رمضان مدرسة للأخلاق 8

الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل القناعة وحقيقتها في غنى النفس

يبيّن المقطع أن القناعة خلق فاضل أمر به الشرع وحقيقتها الرضا بقسمة الله والاكتفاء بالحلال. ويستدل بأحاديث نبوية أن الغنى الحقيقي غنى النفس لا كثرة المال، ومن قنع بما آتاه الله فقد أفلح.

القناعة في الدنيا والطموح في الدين

يوضح هدي النبي ﷺ في القناعة بالدنيا بالنظر إلى من هو أقل، والسعي في الدين بالنظر إلى من هو أعلى. ويضرب أمثلة من زهده وزهد الصحابة رضي الله عنهم مبيناً أن القناعة تجلب الحياة السهلة الميسرة.

القناعة رأس الغنى وعلاج الشكوى

يتحدث عن فقدان الناس للقناعة اليوم وكثرة شكواهم، مبيناً أن الشكوى دليل عدم الرضا بينما القناعة تورث الغنى الحقيقي. ويستشهد بكلام الإمام الشافعي داعياً للأخذ بالأسباب الشرعية بدلاً من التذمر.

دعاء القناعة ورزق القوت

يختتم الداعي بالسؤال الله تعالى أن يرزقه القناعة وأن يجعل رزقه قوتا كافيا. ويختم المحاضرة بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فمن الأخلاق الفاضلة، والصفات المستحبة التي أمر الشرع بالاتصاف بها، وأثنى على المتخلقين بها: خلق القناعة. فالقناعة من الأخلاق الفاضلة، ومن الصفات المستحبة التي أمر بها الشرع. والقناعة عُرفت بتعريفات، خلاصتها: الرضا بما قسم الله جل وعلا، والآخذ بما تيسّر من العيش على ما يوافق الشرع. هذا هو خلاصة تعريف القناعة: رضا بما قسم الله عز وجل، واكتفاء بما تيسّر من العيش من غير حثٍّ وحرص على زيادة في ذلك، بما يوافق الشرع. وما جاء في نصوص الشرع في الأمر بهذا الخلق وهذه الصفة: ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس». ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس. وغنى النفس هو القناعة. الإنسان إذا كان غني النفس كانت عنده قناعة، فهذا هو الغنى الحقيقي. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: وانظروا في الواقع، في واقع الناس: كم من الناس من عنده ملايين أو عنده مليارات، ولكنه ليس بغني النفس، نفسه غير قنوعة، فتجده كالفقير، بل ربما الفقير أفضل منه. لماذا؟ لأنه لم يتحصل على غنى النفس، يشكو دائماً، وهكذا، ربما لا يظهر عليه أثر الغنى وغير ذلك. لماذا؟ للبخل، ولعدم تحصيله غنى النفس والقناعة. آخر رجل قنوع لما أعطاه الله عز وجل من مال، ومن مسكن، ومن ملبس، عنده قناعة، فتجده حقاً غنياً بماذا؟ لأنه تحصل على غنى النفس، وكانت عنده قناعة. ولو كان الذي معه شيء قليل ليس بالكثير، ولكن لغنى نفسه صار غنياً حقاً. وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه». «قد» هنا للتحقيق، هذه الأمور متحققة في حق من توفرت فيه. «قد أفلح»: أي تحصل على الفلاح حتماً. «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه»: قنّعه الله، جعل عنده قناعة بما أعطاه سبحانه وتعالى، عنده قناعة، فهذا من الفالحين الذين أفلحوا في الدنيا، وسيفلحون في الآخرة. وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر، في تلك الوصية العظيمة التي أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في البخاري: قال عبد الله بن عمر: أخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام بمنكبي، وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وكان ابن عمر يزيد: «فإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لمرضك». فالنبي عليه الصلاة والسلام يوصي ابن عمر، وهي وصية عامة لجميع الأمة، لأن تكون في هذه الدنيا ك الغريب أو عابر السبيل. الغريب يرضى بما أُعطي، عنده قناعة، وعابر السبيل كذلك، رجل قنوع. غريب أو عابر سبيل، عندهم قناعة بما أُعطوا. بهذا يوصي النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ربه عز وجل بطلب القناعة، تحصيل القناعة، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم ارزق آل محمد قُوتاً». اللهم ارزق آل محمد قُوتاً. القوت هو الذي ما يكفي البدن، ويكون معه الكفاف وعدم الحاجة. قناعة. كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يطلب زيادة على القناعة، وعلى الكفاف، وعلى القوت الذي يقتات به. وأوصل النبي عليه الصلاة والسلام بالنظر إلى من هو أسفل منا في أمر الدنيا: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ». الإنسان في الدنيا إذا نظر إلى من هو أسفل منه يقنع، تكون عنده قناعة، ويعرف نعمة الله جل وعلا عليه. لكن بخلاف إذا كان ينظر إلى الأعلى، إلى من هو أعلى منه في أمر الدنيا، فهل تكون عنده قناعة؟ لا، ما تكون عنده قناعة. لذلك أوصل النبي عليه الصلاة والسلام بالنظر إلى من هو أسفل منك: عندك بيت، غيرك لا يجد بيتاً؛ عندك سيارة، غيرك لا يجد، ولا أقل من ذلك؛ عندك كذا وكذا وكذا، غيرك ليس عنده شيء. أما أن تنظر إلى صاحب البيتين، فتقول: غيري عنده بيتان، وعندي بيت؛ غيري عنده سيارتان، وما أنا إلا ما معي إلا سيارة واحدة... وهكذا هنا ما تتحصل على القناعة. لكن انظر إلى من هو أسفل منك في أمر الدنيا، وانظر إلى من هو أعلى منك في أمر الدين، حتى لا تقنع بما أنت عليه في أمر الدين، لا تقنع بالحال الذي أنت عليه، والحال الذي وصلت إليه. لا، لا تقنع بهذا، احرص على حال أفضل وأعظم من الحال الذي أنت عليه. إذا كانت عندك طاعات، لا تقول: أنا أفضل من غيري، فلان يصلي ويخلي، أنا الحمد لله صلاة صلاة كلها أصليها، أو تنظر إلى من لا يصلي الجماعة، وتقول: أنا أفضل من فلان، أصلي الجماعة، فلان لا يصلي، وأنا تصدقت بكذا من المال، وغيري لم يتصدق بشيء... وهكذا. لا. في أمر الدين: النظر إلى من هو أعلى، أي أن الإنسان لا يقنع بالحال الذي هو عليه. لكن في أمر الدنيا: يقنع، في أمر الدنيا يقنع بالحال الذي هو عليه، والذي يسره الله سبحانه وتعالى له، من غير تنطع ولا تكلف، ولا فعل أمور لا توافق الشرع، الحال المكتوب والذي يسره الله. وأما في حال... في أمر الدين: فلا تقنع يا عبد الله بالحال الذي أنت عليه، لا تقنع بالحال الذي عليه، تقول: يكفيني هذا، لا، وأنا خلاص يكفيني... لا، لا تقنع بالحال في أمر الدنيا... لا، في أمر الدين. وإنما احرص على الأفضل، وعلى الازدياد، وعلى تحصيل حال أفضل من الحال الذي أنت عليه، وتسابق، وتسارع، وتنافس غيرك في أمر الطاعات. فهكذا ينبغي على المسلم أن يكون عنده قناعة. النبي عليه الصلاة والسلام ضرب أروع الأمثلة في القناعة. ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من زهد في الدنيا، وأحاديث ذلك كثيرة، إنما يدل هذا على قناعته عليه الصلاة والسلام، يدل على قناعته. النبي عليه الصلاة والسلام: تمر عليه ثلاثة أهلة ولا توقد في بيته نار. عليه الصلاة والسلام ما أكل خبزاً مرققاً، كان ينام على الحصير، فراشه كان حشواً من ليف. يأتيه الضيف فيبعث إلى أزواجه فلا يجدون عندهم إلا الماء. كثير الأحاديث في زهده عليه الصلاة والسلام في هذه الدنيا، وهذا يدل على شيء، إنما يدل على قناعته عليه الصلاة والسلام. وهذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والتابعون لهم بإحسان، كانوا على قناعة، ولذلك كانت حياتهم حياة سهلة، ليس بها شيء من تعقيدات الحاصلة اليوم في حياة الناس. حياة سهلة، بسيطة، ميسرة، لا تعقيد معها. لماذا؟ ما الذي جعلهم يتحصلون على هذه الحياة السهلة؟ وجود القناعة عندهم. ناس عندهم قناعة، قلوبهم غنية بالقناعة. أما اليوم فقلوب الناس، عافانا الله، إلا من رحم الله، لم توجد فيها القناعة، وإنما صارت هلِعة القلوب بأمر الدنيا، صارت تنافس في أمر الدنيا، ولا تكاد تجد إنساناً قانعاً. قليل هذا ليقول: الحمد لله على الحال الذي نعى عليه، الحمد لله على كل حال. قليل من يقول مثل هذا الكلام. أكثر الناس على شكاوى، وهذا التشكي يدل على عدم قناعة أصلاً. الإنسان حين يتشكي دائماً: قد كذا وكذا وكذا وكذا، دائماً يشكو، يدل هذا على ماذا؟ يدل على عدم قناعة أصلاً. لكن لو كانت عنده القناعة، لا يكثر من هذا، أو صابر محتسب لأمر الله، عازم وآخذ بالأسباب الشرعية. سمعنا أنه مفرط، ما يحسن من حاله، ولا يصحح الأخطاء والأوضاع، لا يعالجها ويصححها لكن بالأسباب الشرعية، من غير تضجر، ومن غير كثرة شكاوى على لسانه. هو يعمل بخلاف ذلك. ذلك ما عنده إلا اللسان. كثير من الناس اليوم من الذين يشكون، يعني مثلاً: رفع الأسعار، أو كذا، أو كذا في الأمور المعيشية. ماذا فعل هؤلاء؟ ماذا قدموا من حلول لمعالجة هذه الأمور؟ ما يجدون عندهم حلولاً، ما يجدون عندهم مساهمة في الحلول، ما عندهم إلا اللسان: جلوس الطرقات، وكتابة في الإذاعات، وفي الجرائد، وفي هكذا هذه الأجهزة الهدامة: إعلام، ونشرات، وكذا وكذا كلام. لكن هل من حلول شرعية أذن بها الشرع لمعالجة هذه القضايا؟ ما يجدون عندهم غيرهم يعرف هذه الأمور، ولا يتشكوا، ولا يكثر الكلام في الشكاوى، والحمد لله. لكن مع هذا هو أخذ بالأسباب، ويعالج، يرشد الناس إلى التصحيح الصحيح لحل هذه القضايا، ولمعالجة هذه الأمور بما يوافق الشرع، بما جاء في كتاب الله، وما جاء في سنة رسول الله، في خطبه، في محاضراته، في دروسه: محذر من الإسراف والتبذير، سبب من الأسباب يعني حصول مثل هذه المشاكل. مثلاً: التلاعبات، مثلاً: عدم الأمانة في العمل، الخيانة الحاصلة في أوساط الناس، انتشار القات مما أدى إلى حصول خروقات في مجتمعات أهل الإسلام، كذا وكذا وكذا. لكن ذلك الذي دائماً يتكلم ويشكو ويشكو ويشكو: ماذا فعل؟ وماذا نصح؟ بل هو نفسه ربما أعظم سبب وأعظم مشارك لحصول ما هو حاصل المسلمون فيه في مجتمعاتهم. فالأمر ليس بالتشكي، ومن كان أكثر من الناس شكاية كان أبعد من الناس غيرة. لا، الأمر: أين المعالجة؟ أين التصحيح؟ فلذلك علينا بالقناعة. أجدادنا، سلم، تيسرت حياتهم وتيسرت، يعني ليس يعيبهم فيها التوسع، لا، وإنما كانت بسيطة، سهلة، ميسرة، لا تعقيد فيها. لي القناعة. وقد كثرت الأقوال في الثناء على القناعة، فمن ذلك ما يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: رأيت القناعة رأس الغنى فصرت بأذيالها متمسك لا دارني على بابه ولا دارني به منهمك فصرت غنياً بلا درهم فصرت غنياً بلا درهم أمر على الناس شبه الملك يعني أن أسير بين الناس مثل الملك. لماذا؟ لأننا عرفنا القناعة، علم أنها رأس الغنى، فتمسك بأذيالها، فلا حَرَص يرى على ذاتي، ولا حَرَص يرى بي مُنْهَمِك، فصرت غنياً بلا درهم، أمشي بين الناس شبه الملك. وقال رحمه الله: ورزقك لا ينقصه التأني وليس يزيد في الرزق العناء ولا ترجو سماحة من بخيل فما في النار للظمآن ماء إذا كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواء إذا كنت ذا قلب قنوع، عند القناعة قال: فأنت ومالك الدنيا سواء. لا فرق بينك وبين من ملك الدنيا. أنت ومالك الدنيا، الذي ملك الدنيا سواء. ماذا معك أنت؟ هذا مالك، ملك الدنيا، وأنت ماذا ملكت؟ ملكت القناعة. وصدق من قال: القناعة كنز لا يفنى. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا القناعة. اللهم ارزقنا القناعة يا رب العالمين. اللهم اجعل رزقنا قُوتاً يا رب العالمين. اللهم مرفقنا لكل خير، والحمد لله رب العالمين.