التعليقات على كتاب الأدب المفرد 71

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 71، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ذم البخل وأهمية الكرم في الإسلام

ذم الإسلام البخل واعتبره داءً عظيمًا، بينما أثنى على الكرم والجود. يُعتبر الكرم من صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي يجب أن يقتدي بها المسلمون.

فضل المال الصالح وأهمية النية الصالحة في العمل

يُعتبر المال الصالح نعمة للمرء الصالح إذا كان من الحلال ويُستخدم في طاعة الله. النية الصالحة في العمل تجعل منه عبادة، حتى لو حصل معه شيء من متاع الدنيا.

التحليل الشرعي لجمع المال والإنفاق

جمع المال من الحلال ليس مذمومًا، بل يُعتبر جيدًا إذا استُخدم في طاعة الله. يُنهى عن إضاعة المال ومنع ما يجب إنفاقه، مثل النفقة على الأهل.

التفريغ النصي الكامل

قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد، باب البخل، حدثنا عبد الله عن أبي الأسود، قال: حدثنا حميد عن الأسود، عن الحجاج الصواف، قال: حدثني أبو الزبير، قال: حدثنا جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سيدكم يا بني سلمة؟» قلنا: جد بن قيس، على أن نبخله. قال: «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ»، بل سيدكم عمرو بن الجموح. وكان عمرو على أصنامهم في الجاهلية، وكان يولم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج. والحديث صاحب شيخ الألباني رحمه الله، والشاهد منه ظاهر، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام حين سألهم -أي سأل أن يسأل مهما سيدكم- قالوا: جد بن قيس، على أن نبخله، يعني كان من خلقه البخل، فقال عليه الصلاة والسلام: «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ»، يعني أن البخل داء عظيم ومرض عظيم. فقال: بل سيدكم عمرو من الجموح، وكان كريما، كان كريما، كان قائمًا على أصنامهم في الجاهلية -يعني قبل الإسلام- يقوم بالإنفاق عليها، وكذلك كان يولم عن النبي عليه الصلاة والسلام، فجعله النبي عليه الصلاة والسلام سيدهم، فدل ذلك على أن البخل صفة ذميمة، وأن من كان من صفته البخل فليس أهلا للسيادة على الآخرين. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا هشيم، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثنا وراد كاتب المغيرة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة -المغيرة بن شعبة- أن اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه المغيرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وعن منع وهات، وعقوق الأمهات، وأد البنات. الحديث صحيح في الصحيحين، وقد مر الكلام عليه في الأبواب الماضية. والشاهد منه قول عليه الصلاة والسلام: «وإضاعة المال»، أو «عن منع وهات»، فهذا مما كان ينهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام أن يمتنع الإنسان مما يجب عليه، ومن ذلك الامتناع عن النفقة على الزوجات أو الأولاد، فهذا مما أوجبه الشرع، كما قال جل وعلا: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وفي حديث معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت». وهو في السنن. فالنفقة واجبة، فمنعها من البخل إذا كان منعها وهو قادر عليها، فهو من البخل المذموم، ويدخل فيها النهي عن منع الزكاة، فإن منعها من البخل، وغالبًا أن الذي يمنعها يمنعها بخلًا أو جحودًا، فإذا منعها ولم يخرجها فقد وقع في النهي. قال: حدثنا هشام عن عبد الملك، قال: سمعت من عيينة، قال: سمعت المنكدر، سمعت جابرًا: ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قط فقال: لا. والحديث في الصحيحين، والشاهد منه هو ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الكرم والجود. وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا سئل شيئًا أعطاه، ولا يبخل عليه الصلاة والسلام إذا كان عنده شيء، كما قال أنس: ربما أعطى أعرابيًا غنمًا بين جبلين، فيرجع إلى قومه فيقول: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. قال: وإن كان رجل ليسلم لا يريد إلا الدنيا، وما هي إلا أيام حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها. كان عليه الصلاة والسلام يعطيهم تأليفًا، يتألف هؤلاء القوم على الإسلام، فكان عليه الصلاة والسلام من صفاته الكرم والجود، وهكذا أعطى كثيرًا من مسلمي الفتح، أعطاهم عليه الصلاة والسلام من الإبل الشيء الكثير، وكل ذلك من باب التأليف لهم. قال: باب المال الصالح للمرء الصالح، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا موسى بن علي، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمرو بن العاص، قال: بعث إلي النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني أن آخذ علي ثيابي وسلاحي، ثم آتيه، ففعلت، فأتيته وهو يتوضأ، فصعد إلي البصر، ثم طأطأ، ثم قال: يا عمرو، إني أريد أن أبعثك على جيش، فيغنمك الله، وأرغب لك رغبة من المال صالحة. قلت: إني لم أسلم رغبة في المال، إنما أسلمت رغبة في الإسلام، فأكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا عمرو، نعم المال الصالح للمرء الصالح. والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفي أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث إلى عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه حتى يغزو غزوة في سبيل الله سبحانه وتعالى، فأمره أن يأخذ عليه ثيابه وسلاحه، وفي هذا الأخذ بالأسباب، وأن العمل بالأسباب لا ينافي التوكل على الله سبحانه وتعالى، بل هو من التوكل. فالذي يريد القتال والحرب فإنه يستعد ويأخذ بالأسباب التي تعينه على ذلك، ومن ذلك أخذ السلاح وثياب الحرب، كما قال جل وعلا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. وكذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يقاتل الكفار، ويلبس ثياب القتال، ويحمل سلاحه، وكل ذلك من العمل بالأسباب. ثم أتى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يتوضأ، فصعد إليه البصر، ثم طأطأ، يعني جعل ينظر إليه النبي عليه الصلاة والسلام إلى أعلى، ثم طأطأ بصره إلى الأسفل، ثم قال: يا عمرو، إني أريد أن أبعثك على جيش، فيغنمك الله -يعني تصيب الغنيمة- وهي ما يجده المسلمون من متاع وأموال من الكفار يؤخذ بعد الحرب. فقال: وأرغب لك رغبة من المال صالحًا، يعني أن تجد شيئًا من المال الذي تنتفع به. وفي هذا بيان أن العمل الصالح الذي يراد به وجه الله سبحانه وتعالى إذا فعله الإنسان قاصدًا الثواب من الله جل وعلا، وكان في ذلك شيء من متاع الدنيا تبعًا، فإنه لا يضر، ما دام أن نيته وقصده ما عند الله عز وجل. فالمجاهد الذي يجاهد ويقاتل في سبيل الله جل وعلا لإعلاء كلمة الله، يريد وجه الله، فإنه إذا قاتل وكان مع هذا القتال وهذه النية الحصول على شيء من الغنيمة، فإن ذلك لا يضر بنيته. مع أن الأسلم والأكمل أن يكون مراده وتكون نيته ما عند الله سبحانه وتعالى، بخلاف ما لو كانت نيته الدنيا، قاتل لأجل غنيمة لا لأجل إعلاء كلمة الله، فهذا يكون عمله مذمومًا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إني لم أسلم رغبة في المال، إنما أسلمت رغبة في الإسلام، يعني أنه رضي الله تعالى عنه أسلم قاصدًا الثواب والأجر، ويريد ما عند الله سبحانه وتعالى، وأن يكون مع النبي عليه الصلاة والسلام. فقال له عليه الصلاة والسلام: يا عمرو، نعم المال الصالح للمرء الصالح، أي لا بأس أن يكتسب الإنسان بالمال الصالح، ويتحصل على المال الصالح. والمراد بالمال الصالح الذي يكتسبه من وجوه الحلال، من وجوه التي أحلها الله سبحانه وتعالى. وقوله: نعم المال الصالح، يخرج بذلك المال غير الصالح، وهو المال المحرم الذي يكتسبه الإنسان من طرق مشبوهة ومحرمة، إما بالتعامل بالمعاملات الربوية، أو عن طريق الرشاوى التي كثرت عند كثير من الناس، أو عن طريق الغش والتدليس، أو غير ذلك من الطرق المحرمة. فإن هذا المال مال سيء، وبئس هذا المال الذي يكتسبه الإنسان من الحرام. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أيما جسم نبت من سحت فالنار أولى به». فالمال الطيب هو المال الذي يكتسب من الحلال، فنعم هذا المال الصالح للمرء الصالح، يستعين به في قضاء حوائجه وسد حاجته، وكذلك أيضًا يكون هذا المال عونًا له على عدم إذلال نفسه. فهذا لا شيء فيه أن يكون عنده مال، لكن كما قلنا إذا كان هذا المال من طرق حلال، أما إذا كان جمعه للمال من الطرق المحرمة، أو بعمل شيء من أعمال الآخرة يطلب بها الدنيا، فهذا من المذموم. والله تعالى أعلم.