الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول شرح حديث النبي حول إجابة الداعي وتبادل الهدايا لتحصيل المودة، ويبين أن إجابة دعوة الوليمة واجبة بينما إجابة الدعوات الأخرى مستحبة. يوصي النبي بتبادل الهدايا وينهى عن ردها.
يوصي النبي بحسن التعامل مع العبيد والإماء والمحافظة على الصلاة، ويحذر من ضرب المسلمين بغير حق. يشدد على أهمية الصلاة في الإسلام ويبين ضرورة الإحسان إلى المماليك.
يحدد النبي صفات خير الناس وشر الناس، ويحذر من الاعتداء على العبيد وضربهم بغير حق. يبين أن الكفر بنعم الله يعني إنكارها وعدم الاعتراف بها، وهو جحود لنعم الله على العبد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": باب حسن الخلق. قال حدثنا حفص بن عمر، قال حدثنا عمر بن الفضل، قال حدثنا نعيم بن يزيد، قال حدثنا علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة، قال: يا علي، ايتني بطبق أكتب فيه ما لا تضل أمتي بعدي. فخشيت أن يسبقني، فقلت: إني لأحفظ من ذراعي الصحيفة. قال الشيخ رحمه الله: معلقا. الشيخ الألباني، وصواب: إني أحفظ، فأعي، كما في المسند للإمام أحمد. فخشيت أن تفوتني نفسه. قال: فقلت: إني أحفظ وأعي. قال: وذكر الصحيفة لعلها مقحمة. قال: وكان رأسه بين ذراعي وعضدي، فجعل يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم، وقال كذلك حتى فاضت نفسه، وأمره بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، من شهد بهما حرم على النار. هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، نعيم بن يزيد مجهول. وقوله: فمن شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، من شهد بهما حرم على النار، هذا المعنى صحيح، جاء في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه. والحديث ما ذكر فيه فهو ضعيف، يعني سنده لا يصح، وإن كان في بعض ألفاظه ما يدل على معناه. جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب لهم كتابا، ثم حصل بين الصحابة اختلاف، فترك النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. وأما ذكر وجعل يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم، سيأتي أنه صح من حديث علي رضي الله تعالى عنه، ومن حديث أم سلمة، وإخبار. وكذلك عليه الصلاة والسلام أن من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، حرم على النار، وهو كذلك صحيح. لكن المراد من هذا الحديث هو الإحسان إلى المماليك، وهو قول: وما ملكت أيمانكم. لكن كما قلنا: بهذا الإسناد ضعيف. وسيأتي من طريق أخرى صحيحة. قال حدثنا محمد بن سابق، قال حدثنا إسرائيل، عن الأعمش سليمان بن مهران، عن أبي وائل وشقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين. وهذا الحديث صحيح. صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإجابة الداعي، يعني من دعاك لطعام، وجب عليك أن تجيبه. وهذا في طعام الوليمة، هذا الوجوب خاص في طعام الوليمة. إذا دعاك لطعام الوليمة، وجب عليك أن تجيبه، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ومن لم يجب الدعوة، فقد عصى الله ورسوله، عز وجل، في الصحيحين. فإجابة داعي الوليمة واجبة، لا يجوز لإنسان أن يترك ذلك إلا لعذر. إلا لعذر، كأن يكون في هذه الوليمة معصية، وله أن يترك هذه الإجابة. بل إذا كان لا يستطيع أن ينكر المنكر، يجب عليه أن لا يذهب، يجب عليه أن لا يجيب هذا الداعي. أو يكون مثلا مريضا أو نحو ذلك من الأعذار، فحينئذ يترك ولا يجيب. وأما إذا لم يكن له عذر، ليس هناك مانع، فإنه يجب عليه أن يذهب. وإن لم يفعل، فهو آثم. إن لم يفعل، فهو آثم. فإجابة الدعوة واجبة. وأما إجابة العرس، فليس بواجب، ليس بمستحب، هو أمر مباح. وما يفعله بعض الناس من تعظيم أمر العرس أشد من تعظيم أمر الوليمة، فهذا خلاف ما دلت عليه أدلة الشرع. فإجابة الوليمة واجبة، هو الذي ينبغي أن يحرص عليها الداعي أو المدعو، ينبغي أن يحرص عليها المدعو أشد من حرصه على حضوره عقد النكاح. هذا ما قلنا في دعوة الوليمة. فإن كانت غير وليمة، فإنه لا يجب، لكن يستحب. وسدد أهل العلم بصرف هذا الوجوب إلى الاستحباب، بما ثبت في صحيح الإمام البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام دعاه رجل إلى طعام، وعنده عائشة، فقال له: وهذه؟ يعني عائشة. قال: لا. قال: فلا. ثم دعاه مرة أخرى، فقال: وهذه؟ قال: لا. قال: فلا. ثم دعاه ثالثة، فقال: وهذه؟ قال: لا. قال: فلا. ثم دعاه الرابعة، فقال: وهذه؟ قال: نعم. فأجابه. استدل العلماء بهذا على أنه لا يجب إجابة الدعوة إذا كانت دعوة عادية، ليست وليمة. إذا كانت ليست وليمة، فلا يجب عليه أن يجيب الداعي، وإنما يستحب. وإنما يستحب. وهذا هو الأفضل، أنه إذا دعاه، أنه يجيبه إذا لم يكن عنده عذر أو شيء، فإنه يجيبه؛ لأن هذا هو ما يكون سبب في حصول المودة بينهما والمحبة. قال: ولا تردوا الهدية. كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن رد الهدية، يعني إذا أهدى لك إنسان هدية، فاقبلها، ولو كانت شيئا يسيرا، ولو كان طيبا أراد أن يطيبك، فاقبل منه. كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يرد الطيب. ويقول: وطيب الريح. وفي حديث آخر: وكان من عادة النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقبل الهدية، ويثيب عليها. هذا كان من خلق النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا كان يحث عليه الصلاة والسلام على تبادل الهدايا، كما صح عنه أنه قال: تهادوا تحابوا. يعني: يعطي الهدية، تحصل بينكم المحبة والمودة. فيعطي الهدية سبب لحصول المودة والمحبة. فإذا أعطي للإنسان هدية، فإنه يقبلها، إلا إذا كانت في الهدية معنى من معاني الرشوة، فإنه هنا لا يقبلها. كهدايا العمال، رجل يعمل موظفا أو في عمل من الأعمال، فيعطى مالا من قبل بعض الناس، فهذه لا تجوز له، ولا تحل له، يعطى من أجل أن يفسح لمعاملتهم، أو كذلك أيضا أن يعاونهم نحو ذلك، فتكون فيها معنى من معاني الرشوة، فهذه لا يجوز له أن يقبلها. قال: ولا تضربوا المسلمين. كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ضرب المسلمين. وهذا النهي عام، يشمل الحكام، ويشمل كذلك أيضا المحكومين. فيشمل الأمراء والحكام الذين يصلطون على الرعية بضربهم ظلما وبغير حق، هذا لا يجوز. أو كذلك أيضا ضرب المسلم لأخيه المسلم، هذا أيضا داخل في هذا الحديث، يعتدي على أخيه المسلم بغير حق، يرى أنه مثلا أقوى منه، أو أنه كذلك عنده من يستعين به من ذوي السلطات، فيتكبر على آخرين، ويظلمهم، يضربهم، هذا أيضا لا يجوز. أو كذلك أيضا ضرب السيد لعبده، ضرب السيد لعبده بغير حق، فهو كذلك داخل في هذا الحديث، وهو المراد في ذكره في هذا الباب. ولا تضربوا المسلمين. لا يجوز السيد أن يضرب عبده بغير حق، يرى أنه مملوك له، فدائما وهو يضربه ويعذبه، هذا لا يجوز. نعم، له أن يؤدبه إذا احتاج إلى ذلك. وأما أن يضربه دائما بغير حق، فهو مسلم، إذا كان مسلما، فلا يجوز له أن يضربه ويعتدي عليه. قال حدثنا محمد بن سلام، قال أخبرنا محمد بن فضيل، عن مغيرة، عن أبي موسى، عن علي، صلوات الله عليه، قال: كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم. والحديث صحيح. صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهكذا أيضا صح بلفظ: الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، من حديث سفينة مولى أم سلمة، عن أم سلمة، أخرجه الإمام أحمد. وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء. وقوله: عن علي، صلوات الله عليه، الأولى ترك ذلك، وترضي عنه، كغيره من الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم. وتخصيص علي بذلك، كان يستعمله الشيعة، الذين يغلون في علي، أو يفضلون علي على غيره، يأتون مثل هذه العبارات. لهذا الأولى أن تترك ذلك، وأن يقول: علي رضي الله تعالى عنه، كسائر الصحابة. على أن الصلاة على غير الأنبياء تجوز، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم صل على آل أبي أوفى. لكن صارت خاصة، واشتهرت بذكر الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. ولهذا كما قلنا: الأولى أن تترك. وذكر أن كان من آخر كلام النبي عليه الصلاة والسلام: الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم. يعني أوصى النبي عليه الصلاة والسلام في آخر حياته بالمحافظة على الصلاة. الصلاة الصلاة، أي إلزموا الصلاة، حافظوا عليها؛ وذلك لأن الصلاة من أعظم أركان هذا الدين بعد الشهادتين، من أعظم أركان الدين بعد الشهادتين. وهي صلة بين العبد وبين ربه. ولذلك فإن تارك الصلاة كافر، كما دلت على ذلك الأدلة. بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة. على حد الذي بينا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر، كما قال عمر رضي الله عنه: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فالصلاة أمرها عظيم، فلهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بها في آخر حياته. وللأسف أن تجد كثيرا من المسلمين من يفرط في أمر الصلاة، فبعضهم ربما لا يصلي، وآخر ربما يصلي ويترك، وآخر ربما يصلي بعد فوات الوقت، وهذا من التفريط العظيم في هذا الركن العظيم الذي ينبغي الاهتمام به والمحافظة عليه. ثم قال: اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم. وهو الشاهد من ذكر هذا الحديث، وهو وصية النبي عليه الصلاة والسلام بالإحسان إلى المماليك. اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم. فمن كان عنده مماليك، ينبغي أن يتق الله فيهم، يحسن إليهم. وكذلك أيضا لا يكلفهم ما لا يطيقون، وأن يطعمهم مما يطعم، كما أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. وكذلك أيضا أن لا يعذبهم، وكذلك يضربهم بغير حق، إلى غير ذلك مما يجب في حقهم. قال باب سوء الخلق. قال حدثنا عبد الله بن صالح، وهو كاتب الليث، وهو ضعيف، قال حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن أبي الدرداء، أنه كان يقول للناس: نحن أعرف بكم من البياطرة بالدواب. يعني الدواب. والبيطري قد عرفنا خياركم من شراركم. أما خياركم الذي يرجى خيره، ويؤمن شره. وأما شراركم، فالذي لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، ولا يعتق محرره. وهذا الأثر صحيح الإسناد موقوفا، يعني من قول أبي الدرداء. ورجاله مرفوعا، وهو صحيح بدون ذكر العتق، بدون ذكر العتق. وهو في المشكاة، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على ناس وهم جلوس، فقال: ألا أخبركم بخياركم من شركم؟ فسكتوا، فعاد ذلك ثلاثا، فقال رجل: بلى يا رسول الله، أخبرنا بخيرنا من شرنا. قال: فخيركم من يرجى خيره، ويؤمن شره. وشركم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خير الناس من يرجى خيره، أي الذي يكون خيرا للناس، ينتفع الناس به، يكون خيرا للناس، إما بنصحه وإرشاده، وإما كذلك بالإحسان إليهم بما أتاه الله جل وعلا من مال، أو كذلك أيضا بإزالة الشر عنهم، أو غير ذلك مما يحصل به الخير. وأولى الناس دخولا في هذا الحديث هم أهل العلم؛ فإن أهل العلم هم خير الناس للناس. وهكذا أيضا كذلك من خير الناس من شره، أي الذي يبتعد ويبعد شره عن الناس، ما يؤذيهم لا بلسانه ولا بيده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. هذا من خير الناس. أما الذي يؤذي الناس بلسانه، يسب ويشتم، ويلعن، ويغتاب، وينم، وغير ذلك، فهذا من شر الناس. أو كذلك يعتدي عليهم بضرب، أو بأخذ مال، أو بغير ذلك، فهذا ليس من خيار الناس. ولهذا قال: من شركم من لا يرجى خيره، ما فيه خير، هذا من شر الناس، الذي لا يرجى خيره، ما ينتفع الناس منه بشيء، وإنما يظهر الشر للناس. وإذا قال: لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، ثم يكون شريرا، يكون ماذا؟ شرا للناس، إما بأذية، سواء كانت الأذية باعتداء، أو كذلك بأقوال، أو بالحرص على نشر الفتن وإثارتها، فهذا من الشر. بعض الناس تجده يظهر شره في أزمات الفتن، تجده في مواضع الفتن متحركا، نشيطا، يذهب هنا وهنا، وينشر، ويعطي، ويتكلم، ويوسوس، ويدلس، وهكذا ينشر الشر والفتن، وهذا من شر الناس، هذا من لا يؤمن شره. وربما يتظاهر في الظاهر بالخير، في الظاهر يتظاهر بالخير، تجد في ظاهره السكينة والوقار، وفي الباطن الشر العظيم، فهذا من شر الناس. فينبغي للإنسان أن يراقب الله سبحانه وتعالى، وأن يكون من خير الناس الذين يرجى خيرهم، ويؤمن شرهم، ولا يكون ممن لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره. قال حدثنا عصام بن خالد، قال حدثنا حريز بن عثمان، عن ابن هانئ، عن أبي أمامة، سمعته يقول: الكنود الذي يمنع رفده، وينزل وحده، ويضرب عبده. وهذا الأثر ضعيف، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله، ضعيف موقوفا، ورجاله مرفوعا بسند واه جدا. يعني بسند ضعيف. رواه نابغة مرفوعا، وفيه جعفر بن الزبير، وهو متروك. وقوله: الكنود الذي يمنع رفده. يعني الجاحد، الجاحد الكافر بنعمة الله، الذي يمنع رفده، يعني يمنع ما أعطاه الله سبحانه وتعالى من العطايا والصلات، فيمنعها، فهذا كافر بنعمة الله عز وجل. وهكذا أيضا ينزل وحده، ويضرب عبده. يعني لا يدعو أحدا معه، بما أتاه الله سبحانه وتعالى. وكذلك يعتدي على عبده بأن يضربه. وهو الشاهد من ذكر هذا الأثر في هذا الباب، وهو أن هذا من كفران النعم، الاعتداء، اعتداء الإنسان على عبده، وضربه له بغير حق. وهذا وإن كان ضعيفا، لكن معناه صحيح، كما قال الله جل وعلا: إن الإنسان لربه لمنود. يعني يكفر بنعمة الله سبحانه وتعالى التي أنعم الله جل وعلا بها عليه.