التعليقات على كتاب الأدب المفرد 54

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الدلالة على الخير وتحذير من الدلالة على الشر

يشرح الحديث النبوي فضل الدلالة على الخير وأجر من يدل عليه، ويحذر من الدلالة على الشر والإثم. من دل على خير فله مثل أجر فاعله، ومن دل على إثم فعليه إثم من يرتكبه.

تحذير من سن سنة سيئة وأثر الدلالة على الخير

النبي عليه الصلاة والسلام حذر من سن سنة سيئة ويتحمل من يسنها وزرها ووزر من عمل بها. بينما من يدل على خير فله مثل أجر فاعله، وبعض المنتسبين إلى العلم يحثون على المنكرات والمعاصي.

العفو والصفح في السنة النبوية والأخلاق الحسنة

يتناول عفو النبي عليه الصلاة والسلام عن اليهودية التي سممته، وآراء أهل العلم في قبول الهدية من المشركين. كما يشدد على العفو والتسامح والتحلي بالأخلاق الحسنة مستشهدا بسيرة النبي.

التفريغ النصي الكامل

قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: باب الدال على الخير. قال حدثنا محمد بن كثير، قال حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي عمر الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أبدع بي -أي انقطع بي لکلال راحتي أو راحلتي- يعني تعبت راحلته، فما استطاع أن يكمل سفره أو أن يسافر، قال: فاحملني -يعني آتي لي بركب أو ركاب أو راحلة- قال: لا أجد، ولكن آتي فلانا، فلعله أن يحملك، فأتاه فحمله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: من دل على خير فله مثل أجر فاعله. الحديث وفيه أن رجلًا أتى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره أن راحلته قد تعبت وانقطع عن السفر، وطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يحمله -أي أن يأتي له براحلة- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا أجد -أي ليس عند النبي عليه الصلاة والسلام ما يحمله به- ثم أرشده أن يأتي فلانا من الناس، وقال: فلعله أن يحملك، فأتاه فحمله، فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبره -أي أخبره أن فلانا حمله وأتى له براحلة- فقال عليه الصلاة والسلام: من دل على خير فله مثل أجر فاعله. ففي هذا الحديث بيان أن الدال على الخير كفاعله، من دل على خير، وهذا عام يشمل كل من دل على خير، كل من دل على خير فمن اسم شرط، وأسماء الشرط تدل على العموم، فدخل في ذلك الذكر والأمثى، من دل على خير، وهذا يشمل كل أعمال الخير، وخير نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فكل خير يدل عليه الإنسان فله مثل أجر فاعله، فلك مثل أجر فاعله، دلت إنسانًا على طريق طلب العلم، نصحته ووجهته لطلب العلم عند أهل السنة والجماعة، فلك مثل أجر عمله يطلب العلم وأنت في عملك وتجد مثل أجره، فله مثل أجر فاعله؛ لأنك دليت على الخير. أو نصحت الإنسان في المحافظة على الصلاة، وكذلك بأن يصلي مع الجماعة، فانتصح بذلك ولازم صلاة الجماعة، فلك مثل أجره؛ لأنك دللته على الخير، وهكذا أرشدت الإنسان إلى حضور مجالس العلم والسماع المحاضرات النافعة، ففعل فلك مثل أجره؛ لأن هذا من الخير، أو دللت إنسانًا وحثثته على الصدقة، ففعل فلك مثل أجره، وهكذا في سائر أعمال الخير، من دل على خير فله مثل أجر فاعله. في هذا بيان عظيم فضل الله سبحانه وتعالى، فإنك تدل على الخير وتجد مثل أجر الفاعل، تجد مثل أجر الفاعل، ولا ينقص من أجر الفاعل شيء، لكن هذا من فضل الله سبحانه وتعالى وإكرامه، أنك تنال من الأجر مثل ما يفعل من دل على خير فله مثل أجر فاعله، فيحرص الإنسان أن يكون ممن يدل على الخير. بمعنى هذا الحديث، حيث أبي هريرة في الصحيحين بقول النبي عليه الصلاة والسلام: من دل على هدى فله مثل أجر فاعله، لا ينقص من أجره شيئًا، وهكذا أيضًا بالعكس، إذا دللت على باطل وعلى إثم، فلك من الإثم بقدر من يفعل هذا الإثم، فلك من الإثم بقدر من يرتكب هذا الإثم، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ومن دل على إثم فله من الإثم بقدر ذلك -أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام-. فهكذا أيضًا كما أنك تجد الخير والأجر في الدلالة على الخير، فكذلك تجد الإثم وتجد السيئات في الدلالة على الشر، وفي معنى ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيح- في حديث عبد الله بن مسعود: ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها -يعني له نصيب من دم هذه النفس التي تقتل ظلمًا- أي معنى له نصيب من الإثم، لماذا؟ لأنه أول من سن القتل، أول من سن القتل، فكل نفس تقتل ظلمًا فإنه يجد من ذلك الإثم ويتحمل من وزر هذا الإثم. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه عن عبد الله: ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، فاحذر أن تكون ممن يسن للناس سنة سيئة، فتتحمل أوزار هذه السنة السيئة، سواء كان بفعل المعاصي أو البدع والمحدثات، بأن تسن للناس شيئًا ليس من دين الله سبحانه وتعالى، تسن للناس نوعًا من الأذكار لم يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام ولا الصحابة، أو نوعًا من أنواع العبادة كصلاة مخصوصة بكيفية مخصوصة وزمن مخصوص، أو غير ذلك من البدع والمحدثات، ستتحمل آثام ذلك وكل من فعلها فلك نصيب من الإثم والوزر. لكن احرص أن تكون ممن يدل على الخير حتى تجد من أجر هذا الفاعل، من دل على خير فله مثل أجر فاعله، فالخير فيما أمر الله سبحانه وتعالى به ورسوله، والشر والإثم فيما حرمه الله عز وجل ورسوله. والعجب من بعض من ينتسب نفسه إلى درجة العلماء وينزل نفسه منزلتهم للعلم، ثم يحث الناس على فعل المنكرات وعلى فعل المعاصي، إما جهلًا منه أو تجاهلًا، ربما إذا سمع من يذكر للناس تحريم النبي عليه الصلاة والسلام للربا وأنه ذنب عظيم حرمه الله ورسوله، يأتي ربما يحل لهم ما حرم الله سبحانه وتعالى، أو كذلك أيضًا ربما إذا سمع من يذكر للناس أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في تحريم تصوير ذوات الأرواح، وأن هذا منكر عظيم وكثرت فيه الأحاديث في النهي عنه والتحذير منه، فيأتي وينكر ذلك، ينكر تحريم تصوير ذوات الأرواح. وما هي حجته في ذلك؟ يقول: انظروا إلى فعل فلان وفلان من الناس، وأن فلانًا يتصور، وأن شيخ فلان يتصور، يتصور، وهذه حجة ترد بها نصوص الكتاب والسنة، يرد أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ويبطلها بفعل فلان وفلان من الناس، هذا يدل على جهل عظيم بدين الله سبحانه وتعالى. وربما يقول: انظروا إلى هؤلاء المشايخ، هم من مشايخ أهل السنة، وربما قد ظهروا أو ظهر بعضهم في شاشات التلفاز، ويستدل بذلك أنهم يرون حل التصوير وأنه لا يحرم، وهذا كذلك جهل منه عظيم؛ لأن هؤلاء الذين ظهروا لم يقولوا بأن التصوير حلال، ولم يقولوا بأن تصوير ذوات الأرواح لا شيء فيه، بل هم يرون تحريمه لما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وإن كان بعض قد ظهر في بعض هذه الشاشات وفي بعض وسائل الإعلام لمصلحة يراها، مع اعتقاده أن التصوير محرم، فيأتي هذا الجاهل وأمثاله فيقولون: إن التصوير لا شيء فيه، وأن فلانًا وفلانًا من الناس قد ظهروا، هذا جهل عظيم بدين الله سبحانه وتعالى. ولكن ماذا ينتظر من شخص لم يتربى على أيدي أهل السنة، ولم يتربى على أيدي علماء أهل السنة، وإنما تربى على أيدي المبتدعة وعلى أيدي المتصوفة؟ فهل ينتظر من أمثال هؤلاء غيرة على دين الله سبحانه وتعالى، وتعظيم لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لا. وكما قال القائل: تلك العصى من تلك العصية، وهل ترد الحية إلا بحية مثلها؟ والعصى ما تأتي إلا بعصى مثلها، لكن كما قلنا: كذا يفعل الهوى والجهل بأهله، فيحرص الإنسان أن يكون ممن يدل الناس على الخير، ما يدلهم على الشر وعلى المعاصي والمنكرات، ويزينها لهم من أجل أغراض دنيوية ومقاصد يريدون أن ينتفعوا بها. قال: باب العفو والصفح عن الناس. قال حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال حدثنا خالد بن الحارث، قال حدثنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس، أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: لا، قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث صحيح، وهو في الصحيحين، وفيه أن يهودية أتت النبي عليه الصلاة والسلام بشاة مسمومة -أي وضعت فيها السم- فأكل منها النبي عليه الصلاة والسلام، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها -يعني ألا نقتل هذه اليهودية التي سمت هذا الطعام- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا. قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى لهوات رسول الله هي -أو معناها- سقف الفم، واللهوات جمع لهاة، وقيل: اللحمة المشرفة على الحلق، وقيل: أقصى الحلق، وقيل: ما يبدو من الفم عند التبسم. والمراد أن أثر السم بقي في النبي عليه الصلاة والسلام حتى مات عليه الصلاة والسلام، والشاهد من الحديث هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: لا، حين قالوا له: ألا نقتلها؟ قال: لا، فتركها النبي عليه الصلاة والسلام، فعفا عنها وصفح مع أنها أرادت أن تقتله، أرادت أن تقتل النبي عليه الصلاة والسلام، فعفا عنها. وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، ومعجزة من معجزاته عليه الصلاة والسلام، وهو أنه أكل من هذا السم ولم يؤثر فيه، وغالبًا أن من أكل السم أنه يموت ويقتل بسبب هذا السم، وكذلك أيضًا إخبار الذراع النبي عليه الصلاة والسلام أنها مسمومة، كما جاء في بعض الروايات أن الذراع خاطبت النبي عليه الصلاة والسلام وأخبرته أنها مسمومة. وكذلك أيضًا فيه جواز قبول الهدية من المشركين، فهذه اليهودية أهدت للنبي عليه الصلاة والسلام شاة وقبلها عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على جواز قبول الهدية من المشركين، ومثله ما أهدى أكيدر دومة الجندل النبي عليه الصلاة والسلام، أهدى له ثوب حرير فقبله النبي عليه الصلاة والسلام وأعطاه عليًا، وقال: قسمه على الفواطم، والحديث في مسلم. وما ورد من رد الهدية كما جاء عند أبي داود وغيره، حين أهدى عياض بن حمد النبي عليه الصلاة والسلام ناقة، فقال: أسلمت؟ قال: لا، فقال: إني نهيت عن زبد المشركين، ففي أن النبي عليه الصلاة والسلام رد هديته. وجمع أهل العلم بين قبول النبي عليه الصلاة والسلام بالهدية وبين ردها بأقوال، فمنهم من قال: إن الهدية إذا كانت خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام فإنه يردها، وما كان عامًا للمسلمين فإنه يقبل، ومنهم من قال: إن الهدية إذا أهديت وكان المراد من ذلك حصول التودد والموالاة فإنها ترد، وإذا كان في قبولها حصول الألفة والتأليف للإسلام فإنها تقبل. ومنهم من قال بالنسخ، ومنهم من قال بالخصوصية، وأقرب هذه الأقوال هو القول الثاني: إذا كان قبولها فيه مفسدة، ويكون المراد منها حصول الموالاة والتودد، فإنها ترد، وإذا كان في قبولها تأليف للإسلام وترغيب في الإسلام فإنها تقبل، وهذا القول كما قال الحافظ رحمه الله هو أقوى الأقوال في الجمع في هذه المسألة. وجاء في بعض الروايات أن هذه اليهودية هي زينب بنت الحارث أخت مرحب اليهودي، والشاهد منه كما قلنا هو عفو النبي عليه الصلاة والسلام والصفح عنها. وجاء في رواية أخرى في مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقتلها، أمر بقتل هذه اليهودية، والجمع بين هاتين الروايتين التي فيها الصفح وعدم قتلها، وبين الرواية التي أمر فيها النبي عليه الصلاة والسلام بقتلها، هو أنه لما سمت النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر لم يحصل بسمها قتل، فعفا عنها النبي عليه الصلاة والسلام. فلما مات بعض الصحابة الذين أكلوا من هذه الشاة أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتلها، وهو بشر بن البراء رضي الله تعالى عنه، مات بسبب أكله من هذه الشاة، فلما مات دفعها النبي عليه الصلاة والسلام إلى أوليائه ليقتلوها قصاصًا، فهذا جمع بين الروايتين. وهل في هذا كذلك منافاة لعفو النبي عليه الصلاة والسلام وصفحه؟ الجواب: لا، فالنبي عليه الصلاة والسلام عفا عنها وصفح لما كان يتعلق بحقه، لكن لما تعلق الأمر بحقوق الآخرين وحصل القتل لمن أكل من هذه الشاة، دفعها النبي عليه الصلاة والسلام إلى أولياء المقتول ليفعلوا فيها ما يرون، وأمروا أو أرادوا قتلها، ولا يناف ذلك عفو النبي عليه الصلاة والسلام وصفحه عنها. قال حدثنا محمد بن سلام، قال حدثنا أبو معاوية، قال حدثنا هشام، عن وهب بن كيسان، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول على المنبر: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، قال: والله ما أمر بها أن تؤخذ إلا من أخلاق الناس، والله لآخذنها منهم ما صحبتهم. الأثر صحيح، وأصله في البخاري، ففيه أن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وهذه الآية قد جمعت معاني عظيمة في العفو والصفح، وكذلك أيضًا في الأمر بالمعروف. خذ العفو أي كن ذا عفو، كن سهلًا ميسرًا ذا أخلاق عظيمة، فمن أساء إليك فاعفو عنه واصفح عنه، ولا تكن ممن ينتقم لنفسه، فإن النبي عليه الصلاة واله كان من أخلاقه أنه لا ينتقم لنفسه قط، كما قالت عائشة رضي الله عنها: ما تقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى، هذا من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا ينتقم لنفسه. وإن شاء الله نتكلم على هذا الأثر في درسنا آخر، الله تعالى أعلم.