الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 1، الدرس الأول:من( ترجمة الشارح وصاحب المتن ... والمتابعة للرسول والنصيحة للمؤمنين واتباع طريقهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث هذا الفصل عن ترجمة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ومحمد بن عبد الوهاب، موضحًا نشأتهما وعلمهما ومؤلفاتهما. يُبرز الفصل أهمية العلماء في فهم العقيدة الإسلامية.
يشرح هذا الفصل عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر. يُفصّل الإيمان بالله تعالى وصفاته وأفعاله وتوحيد الربوبية والألوهية.
يتناول هذا الفصل أصول أهل السنة والجماعة في الإيمان والتوحيد، ويشرح صفات الله تعالى والإيمان بالقرآن. يُركز على مفهوم الإيمان وأنه يشمل عقائد القلوب وأعمال الجوارح.
يتضمن هذا الفصل تسبيح الله تعالى وتنزيهه عن النقائص والاعتراف بوحدانيته وطلب المغفرة والتوبة. يُظهر أهمية الأذكار في التعبير عن التواضع والاعتراف بالذنب ورغبة التوبة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. نبتدأ في هذا اليوم القراءة في كتاب شيخ شيخنا، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، في تعليقاته على كتاب التوحيد، المسمى بالقول السديد في مقاصد التوحيد. وتتمة للفائدة، نقرأ ترجمة المؤلف، رحمه الله، صاحب الشرح والمتن، ثم نقرأ المقدمة، ونترك الشروع في الكتاب للدرس اللاحق إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: ترجمة العلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي. اسمه ونسبه: هو الشيخ العلامة أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي، من بني تميم. مولده ونشأته: ولد في عنيزة في القصيم في الثاني عشر من محرم سنة ألف وثلاثمائة وسبع من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. ونشأ يتيما، فقد توفيت أمه وله أربع سنين، وتوفى والده وله سبع سنين، ولكنه نشأ نشأة صالحة. وقد أثار الإعجاب، فقد اشتهر منذ حداثته بفطنته وذكائه ورغبته الشديدة في طلب العلم وتحصيله. فَحَفِظَ القرآن عن ظهر قلب، وعمره أحد عشر سنة، ثم اشتغل بالعلم على يد علماء بلده، فاجتهد في طلب العلم، وجد فيه، وسهر الليالي، وواصل الأيام، حتى نال الحظ الأوفر من كل فن من فنون العلم. ولما بلغ من العمر ثلاثا وعشرين سنة، جلس للتدريس، فكان يتعلم ويعلم. وهذا يدلك على منزلته العلمية، رحمه الله تعالى، من قديم أمره. فإذا كان جلس للتدريس والتعليم وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، يدلك ذلك على منزلته. قال: زهده وورعه: كان على جانب كبير من الأخلاق الفاضلة، متواضعا للصغير والكبير، والغني والفقير. وكان ذا شفقة على الفقراء والمساكين والغرباء، مادا يد المساعدة لهم بحسب قدرته، ويستعطف لهم المحسنين ممن يعرف عنهم أو ممن يعرف عنهم حب الخير في المناسبات، يعني يشفع لهم شفاعات حسنة. وهذا خلق العلماء. قال: وكان على جانب كبير من الأدب والعفة والنزاهة والحزم بكل أعماله. وكان من أحسن الناس تعليما، وأبلغهم تفهيما. ومن يقرأ في كتبه يجد معنى ذلك. ومن يقرأ في سيرته ويسمع كلام العلماء يجد كذلك برهان ذلك. قال رحمه الله: علمه: كان رحمه الله بمعرفة فائقة في الفقه وأصوله. وكان أول أمره متمسكا بالمذهب الحنبلي، تبعا لمشائخه، وحفظ بعض المتون من ذلك، يعني من متون الحنابلة في الفقه. وكان أعظم اشتغاله وانتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. وحصل له خير كثير بسببهما في علم الأصول والتوحيد والتفسير ولغته وغيرها من العلوم النافعة. ويرى ذلك ظاهرا في مؤلفاته رحمه الله. فإنه إذا تتبع كلامه، تكاد تظن أحيانا أن هذا كلام شيء من كلام شيخ الإسلام، أو كلام ابن القيم. فنفسه وافق نفسهما، رحمهم الله تعالى. قال: وبسبب استنارته بكتب الشيخين المذكورين، صار لا يتقيد بالمذهب الحنبلي، بل يرجح ما ترجح عنده بالدليل الشرعي. ولا يطعن في علماء المذاهب. وله مكانة مرموقة في علم التفسير، إذ قرأ عدة تفاسير، وبرع فيه، وألف تفسيرا جليلا. ولأجل هذا، حمل عليه بعض المتعصبة من الحنابلة، وطعنوا فيه طعنا شديدا، حتى رماه بعضهم بالزندقة، ورماه بعضهم بالخروج، وغير ذلك من التهم، بسبب خروجه عن المذهب الحنبلي. وهذا حال صاحب الحق، مبتلى دائما. قال رحمه الله: مؤلفاته: كان رحمه الله تعالى ذا عناية بالغة بالتأليف، فشارك في كثير من فنون العلم، فألف في التوحيد والتفسير والفقه والحديث والأصول والآداب وغيرها. وأغلب مؤلفاته مطبوعة، إلا اليسير منها. ومن أهمها: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، وتيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، وهما كتابان، أحدهما مختصر من الآخر. قال: ثالثا: رسالة من القواعد الفقهية. وهذه الرسالة هي التي فيها شرح النظم. قال: رابعا: رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة، وهي التي سماها القواعد والأصول الجامعة، وذكر معها التقاسيم والفروق النافعة. قال: خامسا: الفتاوى السعدية، وهو مجلد مطبوع، طبع قديما في مجلد واحد، فيه فتاوى الشيخ رحمه الله. قال: سادسا: القواعد الحسان لتفسير القرآن. وسابعا: القول السديد في مقاصد التوحيد، وهو الذي بين أيدينا. والثامن: المختارات الجلية من المسائل الفقهية. والتاسع: منظومة في أحكام الفقه. وغير ذلك الكثير، نفع الله بعلمه. قال: وفاته رحمه الله: وبعد عمر دام تسعا وستين سنة، قضاها في التعلم والتعليم والتأليف وخدمة الأمة الإسلامية، وفاه الأجل المحتوم، فتوفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف، في مدينة عنيزة من بلاد القصيم، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته. قال: ترجمة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى. نسبه: والإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي ابن محمد بن أحمد بن راشد ابن بريد بن محمد بن مشرف بن عمر، من وهبة بن تميم. قال: ما ولده: ولد هذا العالم في بلدة العيينة، سنة ألف ومئة وخمسة عشر للهجرة، في بيت علم وشرف ودين. فأبوه عالم كبير، وجده سليمان عالم نجد في زمانه. نشأته: حفظ القرآن قبل بلوغ عشر سنين، ودرس في الفقه حتى نال حظا وافرا. وكان موضع الإعجاب من والده، لقوة حفظه. وكان كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث، وجد في طلب العلم ليلا ونهارا. فكان يحفظ المتون العلمية في شتى الفنون. ورحل في طلب العلم في ضواحي نجد، وفي مكة، وقرأ على علمائها. ثم رحل إلى المدينة، فقرأ على علمائها. ومنهم العلامة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الشمري، كما قرأ على ابنه الفرضي الشهير إبراهيم بن الشمري، مؤلف العذب الفائض في شرح ألفية الفرائض. وعرفاه بالمحدث الشهير محمد حياة السندي، فقرأ عليه بعلم الحديث ورجاله، وأجازه بالأمهات. وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قد وهبه الله فهما ثاقبا، وذكاء مفرطا. وأكب على المطالعة والبحث والتأليف. وكان يثبت ما يمر عليه من الفوائد أثناء القراءة والبحث. وكان لا يسأم من الكتابة. وقد خط كتبا كثيرة من مؤلفات ابن تيمية وابن القيم، رحمهم الله. ولا تزال بعض المخطوطات الثمينة بقلمه السيال موجودة بالمتاحف، يعني بخط الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. قال: ولما توفي والده سنة ثلاث وخمسين ومئة وألف للهجرة، أخذ يعلن جهرا بالدعوة السلفية إلى توحيد الله، وإنكار المنكر، ويهاجم المبتدعة، أهل القبور والأوثان والأصنام. فقد شد أزره الولاة من آل سعود، وقويت شوكته، ودعا خبره. قال: مؤلفاته: وله رحمه الله مؤلفات نافعة، نذكر منها: الكتاب الجليل المفيد، المسمى كتاب التوحيد. وقد طبع أكثر من ألف طبعة، كلما نفدت الطبعة، عيد طبعه. وكتاب كشف الشبهات، وهكذا كتاب الكبائر، وكتاب ثلاثة الأصول، وكتاب مختصر الإنصاف والشرح الكبير، وكتاب مختصر زاد المعاد، وكتاب مختصر الإنصاف. قال: ومن تأملها، وجد تحقيق الشيخ رحمه الله، وأنه لم يكن مذهبيا، بل كان متجردا، رحمه الله. فكم يرد على الحنابلة، ويرجح من مسائل بما يظهر به الدليل. وكثيرا ما يميل إلى قول الشيخين، شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، رحمهم الله. قال: ويدلك على اطلاعه أنه يذكر أشياء خلاف ما يذكره صاحب المتن، مما يدلك على سعة اطلاعه، رحمه الله تعالى، بالفقه، حديثا، وهكذا أقوالا. قال: وله فتاوى ورسائل، جمعت في اسم مجموعة مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب، تحت إشراف جامعة الإمام محمد بن سعود. قال: وفاته رحمه الله: وغد توفي رحمه الله تعالى، عام ست ومئتين وألف، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، إنه سميع مجيب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. قال: بسم الله الرحمن الرحيم، مقدمة المؤلف. الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فقد سبق أن كتبنا تعليقا لطيفا في مواضيع كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قدس الله روحه، فحصل فيه نفع ومعونة للمشتغلين، ومساعدة للمعلمين، لما فيه من التفصيلات النافعة، مع الوضوح التام. وطبع بمطبعة الإمام، ثم نفدت نسخه، مع كثرة الطلب عليه. ودعت الحاجة الشديدة إلى إعادة طبعه ونشره. وفي هذه المرة، بدا لي أن أقدم أمام ذلك مقدمة مختصرة، تحتوي على مجملات عقائد أهل السنة في الأصول وتوابعها. فأقول مستعينا بالله: يعني في الدخول إلى هذه المقدمة التي جعلها بين يدي هذا الكتاب. قال: مقدمة تشتمل على صفوة عقيدة أهل السنة، وخلاصتها المستمدة من الكتاب والسنة. وذلك أنهم يؤمنون بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. وهذا كما دعت إليه أدلة الكتاب والسنة. فما أكثر الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب الإيمان بأركان الإيمان الستة. قال: فيشهدون أن الله هو الرب الإله المعبود، المتفرد بكل كمال، فيعبدونه وحده، مخلصين له الدين. فيقولون: إن الله هو الخالق البارئ المصور، الرزاق المعطي المانع، المدبر لجميع الأمور. وأنه المألوه المعبود الموحد، المقصود. وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، الآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء. وكل هذه ثبتت بها أدلة. قال: وأنه العلي الأعلى بكل معنى، ومعنى بكل معنى، علو الذات وعلو القدر وعلو القهر. فأهل البدع يفرون من علو الذات، وإن أثبتوا علو القدر والقهر. وأما أهل السنة فيثبتون العلو بكل معانيه: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. وقوله قبل ذلك: إن الله هو الخالق البارئ إلى آخره، ثم قالوا: إنه المألوه، يعني أن توحيد الربوبية الذي يقر به أكثر الخلق، يستلزم توحيد الألوهية الذي يجحده الكثير من الخلق. فإن كل من التوحيدين مرتبط بالآخر تلازما وتضمنا. قال: وقال: وأنه العلي لعلو بكل معنى واعتبار: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. وأنه على العرش استواء، استواء يليق بعظمته وجلاله. ومع علوه المطلق وفوقيته، فعلمه محيط بالظواهر والبواطن، والعالم العلوي والسفلي. وهو مع العباد بعلمه، يعلم جميع أحوالهم. وهو القريب المجيد. وهذا كله دلت عليه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة. وهو القائل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وهو القائل: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، وهو القائل: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾. فأثبت لنفسه العلو المطلق، وأثبت لنفسه العلو الخاص، أي فوقية الرب سبحانه وتعالى على العرش، بالاستواء الذي يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. ومع ذلك، فعلمه لا يخلو منه شيء، فهو بعلمه في كل مكان، يعلم جميع أحوالهم. قال: وأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، والكل إليه مفتقرون في إيجادهم، وإيجاد ما يحتاجون إليه، بجميع الأوقات. ولا غنى لأحد عنه طرفة عين. فهم يفتقرون إلى الله في كل لحظة وحين، يفتقرون إليه؛ لأنه يمدهم بأسباب حياتهم. قال: وهو الرؤوف الرحيم، الذي ما بالعباد من نعمة دينية ولا دنيوية، ولا دفع نقمة إلا من الله. فهو الجالب للنعم، الدافع للنقم. ومقتضى ذلك أن يفرد وحده سبحانه وتعالى بالعبادة والسؤال. لا يتوجه إلى غيره، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا صالح من الصالحين. قال: ومن رحمته: أنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيستعرض حاجات العباد، حتى يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري. من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر. قال: فهو ينزل كما يشاء، ويفعل ما يريد. ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ويعتقدون أنه الحكيم، الذي له الحكمة التامة في شرعه وقدره. فما خلق شيئا عبثا، ولا شرع الشرائع إلا للمصالح والحكم. قال: وأنه التواب العفو والغفور، يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويغفر الذنوب العظيمة للتائبين والمستغفرين والمنيبين. وهو الشكور، الذي يشكر القليل من العمل، ويزيد الشاكرين من فضله. قال: ويصفونه بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من الصفات الذاتية، كالحياة الكاملة، والسمع والبصر، وكمال القدرة، والعظمة والكبرياء والمجد والجلال والجمال والحمد المطلق. قال: ومنها صفات الأفعال، المتعلقة بمشيئته وقدرته، كالرحمة والرضا والسخط والكلام. وأنه يتكلم بما شاء، كيف يشاء. وكلماته لا تنفذ ولا تبيد. قال: وأن القرآن كلام الله، غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود. ومعنى منه بدأ: أي هو تكلم به ابتداء. فالكلام ينسب إلى من تكلم به ابتداء، لا إلى من قاله مبلغا. قال: فجبريل مبلغ عن كلام الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم مبلغ عن كلام الله. فالكلام ليس كلام جبريل، ولا كلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو كلام الله، أي القرآن؛ لأن الله تكلم به ابتداء. قال: وأنه لم يزل ولا يزال موصوفا بأنه يفعل ما يريد، ويتكلم بما يشاء، ويحكم على عباده بأحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية. قال: فهو الحاكم المالك، ومن سواه مملوك محكوم عليه. فلا خروج للعباد عن ملكه، ولا عن حكمه. فالكل مملوكون لله، محكومون بحكمه. ولا يعني ذلك أنهم مجبورون على أعمالهم، بل مشيئتهم تابع لمشيئة الله. قال: وهم يفعلون ويعملون باختيارهم، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، ومع ذلك فهو القائل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ويؤمنون بما جاء به الكتاب، وتواترت به السنة، أن المؤمنين يرون ربهم تعالى عيانا، جهرة، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. يرون ربهم سبحانه وتعالى رؤية حقيقية بالعين. قال: وأن نعيم رؤيته، والفوز برضوانه، أكبر النعيم. واللذة من أكبر النعيم، اللذة رؤية الله سبحانه وتعالى. قال: وأن من مات على غير الإيمان والتوحيد، فهو مخلد في نار جهنم أبدا. يعني الكافر والمشرك والمنافق والملحد، فهؤلاء الذين يموتون على غير الإيمان، من أهل الأصناف الأربعة، ومن كان بمعنى هؤلاء، فهم في نار جهنم مخلدين، خلودا أبديا. قال: وأن أرباب الكبائر إذا ماتوا على غير توبة، ولا حصل لهم مكفر لذنوبهم، ولا شفاعة، فإنهم وإن دخلوا النار، لا يخلدون فيها. فهم قبل الدخول تحت المشيئة، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم. قال: وبعد الدخول، لو دخلوا، فإنهم لا يخلدون في النار، وإنما يعذبون بقدر معاصيهم. ولا يبقى في النار أحد، في قلوبهم مثقال حبة خردل من إيمان، إلا خرج منها. قال: وأن الإيمان يشمل عقائد القلوب، وأعمالها، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان. فالإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. قال: فمن قام به على الوجه الأكمل، فهو المؤمن حقا، الذي استحق الثواب، وسلم من العقاب. ومن انتقص منه شيئا، نقص من إيمانه بقدر ذلك. قال: ولذلك كان الإيمان يزيد بالطاعة، بفعل الخير، وينقص بالمعصية والشر، بترك الخير، أو الوقوع في شيء من المعاصي والكبائر. قال: ومن أصولهم: السعي والجد فيما ينفع من أمور الدين والدنيا، مع الاستعانة بالله. فهم حريصون على ما ينفعهم، ويستعينون بالله. وهذا من كمال الإيمان؛ فإن الإيمان يدعو إلى عظيم الأمور، وصغيرها. قال: ومن ذلك: السعي والاكتساب في أمر الدين، بتعلم العلم، وأمر الدنيا بالاكتساب. فاليد العليا خير من اليد السفلى. ومع ذلك يعلمون أن الله هو المعين، فيستعينون به. قال: وكذلك يحققون الإخلاص لله في جميع حركاتهم. واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول، والنصيحة للمؤمنين، واتباع طريقتهم. قال: إلى هنا نقف، ونترك الباقي في درس لاحق. والله تعالى أعلم. قال: وهذا سؤال واحد، يقول: هل يصح أن نقول أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، كان ضعيفا في علم الحديث، بما ورد في كتاب كتاب التوحيد من الأحاديث الضعيفة؟ الجواب: لا، بل هو مجتهد رحمه الله تعالى، كغيره من المجتهدين. ولا يوجد في كتاب التوحيد حديث واحد ضعيف متفق على ضعفه، أو بمعنى موضوع، أو لا أصل له. بل كل ما في كتاب التوحيد مما فيه ضعف، فهو له وجه في التصحيح عند بعض أهل العلم، له وجه من التصحيح عند بعض أهل العلم. فإذا انتبهت إلى هذا المعنى، علمت أن الشيخ لم يكن ضعيفا في هذا العلم. قال: ولم يدخل الضعيف شديد الضعف، ولا الموضوع، ولا ما لا أصل له. ولكن أدخل ما خف ضعفه، إما لأن بعض أهل العلم صححه، وإما أن معناه صحيح، وله شواهد. وهذه طريقة علمية صحيحة، يسلكها كبار العلماء، فضلا عن صغارهم. قال: الإمام أحمد رحمه الله، وهو يعتبر من أئمة الحديث، ومع ذلك من تتبع مسائل الإمام أحمد، تجد أحيانا يذكر بعض الأحاديث الضعيفة. والأعجب من ذلك أنه أحيانا هذه الأحاديث الضعيفة قد أعلها في مواضع أخرى، وأعل هذه الأحاديث الضعيفة، وتجده يستدل بها في مواضع أخرى. قال: هل هذا تناقض؟ الجواب: لا، ليس تناقضا. ولكن العلماء أحيانا يضعفون الشيء من جهة سنده، ولكن من جهة معناه يثبتونه، يثبتونه من جهة معناه. فيكون هذا من باب الاستئناس، هذا من باب الاستئناس. قال: ثم حسبك بأمثال الترمذي، ومن كان على طريقته من أهل العلم، أئمة. ولا أحد يستطيع أن يقول أن الترمذي ضعيف في علم الحديث. لكن قال بعض أهل العلم: الترمذي متساهل في التحسين. قال: والشيخ رحمه الله، إذا تتبعت كتاب التوحيد، لم تجده يحكم، ولكنه ينقل. وفرق بين هذا وهذا. وفوق كل ذي علم عليم. والناس يتفاوتون في الرسوخ في العلم، وفي الاعتناء بالعلم. فالمتخصص قد يكون عنده من المعرفة ما لا يكون عند غيره. وهذا لا يشك فيه أحد، ولا يكابر فيه أحد. لكن لا يعني ذلك الطعن في الشيخ، أو في علمه، أو كذلك في كتاب التوحيد. بل هو كتاب عظيم، يستفاد منه. قال: حتى ما فيه من الأحاديث الضعيفة، فإنها ليست شديدة الضعف، وتؤيدها معاني صحيحة في الأحاديث الصحيحة، إلا ما ندر. واسئل الله تعالى أن ينفع به. قال: إلى هنا، والله تعالى أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.