أسئلة تهم طالب العلم 2

أسئلة تهم طالب العلم 2

الدرس في أسئلة تهم طالب العلم 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

افتتاحية الدرس وعرض النصيحتين الجامعتين

يستهل المتحدث الدرس بالبسملة والحمد لله، ثم يبين أنه تلقى نصيحتين أساسيتين من الشيخ مقبل بن هادي الوادعي لطلبة العلم، وهما: إخلاص النية لله تعالى، والصبر على تحصيل العلم ومذاكرته ورعايته وصيانته وتبليغه.

النصيحة الأولى: إخلاص النية في طلب العلم

يشرح المقطع أول نصيحة وهي الإخلاص لله تعالى، موضحاً أن طلب العلم يجب أن يكون خالصاً لوجه الله لا للشهادة ولا للسمعة ولا لأغراض دنيوية، مستدلاً بالآية والحديث، ومؤكداً أن من لم يخلص لا يستمر في هذا الطريق، كما قال الإمام أحمد: «ما كان لله دام».

النصيحة الثانية: الصبر على تحصيل العلم ورعايته وصيانته

يؤكد المقطع على ضرورة مجاهدة النفس والصبر في طلب العلم بدءاً من التحصيل والمذاكرة مروراً بالرعاية والصيانة الحسية والمعنوية للعلم، وينتهي بوجوب تبليغه للناس اقتداءً بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعليم القرآن ونفع الغير.

تتمة الكلام في الصبر: مراحل التبليغ وأقوال السلف

يوضح المقطع أن طالب العلم يحتاج إلى الصبر في مراحل التحصيل والمراجعة والتبليغ، لأن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستلزم تحمل الأذى، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، ومقولة يحيى بن أبي كثير: «لا يستطاع العلم براحة الجسد»، وابن المبارك: «يتخذ نعلين من حديد»، مبينين أن الإمامة في الدين لا تنال إلا بالصبر واليقين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعثه، فأحببنا أيضًا في هذا الدرس أن نأخذ كلام شيخنا ونصائح شيخنا أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله- لنا معاشر طلبة العلم، فما أحوجنا لمثل هذه النصائح التي تثبتنا على هذا الطريق، والتي تكون سببًا لنا في الاستمرار على هذا الطريق في تصحيح السير، السير في طلب العلم. وبعدما قرأنا في الدرس الماضي، ليلة الماضية، بعض الأسئلة التي تتعلق بكيفية الطلب، وبالكتب التي يبتدئ بها الطالب، وبالطريق السهل الميسر لحفظ القرآن الكريم، فإن شاء الله تعالى في هذا المجلس نأخذ من كلام شيخنا أبي عبد الرحمن في نصائحه لطلبة العلم. فإنه في مقدمة هذا الكتاب، وهو «غارة الأشرطة على أهل الجهل والبدعة»، ذكر شيخنا -رحمه الله تعالى- نصائح لطلاب العلم، فنقرأ هذه النصائح؛ فإننا لأمس الحاجة إليها. قال -رحمه الله تعالى-: «نصيحتي لطلبة العلم: بسم الله الرحمن الرحيم. أنصح إخواني بالله طلبة العلم بأمور مختصرة، لا يتسع المقام لبسطها، إذ قد أُلِّفت المؤلفات في فضل العلم وأهله». أي أنه ذكر النصائح على سبيل الاختصار لا على سبيل البسط، وكذلك الحصر بأدلة كل نصيحة. فقال: «فأنصحهم أولًا بالإخلاص لله». قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة: 5]. وقالوا في الصحيحين عن عمر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». قال: «فلا يطلب العلم لشهادة ولا لأغراض أخر»، يعني لمصالح أخر غير الإخلاص لله عز وجل. وهذه نصيحة مهمة جدًا، وهي الأساس التي ينبغي لطالب العلم أن يجعلها أمام عينيه في طلبه للعلم: الإخلاص لله. أنك جئت إلى مراكز العلم، وجلست في حلقات العلم من أجل الله عز وجل، من أجل أن ترفع الجهل عن نفسك أولًا، ثم ترفع الجهل عن غيرك ثانيًا. طلبت العلم من أجل أن تنجو به من عذاب الله سبحانه وتعالى، وتنال رحمة الله عز وجل. طلبت العلم من أجل أن تتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. هذا هو الإخلاص. لا تطلب العلم لأن عندك فراغًا، ولأن أصحابك قد سافروا أو قد طلبوا العلم فأنا معهم. ما تطلب العلم من أجل أن أباك أرغمك بذلك. ما تطلب العلم من أجل أن تنال السمعة أو الرياء، يقال: فلان ما شاء الله يحفظ القرآن، وفلان يحفظ العلم. ما تطلب العلم من أجل أن تنال حطامًا من حطام الدنيا: كراتب، أو وظيفة، أو شهادة، أو إلى غير ذلك. إنما تطلب العلم من أجل الله سبحانه وتعالى. ولذلك فقد ذكر أهل العلم أن الطالب إذا لم يخلص لله عز وجل فإنه لا يستمر في هذا الطريق، لا يستمر في هذا الطريق. ومن حُرِفَ عن هذا الطريق، ومن صُرِفَ عن هذا الطريق، إلا بسبب هذا الأمر، ألا وهو عدم إخلاصه لله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «ما كان لله دام»، أي بقي واستمر صاحبه عليه. ما كان لله دام. أما الشيء الذي يكون لغير الله فسرعان ما ينقطع صاحبه عنه. وهذا هو الواقع المشاهد، هذا هو الواقع المشاهد. فهذه أول نصيحة، وقدمها الشيخ لأهميتها: أنك يا أخي تطلب العلم من أجل الله، من أجل أن تتقرب إلى الله عز وجل، من أجل أنك تسلك طريقًا موصلًا إلى الجنة. «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». تطلب العلم من أجل أن تعبد الله سبحانه وتعالى على بصيرة. نعم، فهذه أول نصيحة ينبغي أن يحفظها وأن يعمل بها طالب العلم، ألا وهي الإخلاص لله عز وجل. ولا يقول قائل: «إذن أنا أشعر من نفسي أنني لا أخلص لله، فأترك العلم». لا، فإنه قد جاء عن السلف أنهم كانوا يقولون: «سفيان وغيره: طلبنا العلم لغير الله، فأبى الله إلا أن يكون له». أي أن الإنسان في بداية طلبه للعلم قد يعرض له شيء من مثل هذه الأمور: الغيبة والسمعة، أو أنه يطلب العلم من أجل أنه ضغط عليه من أهله ومن والديه. لكن يرجى أنه إن جاهد نفسه، وأحب العلم بعد معرفته له، والله سبحانه وتعالى شرح صدره، يرجى أن يذهب ما به من رياء، أو من سمعة، أو من عدم إخلاص لله عز وجل. فأنت تجاهد نفسك، ولا يدخل لك الشيطان من هذا المدخل فيكون هذا سببًا في انصرافك عن طلب العلم. بل تجاهد نفسك، وإن علم الله سبحانه وتعالى منك الصدق وفقك للاستمرار في طلب العلم. قال: «النصيحة الثانية: الصبر على تحصيل العلم ومذاكرته ورعايته وصيانته وتبليغه». انظروا إلى هذه الأمور العظيمة: الصبر على تحصيل العلم. هذا أولًا: اكتساب العلم يحتاج منك إلى صبر. كونك تجلس من بعد الفجر في حلقات العلم، تترك شهوة نومك في هذا الوقت الذي ربما أكثر الناس يضيعونه في النوم، وهو وقت مبارك، كما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، والحديث يحسنه العلامة الألباني، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اللهم اجعل بركة أمتي في بكورها، اللهم اجعل بركة أمتي في بكورها». فهكذا هذا الوقت وقت مبارك، فيحتاج منك إلى صبر، أن تصبر في أن تجاهد نفسك وتترك هذه الشهوة التي ربما تضيع عليك أمورًا عظيمة من حفظ القرآن، ومن دراسة العلم، ومن حفظ العلم. هذا يحتاج منك إلى صبر. كذلك حفظك لهذا العلم يحتاج منك إلى صبر بالمذاكرة دائمًا. وأنت تذاكر وتراجع، هذا يحتاج منك إلى صبر. قراءة الكتاب يحتاج منك إلى صبر، أن تجلس وتمسك الكتاب وتقرأ. ربما يأتيك الشيطان ويقول: «أنت ربما تتعب على هذه الهيئة، ارتق قليلًا»، فتتكئ، فإذا بالنوم يأتي إليك، وإذا بالكتاب يسقط على الأرض. لكن إن جاهدت نفسك، جلست جلسة طالب علم، وقرأت ووعيت وحفظت وراجعت وذاكرت، هذا يحتاج منك إلى صبر وإلى مجاهدة. أما إذا لم تصبر، فالنفس تريد النوم، وتحب الدعاء، وتحب الراحة، وتحب كذلك الكسل والقيلولة، وإلى غير ذلك. هذا أيضًا يحتاج منك إلى صبر. التحصيل أولًا، ثم المذاكرة: لا يكفي يا أخي أن تجلس في حلقة العلم، هذا أمر جيد، لكن هل بعد أن تجلس في حلقة العلم لا تراجع ولا تذاكر ما أخذت في هذا المجلس؟ لا. إذا أخذت درسًا في العقيدة، اليوم الثاني ربما يسألك المدرس عما أخذته في الدرس الماضي، فإن لم تراجع وتذاكر، ما تستطيع أن تجيب، ولا تتقن العلم، ولا تحفظ العلم. فلابد من المذاكرة، كما كان يقول أحد السلف: «حياة العلم مذاكرته». يحيى العلم ويبقى العلم بالمذاكرة، بالمذاكرة دائمًا تقرأ وتكرر هذا العلم إلى أن يرسخ ويثبت في ذهنك. فإذن التحصيل يحتاج إلى صبر، والمذاكرة تحتاج إلى صبر. ثم رعاية العلم: طيب، ذاكرته وحفظته، يحتاج منك هذا الحفظ إلى رعاية. كيف؟ إلى رعاية إذا مر أو مرت فترة من الزمن، يحتاج منك هذا العلم إلى مراجعة ومذاكرة مرة أخرى. لا تتركه وتهمله، لا تراجعه حتى لا تنسى، وحتى لا يذهب عليك ذلك العلم. هذا يحتاج منك إلى صبر. فبعض طلبة العلم ربما يدرس الكتاب مرات كثيرة، وإذا نظرت إلى السبب لوجدت أن سببه: هو يدرس الكتاب ويرمي الكتاب في مكتبته أو في دولابه، ولا يقرأ فيه ولا يراجع. كيف سيثبت هذا الكتاب ويضبط هذا الكتاب؟ فلابد من الرعاية. هذا الكتاب الذي تدرسه يكون شيئًا ملازمًا لك في مكتبتك، ترعاه دائمًا، وأنت تتردد إليه بعد فترة وأخرى. الكتب التي درستها لا تنساها ولا تضيعها. بعض طلبة العلم ربما إذا درس درسًا اشترى الكتاب مرة ثالثة، أين الكتاب الأول؟ ضاع. سبحان الله! لا، طالب العلم ما يضيع كتبه. الكتاب الذي تدرسه يكون جزءًا منك، يكون معك في مكتبتك، بعد فترة تراجع، تقرأ، تستذكر المعلومات، تثبت هذه المعلومات. هذا هو العلم، يحتاج منك ذلك الأمر إلى صبر. كذلك الصيانة: تصون هذا العلم. والصيانة قد تكون معنوية، وقد تكون حسية. والصيانة المعنوية: أنك لا تضيع ما قد من علم في أمور تافهة وانشغالات تافهة. بعض طلبة العلم ربما يدرس السنوات ثم يضيع هذا العلم لأنه يجري خلف هذه الدنيا، من سوق إلى سوق، ومن متجر إلى متجر، ويضيع ما حفظ. هذا ليس من الصيانة. هذا يحتاج منك إلى صبر. كذلك الصيانة الحسية: ما يحفظ كتبه، وما يحفظ ملخصاته، وما يحفظ شروحاته التي درسها. فهذا يحتاج منك أيضًا إلى عناية وصبر. ثم أخيرًا يحتاج منك هذا العلم إلى تبليغ. ما يكفي يا أخي أن تحصل العلم ثم لا يستفيد منك أحد. هذا من الخطأ. «تعلمت القرآن علمه، ولك الأجر العظيم: خيركم من تعلم القرآن وعلمه». تعلمت السنة، علمها غيرك. هذا أيضًا يحتاج منك إلى صبر. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1-3]. أي: علموا، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أي عملوا بعلمهم، وتواصوا بالحق، أي: بلغوا هذا الحق غيرهم الذي علموه، والذي عملوا به، بلغوه غيرهم. تواصوا بالحق الذي علموه، وبالعلم الذي علموه، وتواصوا بالصبر. فإن التبليغ يحتاج منك إلى صبر، لأن التبليغ ربما تلاقي بسببه الأذى: هذا يرفضك، وهذا ربما يسبك، وهذا ربما يسخر منك، وهذا ربما يفتر عليك. فهذا التبليغ يحتاج منك إلى الصبر. والتبليغ هو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وهذا هو العلم: العلم أمر بمعروف أو نهي عن منكر. ولذلك لقمان يقول لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ﴾ [لقمان: 17]. لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد أن يلاقي صاحبه أذى، لابد، فيحتاج منه إلى صبر. فانظر كيف جمع الشيخ -رحمه الله تعالى- هذه الأمور جميعها في الصبر الذي ينبغي أن يتحلى به طالب العلم: الصبر على تحصيل العلم، ومذاكرته، ورعايته، وصيانته، وتبليغه. هذه أمور مهمة جدًا لطالب العلم. يصبر نفسه، لا يضيع وقته بالقيل والقال. تعجب من بعض طلبة العلم مستعد أن يضيع الساعات بالقيل والقال والضحك. لو أنه حفظ من القرآن، وقرأ من التفسير، وراجع دروسه، وراجع محفوظاته، لكان خيرًا له. فالنفس تتوق إلى هذا الشيء، تحب المزاح وتحب ضياع الأوقات، وربما تثقل عليها المراجعة والمذاكرة، فيحتاج منك هذا الأمر إلى صبر، أن تصبر نفسك، وأن تجاهد نفسك، وأن تعود نفسك على المذاكرة والمراجعة. وكل ذلك يحتاج منك إلى صبر. قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24]. كيف صاروا أئمة يُقتدى بهم، يُقتدى بهم ويستفاد من قولهم وفعلهم؟ الإمام الذي يستفاد من علمه، ومن قوله، ومن فعله، كيف جعلهم الله أئمة؟ لما صبروا. عندهم صبر، وعندهم يقين. فبصبرهم وصلوا إلى هذه المرتبة العلية، وهي مرتبة الإمامة في الدين. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -عليه رحمة الله-، ويكثر من هذه المقولة كما ذكر ذلك ابن القيم عنه، تلميذه ابن القيم -رحمه الله-: قال ابن القيم: «سمعت شيخنا مرارًا يقول: بالعلم واليقين، أو بالصبر واليقين، تنال الإمامة في الدين». بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. ثم يقرأ قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾. وقال: «وفي الصحيحين، أو في الصحيح، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الصبر ضياء»». يضيء لك الطريق. إذا صبرت فأنت على طريق مستقيم واضح جليل، ينوره الله سبحانه وتعالى لك. وقال يحيى بن أبي كثير لولده: «لا يستطاع العلم براحة الجسد». لا يمكن: تريد راحة الجسد، وتحصل العلم، وتنال العلم. لا بد من أن تجاهد نفسك، وأن كذلك تضحي، سواء أكان بوقتك، أو بشيء من طعامك، أو من شرابك، أو من نومك. لا بد من هذا. وأنت إذا قرأت في سيرة السلف الصالح لرأيت العجب العجاب: ربما لا يأكلون الأيام الطوال لأنهم لم يجدوا وقتًا لهذا الأكل. ربما اختار بعضهم الأكل السهل الذي لا يستغرق وقتًا طويلًا. كل هذا من أجل العلم، من أجل طلب العلم. ولذلك يحيى بن أبي كثير يقول لولده: «لا يستطاع العلم براحة الجسد». تريد راحة، نوم، دعاء، تريد ما شاء الله، هذا لا ينال صاحبه العلم. لا بد من أن يجاهد العبد نفسه، ويضحي بشيء مما ترغبه نفسه من أجل العلم، كما تقدم. وقال عبد الله بن المبارك: «قل لطالب العلم: يتخذ نعلين من حديد». نعلين من حديد، يمشي يتنقل من شيخ إلى شيخ. لأنه لو لبس نعلًا من جلد، جلد، أو من غيرها من هذه النعال التي نلبسها، ربما تتمزق هذه النعال. لأن طالب العلم في ذات الزمان كان ربما الواحد منهم يمشي المسافات الطوال، الشهر والشهرين، من أجل أن يصل إلى بلد ما ليطلب العلم من شيخها ومحدثها. فقال هذه المقولة: «قل لطالب العلم: يتخذ نعلين من حديد». أي: لا يفكر في الراحة، لا يفكر في الدعة، بل ينبغي عليه أن يصبر، وأن يجد، وأن يجتهد في طلب العلم. فأخذنا نصيحتين مما نصح بها شيخنا مقبل الوادعي -رحمه الله تعالى- طلبة العلم: الإخلاص لله، والصبر على تحصيل العلم ومذاكرته ورعايته وصيانته وتبليغه. بسم الله، أن ينفعني بذلك. الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله.