الدرس في رسالة زجر السفهاء 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر المقطع القاعدة الثامنة في معاملة العلماء وهي وجوب الرجوع إليهم والأخذ برأيهم عند اشتباه الأمور في الفتن، مستدلاً بآيات رد الأمر إلى الرسول وأولي الأمر وأهل الذكر، محذراً من العزوف عن أقوال أهل العلم في الفتن المعاصرة بدعوى اتباع الدليل دون أهل الاستنباط.
يؤكد المقطع أن الطائفة المنصورة هم أهل العلم وأهل الحديث ورثة الأنبياء، وأن الواجب على الحاكم والمحكومين الرجوع إلى العلماء الراسخين في الفتن، مشيراً إلى المنهج المتبع في هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.
يسرد المقطع مكانة علماء أهل السنة وكلمتهم المسموعة عند النوازل، مستشهداً بوصية الشيخ مقبل الوادعي باجتماع كبار العلماء، وقصة عمر بن الخطاب مع عبد الرحمن بن عوف الدالة على أن الأمور العظام تُرد إلى أهل الفقه لا إلى العامة.
يختم المقطع بالتأكيد على أن الأمور المهمة والنوازل يجب عرضها على أهل الحل والعقد والعلماء والفقهاء لاستنباط الأحكام الصحيحة، مختتماً بالتسليم لله بالعلم بالصواب.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فمن القواعد الأثرية في معاملة العلماء: القاعدة الثامنة، الرجوع إلى العلماء والصدور عن رأيهم، خصوصًا في الفتن. فعند الفتن تشتبه الأمور، وتزيغ الأفهام والعقول، فالواجب على الناس حينئذ الأخذ برأي العلماء والصدور عن قولهم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾، يعني: عامة الناس إذا نزلت فيهم فتنة أشاعوها وأذاعوها، وكل منهم تكلم فيها برأيه، فقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فأهل الاستنباط هم الذين يقدرون الأمور، وهم الذين يضبطون الأمور بما أعطاهم الله عز وجل من العلم ومن الفقه في دين الله سبحانه وتعالى. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وأهل الذكر هم العلماء؛ لأن الذكر متمثل في القرآن وفي السنة، لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فمن لم يعلم أمرًا ما، فالواجب عليه أن يسأل أهله، وأن يسأل العالمين به، وهم العلماء. وإن مما نعجب منه في هذه الأيام: عزوف كثير من الناس عن كلام أهل العلم، وعن حكم أهل العلم في كثير من الفتن. فلقد جاءت فتنة الشيوعية، فمن من الناس من سأل العلماء؟ وجاءت فتنة الأحزاب، سواء أكانت الأحزاب الكفرية، أو الأحزاب التي تسمى بالإسلامية، فأهل العلم كلامهم واضح بيّن في مثل هذه النوازل، هذه نوازل نزلت على الأمة. وهكذا جاءت العلمانية، وجاءت فتن الاختلاط، وفتن المستشرقين، وفتن كذلك الدشوش والتلفاز، وهكذا فتن كثيرة. فلو أن أهل الإسلام أرجعوا هذه الأمور إلى أهل العلم، واستمعوا لهم، وأخذوا بتوجيهاتهم، لما وقع أهل الإسلام في مثل هذه الفتن. وهكذا بين الفترة والأخرى تأتي فتن، سواء أكانت قواعد وأصول تُخالف أصول أهل السنة والجماعة في باب العقائد، أو في باب الدعوة والمنهاج، فيتصدى لها أهل العلم، فالواجب الرجوع إلى أهل العلم، وأخذ ما يشير به أهل العلم من علماء السنة، ومن الموثوق بعلمهم وبنصحهم لهذه الأمة. وأهل العلم هم يعلمون عظم المسؤولية التي ألقيت على كواهلهم، فهم - حفظهم الله تعالى - لا يسكتون عن باطل، ولا يخفون حقًا، فإذا سئلوا عن أمر ما، سرعان ما يبينون للأمة، ويوضحون لها وجه الحق ووجه الصواب في تلك المسألة المسؤول عنها. وهكذا نعجب من بعض الناس في هذه الأزمان، ممن يأتي بأمور غريبة عجيبة تخالف هذا الأصل، وهو أصل الرجوع إلى أهل العلم. فسمعنا في أيام قريبة عن أحدهم يقول: «لا تقول: أنا مع العلماء، أنا مع المشايخ، لا، قل: أنا مع الحق، وأنا مع السنة، وأنا مع الدليل». سبحان الله! ما هذا الانحراف، وما هذا التنكر لأمر معلوم، وهو أصل من أصول هذه الدعوة المباركة؟ من الذي يفهم الحق؟ ومن الذي يفهم السنة؟ ومن الذي يفهم الدليل؟ لو قلنا للناس كذلك، كل إنسان سيقول: «أنا عندي دليل، وأنا عندي حق، وأنا عندي سنة»، ويكتفي بقوله ذلك، ولا يلقي لهذه المسألة بالًا، وهي مسألة الرجوع إلى أهل العلم. قد سمعنا قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فمن الذي يعلم الدليل؟ ومن الذي يستنبط من الدليل؟ ومن الذي يفهم الدليل؟ ومن الذي يبين: أهذا الدليل في موضعه، أو ليس في موضعه؟ أليسوا العلماء؟ ألا فليتق الله من يأتي بمثل هذه الأمور التي تخالف هذا الأصل. وأين أنت من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»؟ فمن هم هذه الطائفة المنصورة؟ إنهم أهل العلم، كما ذكر ذلك الإمام البخاري في صحيحه، وفسر الطائفة هذه المنصورة الظاهرة بأهل العلم. وكذلك جاء عن عبد الله بن المبارك، وعن غيره من الأئمة، أن المراد بهذه الطائفة هم أهل الحديث، هم أهل الحديث. ولا منافاة، كما ذكر ذلك العلامة الألباني، بين تفسير بعض أهل العلم لهذه الطائفة بأهل الحديث، وبين تفسير بعضهم لهذه الطائفة بأهل العلم؛ فإن أهل العلم هم أهل الحديث، وأهل الحديث هم أهل العلم، ولا منافاة بين الأمرين. فإذا تبين ذلك، تبين لنا أن أهل الحق، والذين يعرفون الحق ويبينون الحق، هم أهل العلم، ليس لأي أحد ذلك. والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فأولو الألباب هم الذين يعلمون الحق، ويوقنون بالحق، ويبينون الحق. أما أن نقول للناس: «كونوا مع الحق، كونوا مع الدليل»، طيب: أين هذا الحق؟ وأين هذا الدليل؟ ومن يبين هذا الدليل؟ ومن يبين هذا الحق؟ لا سيما في الأمور المشتبهة، لا سيما في الأمور النازلة الغامضة، التي لا يفهمها ولا يفقهها ولا يعرف حقيقتها إلا أهل العلم الراسخون، أهل الاستنباط وأهل التدقيق. فعلم بهذا بطلان تلك القاعدة. فهذا أصل من أصول أهل السنة: أن عند الفتن، وعند الأمور المشتبهة، يرجعون فيها إلى أهل العلم، وإلى أهل الرسوخ والاستنباط. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما مات نبي خلفه نبي، ألا وإنه لا نبي بعدي». انظر يا أخي إلى هذا الحديث: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم»، أي: تدبر أمورهم وتوجههم الأنبياء، وتسيرهم في أمور دينهم ومعاشهم الأنبياء. كلما مات نبي خلفه آخر، وجاء نبي آخر يحل محله. ولكن هذه الأمة لا يوجد نبي بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، فمن الذي يخلف النبي؟ إنهم العلماء، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر». فينبغي أن تسوس هذه الأمة علماؤها، علماؤها. وينبغي للحاكم أن يجعل ثلة ومجموعة من خيار العلماء يرجع إليهم في حال الفتن، وفي حال النوازل، كما هو حال الدولة السعودية؛ فإن فيها تلك الهيئة الطيبة المباركة: هيئة كبار العلماء، فيها مجموعة من خيار العلماء، إذا نزلت نازلة توجه الحاكم والمحكومون إلى رأي وقول تلك الهيئة، وهذا أمر طيب. فينبغي أن يكون الحاكم يوجه بتوجيه الشرع، وذلك لا يكون إلا بالرجوع إلى العلماء، بالرجوع إلى العلماء، لا سيما في الأمور التي تتعلق بمصير الأمة، بمصير الأمة، من معاملة مع كفار، أو من مهادنة، أو من استيراد أشياء إلى دول الإسلام غريبة، سواء أكان في المناهج، أو كذلك في الأحكام، أو إلى غير ذلك. فلا بد أن يكون الأمر كذلك في الأمة: أن الأمة تسوسهم العلماء، أو يسوسها العلماء. وهكذا إذا كانت هناك أمور تتعلق بأمور الشرع، فيكون الرجوع إليهم أولى وأولى وأولى. وهكذا في بلدنا، وإن كان أهل السنة لا تكون لهم هذه المنزلة عند الحاكم، ولكن ولله الحمد فأهل السنة وعلماء ومشيخة السنة لهم كلمتهم بين الناس، والناس يتشوقون ويتشوفون لكلامهم في حال الفتن، وفي الملمات، يتطلعون إلى كلامهم، وإلى كذلك بيانهم في مثل هذه المسائل، وهذا الذي ينبغي، وهذا الذي ينبغي. ورحم الله شيخنا الوادعي، فإنه في وصيته قرر هذا الأمر لعلمه بهذا الأصل، فذكر رحمه الله أنه إذا نزلت نازلة بأهل السنة، أن يجتمع لها فلان وفلان وفلان من خيار علماء أهل السنة في هذا العصر في اليمن، فهكذا ينبغي أن يحقق هذا الأمر. وإن صار هناك خلاف بينهم، فهم ولله الحمد يرجعون إلى من هو أعلم منهم، وكذلك ربما يصبرون ويحلمون. فما علينا - بارك الله فيكم - إلا أن نسلك هذا المسلك، وأن نرجع إلى العلماء، سواء كان في هذه البلاد بلاد اليمن، أو في غيرها. إذا بث فيها أهل العلم قولهم، وبينوا فيها بياناتهم، فما ينبغي التردد، وما ينبغي كذلك عدم الأخذ بمثل هذا الأمر الذي بينه أولئك العلماء. فهذا أصل أصيل ينبغي المشي عليه. وهنا حديث في هذا المعنى، فيه بيان أن هذه الأمور النازلة ما ينبغي أن يتكلم فيها كل أحد من أفراد الأمة، ولو كان من رعاع هذه الأمة، أو كذلك من عوام هذه الأمة، بل الأمور النازلة ترجع إلى أهل العلم، وأهل كذلك التعقل، ووضع الأمور مواضعها. وهو حديث ابن عباس في البخاري، قال: «كنت أقرئ رجلًا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف». فبينما - أو كنت أقرئ رجالًا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف - قال: «فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن، فقال: رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان؟ يقول: لقد مات، يقول: لو قد مات عمر، وهو خليفة، هذا الرجل يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا»، يعني: حدد من سيكون الأمير بعد عمر، وأنه سيبايعه. قال: «فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة»، أي: فجأة، «فتمت». فغضب عمر، ثم قال: «إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس»، وهو بمنى في موسم الحج، قال: «إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم». قال عبد الرحمن: «فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، لا تحذر من هؤلاء في هذا الجمع، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وأوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها». وهذا هو حال الجهال والغوغاء: ما يضعون الأمور مواضعها. فقال له: «فأَمهِل». عبد الرحمن بن عوف يقول لعمر: «فأَمهِل، انتظر حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنًا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها». فقال عمر: «أما والله، إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة». انظروا يا أيها الناس، كيف أن هذا الأمر ما يكون بين جميع الناس، والكل يريد أن يعالجه؟ لا، علاج هذه الأمور يكون بين أهل الفقه وأهل العلم؛ لأنهم يفهمون، ويعون، ويضعون الأمور مواضعها. فهكذا هذا فيه دليل على أن الأمور الملمات، من نازلة، ينبغي أن تعرض على أهل الحل والعقد، على العلماء والفقهاء، الذين يستنبطون في مثل هذه المسائل، ويقولون فيها بالحق والصواب. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر