الدرس في رسالة زجر السفهاء 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع القاعدة الثانية في معاملة العلماء وهي احترامهم وتقديرهم، مستدلاً بحديث «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه» الذي يدل على عظم حق العالم. ويبين أن العالم إذا اجتمع فيه العلم وكبر السن فله حقان، وينقل عن طاوس بن كيسان أن من السنة توقير أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد.
يؤكد المقطع على وجوب توقير علماء أهل السنة المتميزين بالعقيدة الصحيحة والمنهج المستقيم، ويضرب المثل بابن عباس رضي الله عنهما وهو يأخذ بركاب زيد بن ثابت تقديراً لعلمه وسنه. كما يوضح أن خدمة العلماء والتواضع لهم من القربات، وأن السلف كانوا يعدون لقاء من هو أعلم منهم غنيمة.
يؤكد المقطع على وجوب استغلال فرصة لقاء العلماء والأخذ عنهم، وعدم الاستنكاف من التعلم ممن هم دون العالم أو أقرانه. مستشهداً بأقوال السلف كالألباني وأبي الدرداء وابن مسعود في التواضع والسعي للعلم.
يختتم المقطع بالتأكيد على الاكتفاء بما ورد وقول "والله تعالى أعلم". كما يُنسب النص إلى المترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: ففي الدرس الماضي أخذنا قاعدة من القواعد في معاملة العلماء، وهي موالاة العلماء ومحبتهم. قال صاحب هذه الرسالة: القاعدة الثانية: احترام العلماء وتقديرهم. في الحديث: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». رواه أحمد والترمذي، وله شواهد، وبها صححه العلامة الألباني رحمه الله. فهذا الحديث يبين فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم احترام العلماء، فأتى بهذا اللفظ: «ليس منا». وقد ذكر بعض أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، أن حد الكبيرة هو ما جاء فيه حد في الدنيا، أو توعد في الآخرة، أو لعن، أو «ليس منا»؛ مثل هذا الحديث. فـ «ليس منا» من الألفاظ التي تدل على دخول ما جاء بعدها في حد الكبيرة، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من غشنا فليس منا»، وقول النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث بهذا المعنى. فهذا اللفظ أمره ليس بالهين. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس منا» يدل على خطورة ما بعده. ثم بين النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث جملاً، منها: «من لم يرحم صغيرنا». الرحمة بالصغير، فمن لم يرحم الصغير فهذا ليس من طريق وهدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. «ويوقر كبيرنا»: توقير الكبير، أي كبير من المسلمين الواجب توقيره. «ويعرف لعالمنا حقه»: يعرف لعالمنا حقه، فالعالم له حق علينا، ومن حقه علينا احترامه وتقديره، وتنزيله المنزل التي أنزلها الله عز وجل. فكيف لو اجتمع في العالم العلم وكبر السن؟ فله حقان، فله علينا حقان: حق السن، وحق العلم. حق السن وحق العلم. فهذا حديث واضح في أنه يجب على المسلمين أن يحترموا علماءهم، وأن يقدروا علماءهم، وأن يجلوا علماءهم الإجلال الشرعي، الإجلال الشرعي بدون إفراط وبدون تفريط، بدون غلو وبدون جفاء. وسط: لا يرفعونهم منزلة هي فوق منزلتهم، ولا يضعونهم منزلة هي دون منزلتهم. وسط: العالم يعطى منزلته التي أعطاها الله إياه من الاحترام والتقدير والإجلال والإكرام، وغير تلك المعاني الفاضلة. قال طاوس بن كيسان - وطاوس بن كيسان هو من التابعين - قال رحمه الله: «من السنة أن يوقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد». رواه البغوي في شرح السنة، المجلد الثالث عشر، صفحة ثلاثة وأربعين. فقوله: «من السنة»، وهو تابعي، فهو يحكي سنة الصحابة، يحكي سنة الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فمن السنة، ومن الدين الذي ينبغي أن يتقرب به العبد إلى ربه، أن يوقر هؤلاء الأربعة. التوقير يعني الإجلال والاحترام: بعدم رفع صوت، وبعدم التقدم عليه، وبعدم مخالفة أمره إن لم يكن فيه معصية. كل ذلك من معاني التوقير والإجلال والاحترام. فهؤلاء الأربعة: العالم - انظر، ذكر العالم أول هؤلاء الأربعة، فحق العالم عظيم. وذو الشيبة: يعني كبير السن. فكيف لو اجتمع هذان الأمران؟ يكون الأمر أولى وأولى في الاهتمام وفي التوقير: من أجل العلم، ومن أجل السن. والسلطان: أي الوالي والحاكم، ينبغي أن يوقر وأن يحترم، وهذا من منهج أهل السنة، وإن ظلم، وإن جار، فظلمه على نفسه. تؤدي الحق الذي عليك، وتسأل الله الحق الذي لك. هذا الذي أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام. أما الخروج باللسان أو القول، أو السب: سب الحاكم، أو عدم احترامي وتقديري، فهذا ليس من منهج أهل السنة، هذا من منهج الخوارج، من منهج الخوارج. فمن السنة أيضاً توقير السلطان، الحاكم، الوالي. والوالد: الأب أيضاً له حق عليك بأن يوقر وأن يطاع الطاعة الشرعية. فهذا أيضاً فيه هذا المعنى: معنى احترام وتقدير العلماء. ونحن إذا قلنا العلماء، فالمراد بهم علماء السنة، علماء أهل السنة الذين عرفوا بالسنة وبالتمسك بها، وبالدعوة إليها، وبالعقيدة الصحيحة، وبالمنهج المستقيم، وبيان الحلم، وكذلك الحكمة، وتبصير الناس، ودعوة الناس إلى الحق. باختصار: العلماء هم الذين يوصي بهم العلماء، وكذلك يثني عليهم العلماء. فالعالم يعرف بثناء علماء عصره عليه، وبثناء علماء عصره عليه، وكذلك تزكية علماء عصره له. فهذا أيضاً من الأمور التي ينبغي الانتباه لها عند قولنا العلماء. المراد: علماء السنة، ليس علماء التحزب والبدع والأهواء. لا، علماء السنة: من عرفوا بين أهل السنة بأنهم علماء، بأنهم علماء، وأنهم كذلك من أكابر علماء السنة، ومن كذلك العلماء الذين يرجع إليهم، وكذلك يؤخذ العلم عنهم، يؤخذ العلم عنهم. فليعلم هذا. قال: وهذا ابن عباس رضي الله عنهما، مع جلالته، يأخذ بركاب زيد بن ثابت، ويقول: «هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا». رواه الحاكم وابن عبد البر في التمهيد. فانظروا إلى هذا الأثر: ابن عباس صحابي جليل من علماء الصحابة، وممن دعا له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». ومع هذا يأخذ بركاب ناقة عالم أكبر منه علماً وسناً، وهو زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه. يأخذ بركاب الناقة، يخطم الناقة ويمشي ابن عباس، وزيد بن ثابت على الناقة. انظروا إلى الاحترام، وإلى التقدير، وإلى الإجلال. فليس من المنقصة أو من العيب أن مثلاً توسع الطريق للعالم، أو تفتح باب السيارة للعالم. ده ليس منقصة، أو تسأل عما يحب العالم حتى تكرمه، وحتى كذلك تقدره، أو تقدره. ليس هذا فيه منقصة ولا عيب، بل هذا مما أمرنا به، كما قال ابن عباس: «هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا». يقود خطام ناقة هذا العالم. هذا هو التقدير، هذا هو الاحترام، وهذا هو الإجلال لأهل العلم، لأهل العلم. بل خدمة العلماء يعد من الأمور التي يتقرب بها العبد إلى ربه. خدمة العلماء والأفاضل: النبي صلى الله عليه وعلى الله عليه وسلم - كان من حديث مر معنا في الفقه وفي غيره - كان من الصحابة من يخدمه، من يخدمه: أنس بن مالك، وكذلك أبي هريرة، وغيرهم من الصحابة. ذاك يأتي بوضوئه، وذاك يهيئ له طهورة، وهكذا. فأخذ العلماء من هذا جواز ماذا؟ جواز خدمة العالم والفاضل من أهل العلم والصلاح والخير. فهذا مما كان عليه سلفنا الصالح. فهذه هي القاعدة الثانية التي ينبغي مراعاتها تجاه العلماء. قال: القاعدة الثالثة: الأخذ عن العلماء والسعي إليهم. فهذا أيضاً من حقنا على العلماء أن نناصرهم، ونكثر سوادهم، ونستفيد من علمهم، وذلك بالجلوس في دروسهم، وفي كذلك محاضراتهم وخطبهم، إلى غير ذلك. قال عبد الرحمن بن مهدي: «كان الرجل من أهل العلم إذا لقي من هو فوقه في العلم فهو يوم غنيمته، سأله وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه في العلم علمه وتواضع له، وإذا لقي من هو مثله في العلم ذاكره ودارسه». رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل. فهذا الأثر فيه كيف أن السلف كانوا يفرحون بلقاء العلماء، ويعتبرون ذلك اللقاء غنيمة، غنيمة اغتنمها. فكان الرجل من أهل العلم إذا لقي من هو فوقه، يعني عالماً أكثر منه علماً، فهو يوم غنيمته، سأله وتعلم منه. استغل هذا العالم، قد قد قد أحياناً تأتيك فرص تلتقي بعالم: شهر، شهرين، ثلاثة أشهر، سنة، أقل من ذلك، أكثر من ذلك. فينبغي أن تستغل هذه الفترة، وأن تستفيد من علم ذلك الشيخ، ومن هديه وسمته. فهكذا كان أهل العلم: إذا لقي أحدهم العالم فهو يوم غنيمته، سأله وتعلم منه. وإذا لقي من هو دونه في العلم، أقل منه في العلم، تواضع له، وذلك بتعليمه لهذا الطالب. وإذا لقي من هو دونه في العلم علمه وتواضع، وإذا لقي من هو مثله في العلم ذكره ودرسه. لقي أحد الأقران من هو معه في الطلب، تدارس معه العلم، تدارس معه العلم. وفي هذا أن طالب العلم لا يستنكف أن يستفيد ممن هو مثله، أو ممن هو دونه، أو ممن هو دونه. فرب فائدة لم تبلغك هي مع ذاك الطالب الذي هو أقل منك علماً، أو هو مثلك في العلم. وهذا وهذا واقع، وهذا واقع؛ لأن العلم لا يحيط به أحد، وفوق كل ذي علم عليم، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً. ما حوى العلم جميعاً أحد، لا ولو عاشوا ألف سنة. إنما العلم كبحر زاخر، فاتخذ من كل شيء أحسن. فرب فوائد عند من هو أقل منك علماً لا توجد عندك هذه الفوائد. فلا تستنكف أن تجلس عند من هو أقل منك علماً، فلعلك تستفيد، فلعلك تستفيد منه فائدة. لذلك يقول أحد السلف: «لا ينبل الرجل» يعني لا يكمل ويصل حتى يأخذ العلم ممن هو فوقه، وممن هو مثله، وممن هو دونه، وممن هو دونه. وكان الشيخ الألباني عليه رحمة الله يردد هذا الأثر كثيراً، وهذا من تواضعه. لما يجلس مجالس مع طلاب العلم لا يستنكف أن يسمع من أحد الطلاب، لا يستنكف، ويذكر هذا الأثر. إذا خجل أحد من الطلاب أن يلقي كلمة أو يأتي بفائدة، يشجعهم الشيخ بمثل هذا، وهو الشيخ الألباني، عالم عصره في علم الحديث، رحمه الله تعالى. ومع هذا لا يستنكف أن يسمع من طلابه. والشاهد من هذا قوله: «إذا لقي من هو فوقه في العلم فهو يوم غنيمته». فهذا فيه الاهتمام بأمر الأخذ العلم من العلماء والسعي إليهم، وكذلك الحرص على لقائهم. وقال: وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم». راه ابن عبد البر في الجامع. نعمة عظيمة أن يصاحب العبد عالماً أو طالب علم مستفيد، يستفيد من علمه، ومن هديه، ومن سمته، ومن أخلاقه. هذا غنيم عظيم، وأمر فيه صلاح لك: أن تدخل مع العلماء، وأن تخرج مع العلماء، وأن تمشي مع العلماء. فهذا فيه كيف أن السلف كانوا يحرصون على ملازمة العلماء، على ملازمة العلماء. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «لو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل، لركبت إليه». رواه البخاري في صحيحه. انظر ابن مسعود، وهو ابن مسعود، يتمنى لو أن أحداً أعلم منه، ويستطيع أن يصل إليه. تبلغه الإبل: أي هناك طريق للوصول إليه، ولو على الإبل، لذهب إليه واستفاد من علمه. وهو ابن عباس، وهو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، من أول من، أو من الأوائل ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو في مكة. فانظروا كيف حرص السلف على الاهتمام بأمر السعي إلى العلماء والأخذ عن العلماء. فهذا أيضاً من حق العلماء علينا: أن نستفيد من علمهم، وأن نسعى لأخذ العلم عنهم. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.