شبابة متقاربون -يعني شباب متقاربون في السن- فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أننا اشتهينا أهلينا، فسألنا عن من تركنا في أهلينا، فأخبرناه، وكان رفيقا رحيما، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وإلا فليأمكم أكبركم». الحديث وهو في الصحيحين. وفي إخبار مالك بن حويرث رضي الله تعالى عنه أن وفد النبي عليه الصلاة والسلام هم شباب متقاربون في السن، فأقاموا عنده عشرين ليلة. وفي هذا بيان ما كان عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من الرحلة لطلب العلم، فهم رحلوا للنبي عليه الصلاة والسلام وأقاموا عنده يتعلمون العلم، أقاموا عنده عشرين ليلة يعلمهم عليه الصلاة والسلام مما علمه الله، فالرحلة لطلب العلم لها أصل في الشرع دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وهذا الذي كان عليه السلف رضوان الله تعالى عليهم، من ذي الصحابة إلى من بعدهم، وهم يرحلون في طلب العلم. قال: «فظن أن اشتهينا أهلينا» أي ظن النبي عليه الصلاة والسلام أنهم اشتاقوا إلى أهلهم، فسألهم عن من تركوا من أهلهم، وهذا هو وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، هو أن الرجل الذي له أهل فهو مسؤول عليهم، فينبغي أن يتفقد أحوالهم ولو رحل في طلب العلم أو في طلب الرزق، فإنه ينبغي عليه أن ينظر في أحوالهم، وهذا أيضا من رحمة النبي عليه الصلاة والسلام وشفقته، أنه سألهم عن أهلهم ومن تركوا، فلهذا قال: «فأخبرناه وكان رفيقا رحيما». وهكذا يكون العالم يتفقد أحوال طلبته، يسألهم وينظر في أحوالهم كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل مع أصحابه. وهذا من خلق النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان رفيقا رحيما، كان عليه الصلاة والسلام رفيقا في تعامله، كانت أعماله على الرفق واللين، وهو الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وهكذا قال الله جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه»، وكان يحب الرفق في الأمر كله، وقال: «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه»، فكان من خلقه عليه الصلاة والسلام أنه كان رفيقا رحيما، كان ذا رحمة، والله سبحانه وتعالى وصفه بذلك، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنَتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فهذا من وصف النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان رحيما عليه الصلاة والسلام، وهذا شيء معلوم كيف كان يتعامل مع المخالفين، ربما أحدهم يسبه ويشتمه، بل ربما يعتدي عليه، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يعامله بالرحمة وبالعفو، والصفات التي عليه الصلاة والسلام لم يكن سبابا ولا لعانا، قال أحد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: «ما كان النبي صلى الله عليه وسلم سبابا ولا لعانا، بل كان عليه الصلاة والسلام يعفو ويصفح، ما كان فاحشا ولا متفحشا» -يعني ما كان يأتي بالقول الفاحش وبالكلام الفاحش- ما كان ذلك من خلقه عليه الصلاة والسلام. وأكد يمنغي المسلم أن يقتدي بنبيه صلى الله عليه وسلم، فليكون فاحشا ولا متفحشا ولا سبابا ولا لعانا، وكما قال عليه الصلاة والسلام: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»، فهذه من أخلاق المسلم. قال: «وكان رفيقا رحيما»، قال: «ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم»، وهذا واجب على كل راعٍ في أهله أن يعلمهم وأن يأمرهم، أن يعلمهم وأن يأمرهم بطاعة الله سبحانه وتعالى، وينهاهم عن معصية الله سبحانه وتعالى. فلما علم النبي عليه الصلاة والسلام وأولئك الصحابة أمرهم أن يرجعوا إلى أهليهم وأن يعلموهم وأن يأمروهم، يعلموهم مما علمهم، يعلمونهم الصلاة، وهكذا أيضا بقية الفرائض والواجبات، ويأمروهم بها، كما قال جل وعلا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، فهذا واجب على كل أب وعلى كل أم أن تقوم برعاية من تحتها من الأولاد. قال: «فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي»، أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلوا كما رأوه يصلي، فهم رأوا النبي عليه الصلاة والسلام بأعينهم، وصلوا خلفه، والذي لم ير صلاة النبي عليه الصلاة والسلام فإنه يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، بأن يتعلم كيف صلى النبي عليه الصلاة والسلام، يتعلم صفة الصلاة، ينظر كيف كانت صلاته عليه الصلاة والسلام حتى يؤدي هذه الصلاة كما أمر الله جل وعلا وكما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام. وهذا من العلم العيني الذي يجب على كل إنسان بعينه، فالعلم بالفرائض والأركان واجب على كل شخص بعينه، وهي فرائض الإسلام وأركان الإسلام، تعلم التوحيد وتعلم الصلاة والصيام، وتعلم أحكام الزكاة لمن كانت عنده أموال، وتعلم الحج لمن كان الحج عليه واجبا ومستطيعا، فيجب عليه أن يتعلمه، فهذا واجب عيني، وأما علوم الوسائل فهذا تعلمها فرض كفاية، كتعلم اللغة العربية وتعلم علم الأصول والمصطلح، وعلوم العلوم، فهذا تعلمها فرض كفاية. فالصلاة فرض عين يجب على كل إنسان أن يتعلم الصلاة ويعرف كيف صلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى يؤدي هذه الصلاة على وجه الصحيح، وإلا فكم من الناس من ربما يصلي وهو لا يصلي، ربما يأتي فيركع ولا يطمئن في الركوع، ويسجد ولا يطمئن في السجود، ويجلس بين السجدتين ولا يطمئن في الجلوس، صلاته باطلة، وحاله كحال المسيء في صلاته الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي»، «ارجع فصلي فإنك لم تصلي»، فهذا ربما يقع فيه كثير من المسلمين، وهذا من التفريط. والحمد لله الآن مجالس العلم متوفرة وموجودة في بيوت الله سبحانه وتعالى، وخاصة عند أهل السنة والجماعة، وكذلك الكتب التي فيها صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام كذلك مطبوعة، فيجب على المسلم أن يقرأ وأن يتعلم صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يكون معرضا عن تعلم العلم الواجب، فيقع في أمر عظيم. قال: «فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليأمكم أكبركم»، أي حين أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يرجع إلى أهليهم وأن يعلموهم ويأمروهم، قال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم»، أي إذا جاء وقت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وفي هذا دليل على مشروعية الأذان في السفر، وأنه يشرع كما يشرع في الحضر، بل ويشرع ولو كان وحده، ولو كان الإنسان وحده فيشرع له أن يؤذن، كما في حديث أبي سعيد في الصحيح أنه قال لعبد الرحمن بن أبي صعصعة: «إن كنت في غنمك أو باديتك فحضر وقت الصلاة فأذن بالصلاة أو أرفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة». فيشرع للإنسان يؤذن ولو كان وحده. قال: «وليأمكم أكبركم»، أي يتقدم للصلاة أكبركم سنا، لماذا؟ لأنهم في العلم سواء، فهم جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام معا، فدرجتهم في العلم واحدة، فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وليأمكم أكبركم»، وإلا فالأولى بالإمامة هو الأقرأ والأحفظ لكتاب الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن مسعود في الصحيحين: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، والمراد بالأقرأ الأحفظ. قال: «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة»، إذا كانوا سواء في الحفظ، فيتقدم الأعلم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، قال: «فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما» -يعني أولهم إسلاما- وفي رواية: «فأقدمهم سنا» -يعني أكبرهم سنا- فإذا اتفقوا في هذه الأشياء، فإذا قدموا الأكبر سنا، فإن كانوا في ذلك سواء اتفقوا في الحفظ وفي السنة وفي كبر السن، هنا يقرع بينهم، يقرع بينهم ويتقدم من وقعت له القرعة. وأشير من هذا الحديث هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم»، فدل ذلك على أن الإنسان يجب عليه أن يعلم أهله وأن يأمرهم بما أمر الله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. باب المرأة راعية قال حدثنا أبو اليمان، قال أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، قال أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله، والمرأة راعية في بيت زوجها، والقادم في مال سيده». سمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم، سمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والرجل راع في مال أبيه». والحديث صحيح، وقد مر معنا في درس معظم، وفيه زيادة. وقوله: «والرجل راع في مال أبيه»، أي كذلك الرجل مسؤول وراع على مال أبيه، فينبغي أن يراقب الله سبحانه وتعالى فيه، ولا يتصرف فيه بما يعود فيه بالضرر على أبيه، بل إن استعمله يستعمله بإذنه، ويضعه في المواضع التي ينتفع بها. باب من صنع إليه معروف فليكافئه قال حدثنا سعيد بن عطير، قال حدثنا يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية، عن شرحبيل مولى الأنصار، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صنع إليه معروف فليجزئه، فإن لم يجد ما يجزئه فليثن عليه، فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط فكأنما لبس ثوبي زور». الحديث صحيح، صححه شيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وفي هذا الحديث أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإجزاء من صنع المعروف، «من صنع إليه معروف فليجزئه»، والمعروف كل ما أمر الله جل وعلا به أو رسوله عليه الصلاة والسلام، أو كان مما هو مباح، فإذا أحسن إليك إنسان وأعانك في شيء، فمن الإحسان أن تكافئه على هذا المعروف وهذا الصنيع، تكافئه بشيء، بهدية أو بمال أو بغير ذلك من الأشياء، فإن لم تجد فإنك تثني عليه، فإن لم يجد ما يجزئه فليثن عليه، يعني تقول: «جزاك الله خيرا، بارك الله فيك»، ونحو ذلك. فقد جاء أيضا في الترمذي من حديث أسامة بن زيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صنع إليه معروف فقال: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء»، فقد أبلغ في الثناء، فهذا دعا لأن مقابلة من صنع المعروف بهذا الدعاء، فهو من المبالغة في الثناء، تقول له: «جزاك الله خيرا»، هذا أحسن شيء، إذا لم تستطع أن تعطيه شيئا وتجزئه بشيء، تدعو له، تثني عليه، «جزاك الله خيرا». قال: «فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره»، إذا أثنيت عليه بمثل هذا الثناء، فقد شكرت هذا المعروف. «وإن كتمه فقد كفره»، يعني إن كتم ولم يثن عليه، فقد كفره، هذا المعروف وهذه النعمة، والمراد بالكفر هنا الكفر الأصغر، فإن الكفر يطلق ويراد به الكفر الأكبر الذي يخرج من الملة، ويطلق ويراد به الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة، ومعصية من المعاصي الكبيرة من الكبائر، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، قول النبي صلى الله عليه وسلم في النساء: «يكفرن العشير»، يكفرن العشير، وهذا الكفران من الكفر الأصغر، ونحو ذلك من الأحاديث. «ومن تحلى بما لم يعط فكأنما لبس ثوبي زور»، ومن تحلى بما لم يعط، فكأنما لبس ثوبي زور، لبس ثياب ليست له، وتحلى بثياب لا يملكها، كمن يتحلى بزي العلماء، ويظهر نفسه أنه من أهل العلم وليس كذلك، فهذا ممن لبس ثوبي زور، أو تحلى بثياب الأغنياء وهو فقير، وأظهر نفسه أنه منهم، فهذا من الزور، وهكذا مثلا لو لبس ثياب الفقراء، ثياب مقطعة مرقعة، وهو عنده الثياب الطيبة الجميلة، يظهر أنه من الفقراء، فهذا من لبس ثوبي زور، وهكذا كل من تحلى بما لم يعط فكأنما لبس ثوبي زور. وجاء معنى هذا اللفظ الأخير قوله: «فكأنما لبس ثوبي زور»، ليس بثوبي زور في حديث أسماء الصحيح: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور». إلى هنا نكمل في درس آخر، الله تعالى أعلم.