التعليقات على كتاب الأدب المفرد 103

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 103، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير النبي من ذي الوجهين والنهي عن الكذب والنميمة

حديث النبي عن ذي الوجهين الذي يأتي طائفة بوجه وأخرى بوجه، وهو من شر الناس يوم القيامة. ذو الوجهين يتصف بالكذب والنميمة ويسبب الشحناء والبغضاء بين الناس.

أهمية حسن الظن واجتناب الظن السيئ

ينبغي على المسلم أن يحذر من الظن السيئ لأنه قد يكون سببا في حصول الشحناء والبغضاء. الظن السيئ هو التهمة التي ليس لها سبب أو مجرد ظنون وأوهام.

تحريم السلوكيات الاجتماعية الضارة وتوضيح صفات الأخوة الإسلامية

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض السلوكيات الاجتماعية مثل النجش والتحاسد والتباغض والتنافس والتدابر، وأمر باجتنابها لتحسين العلاقات بين المسلمين. كما بين أن بعض هذه السلوكيات قد تكون محرمة إذا كانت تسبب ضررًا للآخرين أو تؤدي إلى الشحناء والبغضاء.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا محمد قال حدثنا عمرو بن حفص قال حدثنا أبي قال حدثنا الأعمش قال حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تجد من شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه». الحديث صحيح، وهو بالصحيحين. وفي هذا الحديث بين النبي عليه الصلاة والسلام أن من شر الناس يوم القيامة عند الله عز وجل ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، أي الذي يأتي إلى طائفة بوجه فيتظاهر أنه معهم وأنه يؤيدهم، وربما تكلم في الطائفة الأخرى وأن فيهم كذا وكذا، وطعن فيهم، وأنه يتظاهر أنه معهم وأنه يؤيدهم، ويتكلم في الطائفة الأخرى وأن فيهم كذا وكذا، ويطعن فيهم ويتنقصهم. وإذا أتى إلى هؤلاء تظاهر أنه معهم، وإذا ذهب إلى أولئك تظاهر أنه معهم، فهو ذو وجهين يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه. كحال المنافقين الذين أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم أنهم «إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون». هذا حال ذي الوجهين، تجده يتلاعب ويضحك ويكذب على كل طائفة، فهذا من شر الناس يوم القيامة، وهو من الكذابين وليس من أهل الصدق. فالصادق ليس له إلا وجه واحد، ليس له إلا وجه واحد، إن كان مع أهل الحق وهو مع أهل الحق ما يتلاعب ولا يتظاهر بشيء ويخفي شيء آخر. فليس هذا من سمات أهل الصدق، بل هذه من سمات الكذابين ومن صفات المنافقين، فهم الذين يأتون هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، يريد إما أن يكون مع كلا الطائفتين، يتظاهر بأنه مع كلا الطائفتين، إذا أتى إلى الطائفة تكلم بكلامهم، وإذا ذهب إلى الأخرى تكلم بكلامهم، فيظن كل طائفة أنه معهم، أو أنه يفعل ذلك لإيقاع الشحناء والبغضاء، كحال صاحب النميمة يأتي إلى الطائفة ويقول: أولئك كذا وكذا، ويتكلم، ثم يذهب إلى تلك الطائفة فيتكلم في الطائفة الأخرى حتى يثير الشحناء والبغضاء. وهذا هو المقصود في هذا الحديث، ولهذا ذكره الإمام البخاري رحمه الله في باب الشحناء، ذكره في باب الشحناء الذي يأتي طائفة بوجه ويأتي الطائفة الأخرى بوجه، ويثير الشحناء والبغضاء بين الطائفتين، فهذا من شر الناس يوم القيامة. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يأتي يوم القيامة وله لسانان من نار، كما جاء في الصحيحة للعلامة الألباني رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان له لسانان في الدنيا جاء يوم القيامة وله لسانان من نار». لأنه كذاب ولأنه كان ذا وجهين، فكان هذا عقابه أن يكون له لسانان من نار. والذي ينبغي على المسلم أن يكون ذا وجه واحد، وأن لا يتلاعب ويتلون، فهذه من صفات أهل الكذب ومن صفات أهل النفاق. قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الرزاق ومن همام الصنعاني قال أخبرنا معمر ومن راشد عن همام ومن نبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تنافسوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الظن وعن الأخذ بالظن الذي يكون سببا في حصول الشحناء والبغضاء. «إياكم والظن» يعني احذروا من الظنون، فإن كثيرا منها كذب وكثير منها ليس بأمور حقيقية ولا بأمور صحيحة. «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»، وليس المراد بالظن هنا الظن الذي تعلق به الأحكام، الظن الذي تعلق به الأحكام إذا كان مستند إلى العلم فإنه يعمل به. وإنما المراد بالظن التهمة التي ليس لها سبب، مجرد ظنون وأوهام، ربما يتهم شخصا بالفاحشة وليس عنده في ذلك يقين، وإنما هو مجرد ظنون، فهذا لا يجوز، أو يتهمه بالسرقة وليس عنده في ذلك يقين، وإنما مجرد ظن، أو يتهمه بالبدعة وبالحزبية وليس معه على ذلك يقين، وإنما مجرد ظنون وأوهام، فهذا ينبغي للمسلم أن يحذر منها. «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»، وكما قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، ﴿إن بعض الظن إثم﴾، ولا تجسسوا، فالله سبحانه وتعالى نهى عن الظن وأخبر أن كثيرا من الظن إثم، ثم نهى عن التجسس الذي ربما يحصل بسبب الظنون، إذا ظن أن فلانا هذا سارق تجده يذهب ويتجسس عليه يريد أن يتحقق من هذا الظن. فلهذا لا يجوز، ولهذا نهى الله سبحانه وتعالى عن التجسس، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التجسس، فلا يجوز للمسلم أن يتجسس على أخيه يظن به أمرا فيتهمه به، ثم يذهب يتجسس عليه، يذهب يتجسس حتى يحقق هذا الأمر، ربما اتهمه بالبدعة فذهب يتجسس ويتحسس وينظر وينكش ويسأل حتى يريد أن يحقق هذا الأمر، وهذا الظن الذي ظنه هذا لا يجوز. «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»، فلا يجوز للمسلم أن يظن بأخيه السوء، والواجب أن يحسن الظن بأخيه ما استطاع، فإذا وجدت القرائن الواضحة البينة على صحة هذا الأمر الذي يوقع في مثل هذا الأمر، فهنا يحكم عليه بما يستحق بالأمور الواضحة البينة المتيقنة. وأما مجرد الظنون وأوهام فينبغي أن لا يبال بها، ينبغي أن لا يعتبر بها، بل ينبغي أن يضرب بها عرض الحائط. ولا يتهم المسلم أخاه بتهم ليس له فيها بينة، إلا كما قلنا إذا وجدت قرائن تدل على صدق هذا الأمر، فهنا يجوز الظن به. ولهذا بوب الإمام البخاري رحمه الله باب جواز الظن بمن حفته القرائن، جواز الظن بمن حفته القرائن، فإذا وجدت قرائن واضحة بينة عمل بها، وإن لم يوجد فلا. قال: «ولا تناجشوا»، والنجش هو نوع من أنواع البيوع المحرمة التي حرمها الشرع لما فيها من سوء معاملة المسلم لأخيه، وهو أن يزيد في سعر السلعة من لا يريد شراءها، أن يزيد في سعر السلعة من لا يريد شراءها، وإنما يريد نفع البائع أو الإضرار بالمشتري. يأتي مثلا شخص يتفق مع البائع ويقول له: أنا سأرفع لك سعر هذه السلعة، يتظاهر أنه يريد أن يشتريها، ويتفق معه على شيء، فيأتي عند البيع فيرفع السعر وينافس المشترين ويتظاهر أنه يريد أن يشتري، فيغتر المشتري الآخر ويظن أن هذه السلعة تستحق مثل هذا الثمن، فيرفع في سعر السلعة حتى يغتر المشتري فيشتريها بسعر مرتفع حتى ينفع البائع، هذا لا يجوز. أو يريد الإضرار بالمشتري، يعلم أن فلانا يريد هذه السلعة وهو محتاج لها وسيشتريها بأي ثمن، فيأتي ويرفع ثمن هذه السلعة وهو لا يريد أن يشتريها، لكن يريد أن يضر به، يريد أن يضر بهذا المشتري، فيرفع في ثمنها حتى يشتريها بثمن مرتفع، فهذا لا يجوز. ومثله ما قد يفعله البائع من أنه يأتي بأوصاف لسلعته ويثني عليها ويظهرها بالمظهر الحسن حتى يغتر المشتري، فإن هذا فيه معنى النجش. قال: «ولا تحاسدوا»، ومر الكلام على الحسد. «ولا تباغضوا»، كذلك مر الكلام على البغض، وينبغي للمسلم أن يحذر من التباغض، وأن يسد كل باب يكون سببا في حصول البغضاء وحصول الشحناء، ولو أن يتنازل عن شيء من حقه إذا كان في تنازله عن حقه سبب لزوال هذا البغض وزوال هذه الشحناء، فينبغي عليه أن يتنازل، وله الأجر والثواب على ذلك. قال: «ولا تنافسوا»، ومر الكلام على التنافس، قلنا: وهو أن يحرص على التفرد بالشيء، أن يكون هو المتفرد به، سواء كان في أمر من أمور الدنيا أو في أمر من أمور الدين، لا ينبغي أن يحصل في ذلك التنافس إلا إذا كان التنافس في أمور الآخرة وأمور العبادات والطاعات، فإن ذلك مما رغب فيه الشرع، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. قال: «ولا تدابروا»، وهو كذلك مر الكلام عليه، وفيه النهي عن الهجر والتدابر، سمي بذلك لأن الشخص يولي دبره لأخيه، أي يقاطع ويهاجره، فيعطيه دبره، يعني يوليه ظهره ودبره حتى لا يكلمه ولا يبالي به، فهذا نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وكونوا عباد الله إخوانا»، وكل هذه الأمور مما تنافي الأخوة، فالظنون واتباع الظنون والأوهام مما ينافي الأخوة، والمسلم عليه أن يحسن الظن بأخيه ما استطاع، وهكذا التناجش ينافي الأخوة، وما ينبغي أن يكون عليه المسلم مع أخيه في حسن التعامل. وهكذا الحسد والبغضاء والتنافس والتدابر كل ذلك مما ينافي الأخوة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم، ولهذا قال: «وكونوا عباد الله إخوانا». والله تعالى أعلم.