الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 16، الدرس السادس عشر:من( بلا كيف جل الواحد المتمدح ... وعامر فهر والزبير الممدح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع صفة نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير بلا كيف، مبيناً أن النزول لا يستلزم خلو العرش ولا يُقاس بصفات المخلوقين، مستدلاً بقاعدة الإمام مالك وقول شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام أحمد بأن الله مستوٍ على عرشه وينزل في آن واحد. ويرد على من قال بخلو العرش أو التوقف، موضحاً أن اختلاف الأقطار في أوقات النزول لا يعجز الله تعالى.
يبيّن المؤلف عقيدة أهل السنة في تفضيل الصحابة مقدماً أبا بكر وعمر كوزيرين للنبي ﷺ، ثم عثمان ثم علي، ويذكر العشرة المبشرين بالجنة مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث صحيحة تبرز فضائل أبي بكر الصديق خاصةً. ويؤكد أن هذا الترتيب مبني على النصوص الشرعية لا على الهوى.
يسرد المقطع أحاديث نبوية صريحة في فضل أبي بكر الصديق حيث سئل النبي ﷺ عن أحب الناس إليه فأجاب بأنه أحب الرجال إليه، مشيراً إلى جهوده في نصرة الإسلام وفتح البلاد. كما يروي ثناء النبي ﷺ على عمر الفاروق بقوله: "لو كان في أمتي محدثون ملهمون لكان عمر" داعياً له بالبركة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فكان آخر الكلام عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «وَقُلْ يَنْزِلُ الْجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِلا كَيْفٍ جَلَّ الْوَاحِدُ الْمُتَمَدِّحُ». وَقُلْنَا إِنَّ الْمُؤَلِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ ذَكَرَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا الْفِعْلِيَّةِ، وَهِيَ صِفَةُ النُّزُولِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ: «بِلا كَيْفٍ» لَيْسَ مُرَادُهُ نَفْيَ كَيْفِيَّةِ الصِّفَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْيَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ. فَجَعَلْنَا مَا مِنْ صِفَةٍ إِلَّا وَلَهَا كَيْفِيَّةٌ، وَجَعَلْنَا نَفْيَ الْعَدَمِ، فَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لِصِفَاتِهِ كَيْفِيَّاتٌ، لِصِفَاتِ رَبِّنَا جَلَّ وَعَلَا كَيْفِيَّاتٌ، وَلَكِنْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتُ نَحْنُ لَا نَعْلَمُهَا، لَا يَعْلَمُهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَصَّ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِهِ نَفْسَهُ. فَعِنْدَنَا عِلْمٌ بِأَنَّهُ يَنْزِلُ، وَلَكِنْ مَا عِنْدَنَا عِلْمٌ بِكَيْفِيَّةِ نُزُولِهِ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهِيَ قَاعِدَةٌ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ: «الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ» أَيْ عِنْدَنَا عِلْمٌ مِنْهُ وَبِهِ، وَمَعْلُومٌ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، «وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ» لَا عِنْدَنَا عِلْمٌ بِالْكَيْفِيَّةِ، «وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ». فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ هُنَا: «وَقُلْ يَنْزِلُ الْجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِلا كَيْفٍ» لَيْسَ مُرَادُهُ نَفْيَ كَيْفِيَّةِ الصِّفَةِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ نَفْيُ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ هَذِهِ الصِّفَةِ، نَفْيُ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ هَذِهِ الصِّفَةِ. وَذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ حَدِيثَ النُّزُولِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الَّذِينَ عَطَّلُوا مَعْنَى هَذِهِ الصِّفَةِ فِي نُزُولِ أَمْرِهِ، أَوْ نُزُولِ رَحْمَتِهِ، أَوْ نُزُولِ مَلَكٍ، وَبَيَّنَّا بُطْلَانَ ذَلِكَ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِلَى طَبَقِ الدُّنْيَا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ، فَتُفَرَّجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ، يَقُولُ: أَلَا مُسْتَغْفِرٌ، أَلَا مُسْتَغْفِرٌ، يُلْقَى غَافِرًا، وَمُسْتَمْنِحٌ خَيْرًا وَرِزْقًا فَيُمْنَحُوا، رَوَى ذَاكَ قَوْمٌ لَا يُرَدُّ حَدِيثُهُمْ، أَلَا خَابَ قَوْمٌ كَذَّبُوهُمْ وَقَبَّحُوا». وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الدُّرُوسِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ هُنَا بِذِكْرِ فَتْحِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ كَمَا عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فِي الْمُسْنَدِ، أَنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ حِينَ يَنْزِلُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مَقْصِدُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ ذِكْرِهِ هُنَا. «يَقُولُ: أَلَا مُسْتَغْفِرٌ يُلْقَى غَافِرًا» هَذَا لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «هَلْ مِنْ سَائِلٍ، هَلْ مِنْ دَاعٍ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ». نَعَمْ. بَقِيَ أَنْ نَضِيفَ إِلَى هَذَا الْمَبْحَثِ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِنُزُولِهِ جَلَّ وَعَلَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا: هَلْ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ جَلَّ وَعَلَا حِينَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا أَوْ لَا يَخْلُو؟ أَوَّلًا: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، عُلِّمُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ رَبَّنَا جَلَّ وَعَلَا يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخَرُ، وَلَمْ يَسْأَلُوا مِثْلَ هَذَا: هَلْ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ أَمْ لَا؟ وَلَكِنْ لَمَّا ظَهَرَ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ فَأَتَوْا بِلَوَازِمَ بَاطِلَةٍ، فَعَطَّلُوا رَبَّنَا جَلَّ وَعَلَا عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَقَالُوا: اللَّهُ لَا يَنْزِلُ. لِمَاذَا؟ قَالُوا: إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَنْزِلُ مَعْنَاهُ يَتَحَرَّكُ، تَثْبُتُ لَهُ الْحَرَكَةُ، وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ هَذِهِ اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ. وَأَيْضًا: يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ. فَأَتَوْا بِهَذِهِ اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ، وَلِذَلِكَ حَصَلَ الْخِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَيْ فِي مَسْأَلَةِ خُلُوِّ الْعَرْشِ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا حِينَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، هَلْ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ أَمْ لَا؟ فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِأَهْلِ السُّنَّةِ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ، بَلْ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ وَهُوَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَنُزُولُهُ لَا يُنَافِي اسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ، فَهُوَ فِي عُلُوِّهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَقَرِيبٌ مِنْ عِبَادِهِ فِي نُزُولِهِ. ذَلِكَ أَنَّ صِفَةَ الِاسْتِوَاءِ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَلَا زَالَ مُسْتَوِيًا جَلَّ وَعَلَا، فَإِذَا جَاءَنَا مِنْ خَبَرِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ صَارَ غَيْرَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَإِنَّمَا نُثْبِتُ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الْعَرْشِ وَنُزُولَهُ جَلَّ وَعَلَا. وَهَذِهِ اللَّوَازِمُ إِنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ الْعَاجِزِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ، أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى فِي مَكَانٍ وَفِي مَكَانٍ آخَرَ، هَذَا لَازِمُ الْمَخْلُوقِ الضَّعِيفِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذَا، إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي السُّوقِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَكُونَ فِي الشَّارِعِ، هَذِهِ لَوَازِمُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ الضَّعِيفِ، لَا نَجْعَلُ هَذِهِ اللَّوَازِمَ الْبَاطِلَةَ فِي حَقِّ الْخَالِقِ الَّذِي هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فَلَا نَقُولُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ يَنْزِلُ لِلسَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَاحِدٌ مِنْهُمَا، بَلْ نَقُولُ: لَا، هَذَا لَازِمٌ بَاطِلٌ، اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَمُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَهُوَ جَلَّ وَعَلَا كَذَلِكَ يَنْزِلُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، هُوَ الْأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَالظَّاهِرُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وَالْبَاطِنُ الَّذِي لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَهُ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، فَلَا نَجْعَلُ اللَّوَازِمَ الَّتِي هِيَ لِلْمَخْلُوقِ لِلْخَالِقِ. فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ رَسُولَانُ تَيْمِيَّةُ رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ -: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ وَيَنْزِلُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ إِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ حِينَ يَنْزِلُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ابْنُ مَنْدَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: التَّوَقُّفُ، قَالُوا: لَا نَقُولُ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ، وَلَا نَقُولُ لَا يَخْلُو، وَإِنَّمَا نَسْكُتُ، كَأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَأَيُّ لَازِمٍ بَاطِلٍ مَرْدُودٌ. فَاللَّازِمُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ وَقَوْلِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنْ كَانَ حَقًّا قُبِلَ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا رُدَّ. وَمِثْلُ هَذَا اللَّازِمِ بَاطِلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ: إِذَا كَانَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَلَازِمُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ، نَقُولُ: لَا، هَذَا لَازِمٌ بَاطِلٌ، هَذَا لَازِمٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ، فَلَا نَقْبَلُهُ. فَلِذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَنْدَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ، أُنْكِرَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ، وَهُوَ أَنَّ الْعَرْشَ يَخْلُو مِنْهُ حِينَ يَنْزِلُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، هَذَا قَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. نَعَمْ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: السُّكُوتُ، وَرَجَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ السُّكُوتَ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَمَا سَمِعْتُمْ. وَأَيْضًا فِي هَذَا الْمَبْحَثِ تَكَلَّمَ نَاسٌ وَقَالُوا: اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخَرُ، وَالْبِلَادُ تَخْتَلِفُ، الْبُلْدَانُ تَخْتَلِفُ، فَمَثَلًا ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخَرُ فِي الْيَمَنِ يَخْتَلِفُ عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخَرِ فِي بِلَادٍ أُخْرَى، وَثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخَرُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ الْأُخْرَى يَخْتَلِفُ عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخَرِ فِي الْبِلَادِ الْأُخْرَى. فَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا كَمَا جَاءَ بِالشَّيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَنْزِلُ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخَرُ، كُلُّ بِلَادٍ حَسْبَ ثُلُثِ لَيْلِهَا الْآخَرِ، حَسْبَ ثُلُثِ لَيْلِهَا الْآخَرِ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَنَحْوَ هَذَا أَجَابَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ عِنْدَنَا يَكُونُ انْتَهَى عِنْدَنَا ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخَرُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي الْبِلَادِ الْأُخْرَى ابْتَدَأَ عِنْدَهُمْ هَذَا الثُّلُثُ، وَهَكَذَا. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، وَلَا نَسْتَبْعِدُ شَيْئًا فِي حَقِّ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَهُوَ الْخَالِقُ وَهُوَ الْقَادِرُ، وَالْمَخْلُوقُ ضَعِيفٌ عَاجِزٌ، فَمَا أَوْقَعَ النَّاسَ فِي تَعْطِيلِ صِفَاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا إِلَّا بِسَبَبِ اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي قَاسُوا بِهَا الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الْمَبَاحِثِ بِهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ، ذَكَرَ صِفَةَ النُّزُولِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَقُلْ إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَزِيرَاهُ قَدِمًا، ثُمَّ عُثْمَانُ الْأَرْجَحُ، وَرَابِعُهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بَعْدَهُمْ عَلِيٌّ حَلِيفُ الْخَيْرِ بِالْخَيْرِ مُنْجَحُ، وَإِنَّهُمْ لِلرَّهْطِ لَا رَيْبَ فِيهِمْ عَلَى نِجَابِ الْفِرْدَوْسِ بِالنُّورِ تَسْرَحُ، سَعِيدٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ وَعَامِرٌ فِهْرٌ وَالزُّبَيْرُ الْمُمَدَّحُ، وَقُلْ خَيْرَ قَوْلٍ فِي الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ، وَلَا تَكُ طَعَّانًا تَعِيبُ وَتَجْرَحُ، فَقَدْ نَطَقَ الْوَحْيُ الْمُبِينُ بِفَضْلِهِمْ، وَفِي الْفَتْحِ آيٌ فِي الصَّحَابَةِ تَمْدَحُ». ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ، وَفِيهَا ذِكْرٌ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِعَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَقُلْ» أَيْ: قُلْ بِلِسَانِكَ وَاعْتِقَادًا بِقَلْبِكَ. «وَقُلْ» أَيْ: يَا أَيُّهَا السَّائِرُ عَلَى مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَيَا مَنْ تُرِيدُ الْحَقَّ وَالسَّيْرَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ: «قُلْ إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ» أَيْ: بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «وَزِيرَاهُ قَدِمًا» الْمُرَادُ بِوَزِيرَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا. وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَا أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَالُ، وَمِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». هَذَا لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ الْقُلُوبِ فَاصْطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَنَظَرَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ فَجَعَلَهُمْ وَزَرَاءَ نَبِيِّهِ. وَجَاءَ فِي قَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ لَمَّا جَاءَتْهُ الرَّافِضَةُ وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «هُمَا وَزِيرَا جَدِّي، هُمَا وَزِيرَا جَدِّي». قَالُوا: إِذًا نَرْفُضُكَ. قَالَ: «أَنْتُمْ رَافِضَةٌ». سُمُّوا رَافِضَةَ لِرَفْضِهِمْ زَيْدًا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. فَهَنَا الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: «وَزِيرَاهُ» أَيْ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، «قَدِمًا» يَعْنِي: لِقَدَمِ صُحْبَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَصُحْبَةُ أَبِي بَكْرٍ وَصُحْبَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَدِيمَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِأَنَّهُمْ مِنَ السَّابِقِينَ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَهُمُ الْقَدَمُ فِي صُحْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِمْ. قَالَ: «ثُمَّ عُثْمَانُ الْأَرْجَحُ» يَعْنِي: بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَثَبَتَتِ الْفَضَائِلُ الْكَثِيرَةُ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هُوَ رَفِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَارِ، قَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَمَّا جَاءَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى بَابِ الْغَارِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ إِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ لَرَآنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا». فَأَبُو بَكْرٍ كَانَ رَفِيقَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْغَارِ، قَالَ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّحِيحِ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ». وَهُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَهَكَذَا مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا مُتَّ فَمَنْ آتِي؟ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ائْتِي أَبَا بَكْرٍ، ائْتِي أَبَا بَكْرٍ». وَهَكَذَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ». وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ حُبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ: «وَمِنَ الرِّجَالِ؟» قَالَ: «أَبُوهَا» أَيْ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَهُ جُهُودٌ عَظِيمَةٌ فِي نَصْرَةِ الْإِسْلَامِ، فَحَارَبَ الْمُرْتَدِّينَ، وَفَتَحَ كَذَلِكَ بِلَادًا، وَدَخَلَتْ فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْفَضَائِلُ الْكَثِيرَةُ لِأَبِي بَكْرٍ. وَهَكَذَا عُمَرُ الْفَارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَوْ كَانَ فِي أُمَّتِي مُحَدَّثُونَ مُلْهَمُونَ لَكَانَ عُمَرُ، لَكَانَ عُمَرُ». قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِهْنَأْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَاللَّهِ مَا رَآكَ الشَّيْطَانُ سَال