الدرس في رمضان مدرسة للأخلاق 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المحور أن كتمان السر خلق فاضل أمر به الشرع لحفظ الثقة والحقوق ومنع المفاسد، مستعرضاً صعوبة ذلك على النفس وآيات سورة التحريم وأحاديث الأمانات التي تؤكد وجوب حفظ السر حتى لو خانه صاحبه.
يستعرض المحور الأحاديث النبوية المحثّة على كتمان الحوائج والمتوعدة لمن يفشي سر زوجته، ويضرب أمثلة عملية من سيرة الصحابة كأبي بكر وعثمان وفاطمة رضي الله عنهم في حفظ سر النبي صلى الله عليه وسلم.
يوضح المحور أن كتمان السر ليس مطلقاً، بل يحرم كتمان ما فيه ضرر على الناس كقتل النفس بغير حق، أو الزنا، أو السرقة، أو كتمان الشهادة، مستدلاً بالآيات والأحاديث التي توجب إفشاء هذه الأسرار لحفظ الحقوق.
يفصل المحور الفرق بين الأسرار التي تُذم وتلك التي تُحمد، مؤكداً أن الأصل حفظ الأسرار التي تعود بالنفع ولا تضر، ويختتم بالدعاء بأن يجعل الله المسلم من حفظة الأسرار والمؤدين للأمانات.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فمن الأخلاق الفاضلة السامية التي أمر الشرع بالتخلق بها، وهي من المنازل والصفات المستحبة، خلق كتمان السر. فكتمان السر من الأخلاق الفاضلة والصفات المستحبة التي أمرنا شرعنا بالتخلق بها. وكتمان السر هو ستر حديث الناس في النفس، أن يسر الإنسان الحديث في نفسه ولا يفشي هذا الحديث الذي أسره به له أخوه، وأمره أن يحفظه. فإذا قام الناس بهذا الخلق حفظوا الأسرار، ولم يفشوا الأسرار، انتشرت المروءات بين الناس، وحفظت الحقوق، وكفوا عن أعراض الناس، ووجدت الثقة بين الناس. أما إذا كان الحال أن هذا يفشي سر هذا، والآخر يفشي سر الآخر، فالثقة تنتزع وتضعف في نفوس الناس؛ لأن الناس يعلمون أن هناك من لا يحفظ هذه الأسرار، فإلى من يسرون بهذه الأسرار؟ فإذا كان الناس لا يحفظون هذه الأسرار، ووضع الناس في عيوب الناس، وتنتهك المحارم، مفاسد كثيرة تترتب مفاسد كثيرة تترتب إذا لم يحافظ الناس على كتم هذه الأسرار. ولا شك أن كتم الأسرار ليس بالأمر الهين، وليس بالأمر السهل، بل هو من الأمور الصعبة على النفس. النفس لا تحب أن تكتم الأسرار، وإنما تريد أن تفشي ولا تستر سراً، هكذا النفس، العياذ بالله، لأنها أمارة بالسوء كما وصفها ربي عز وجل. لكن الإنسان يجاهد نفسه، فيوفقه الله سبحانه وتعالى. ولذلك قيل: «الصبر على القبض على الجمر أيسر من الصبر على كتم السر». الصبر على قبض الجمر أيسر من الصبر على كتم السر. لماذا؟ لأن كتم السر ليس بالأمر الهين، صعب وشاق على النفس. وقد صدق من قال لصديقه حين جاء إليه ويريد منه أن يحفظ له سراً، قال له: «إني أريد أن أفشي إليك سراً فتحفظه علي». قال: «لا أريد». قال له صديقه: «لا أريد أن أوذي قلبي بنجواك، ولا أجعل صدري خزانة شكواك، فيقلقني ما أغلقك، ويؤرقني ما أرقك، تبيت بإفشائه مستريحاً، ويبيت قلبي بسره جريحاً». أنت ستفشي هذا السر، ستفشيه لي، وترتاح. لكن أنا سيبيت قلبي بهذا السر جريحاً. لماذا بسره جريح؟ لأنه سر، والنفس تنازعه أن يتكلم به، وتريد منه أن يخرج هذا السر. «فلا تؤذ قلبي بنجواك، ولا تجعل صدري خزانة شكواك، يقلقني ما يقلقك، ويؤرقني ما أرقك، تبيت أنت بإفشائه مستريحاً، ويبيت قلبي بسره جريحاً». وهذا يدل على صعوبة هذا الأمر على النفوس. لكن كما تقدم، من جاهد نفسه وفقه الله سبحانه وتعالى. الناس إذا حافظوا على كتم الأسرار تترتب عليها مصالح كثيرة، كما تقدم. ولذلك نرى الشرع قد حث على التخلق بهذا الخلق، وجعله من الصفات المستحبة، وأثنى عليه، وأثنى على المتخلقين بها. فالله عز وجل في كتابه الكريم عاتب بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما وقع منهن ما يخالف هذا. قال الله عز وجل في كتابه الكريم، كما في سورة التحريم: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾. الله عز وجل في هذه الآية عاتب بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي سلم كما هو في الآية أسر بعض الحديث، فلم تكتم ذلك الحديث، فعاتب الله عز وجل. وهذا يدلنا على النهي عن إفشاء الأسرار، والأمر لكتمان الأسرار. وكتمان السر أمانة أصلاً. الإنسان إذا استودعك سراً فهذه أمانة جعلها عندك، والله جل وعلا قد أمر بأداء الأمانات وعدم الخيانة فيها، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾. تؤدي الأمانة إلى أهلها، أهل هذه الأمانة هم الذين استودعوا عندك هذه الأسرار، طلب منك حفظها، فعليك أن تؤدي هذه الأمانة إلى أهلها بحفظ هذه الأسرار، بعدم إفشائها. وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وأثنى الله عز وجل على الموفين بعهدهم بأماناتهم ومراعاتهم لهذه الأمانات، قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. ومن هذه الأمانات الأسرار، الأسرار فهي من الأمانات التي يجب أن تؤدى إلى أصحابها. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، هذا الذي ائتمنك في هذا السر، عليك أن تؤدي هذه الأمانة له. ولو فشى بسرك هو، بعض الناس ربما يفشي بسر أخيه، والدافع له أن أخاه قد أفشى بسره، فيقول: «ما دمت قد أفشيت بسري، فالآن سأفشي بسره». لا، «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». خانك هو في هذه الأمانة، فأفشى، أفشى بسرّك. فأنت ماذا؟ لا تسقط في الحفرة مثله، لا تسقط في الحفرة مثله، ولا تفعل سيئة مثله، وإنما عليك أن تحافظ على أدائك لهذه الأمانة. ولا حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام كذلك في الأمر بهذا كثيراً. فقد جاء النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر بن عبد الله، والحديث عند الطبراني، والشيخ الألباني رحمه الله يحسن هذا الحديث، يحسن هذا الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «استعينوا على أداء الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود». استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود. وجاء النبي عليه الصلاة والسلام كذلك في حديث جابر، وهو عند بعض أهل السنن، صححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا حدثك الرجل ثم التفت فهي أمانة». إذا حدثك الرجل ثم التفت فهي أمانة. ومعنى الحديث: أن الرجل إذا جاء إليك وحدثك بحديث، ورأيت منه أنه هكذا يفعل، هذا يدل على ماذا؟ يدل على أنه يريد منك أن تحفظ هذا الحديث وهذا السر. هو ما قال لك بكلامه، لكن قال ذلك لك بحاله. لأن طلب استدعاء السر وحفظ السر قد يكون بالمقال، قد يكون بالحال. بالحال مثل هذا: أن يكلمك، وأن تلتفت، يكلمك، يفعل هكذا. لماذا؟ يعني خصك، ما يريد أحد أن يسمع. لو كان يريد الناس يسمعون لرفع الصوت، لكن خصك، يدل على أنه يريد منك أن تحفظ هذا السر. وبالمقال واضح أن يقول لك: «احفظ هذا السر، لا تتكلم به، ولا تقل لأحد بهذا». فالنبي يقول: «إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة». ومن ذلك ما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عند الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن من شر الناس منزلة يوم القيامة عند الله الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه فينشر سرها». فينشر سرها. هذا الحديث بيّن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أن من شرار الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل الذي يفضي إلى امرأته أي حديث، وتفضي إليه حديثاً، ثم ينشر سرها. هذه من الأسرار، وهذا يحصل عند طائفة من الناس، وربما كثير من الناس. مثلاً الذين يتزوجون، تجده دخل على زوجته ليلة البارحة، فهو الصباح في المجمع أو كذا، أو في الشارع: «ها لاذا سويت؟ قالوا: الله فعلت، فعلت، فعلت، طلعت ونزلت، طلعت ونزلت، خرجت ودخلت». هذه أسرار، أفضت إليه بأشياء، وأفضى إليها بأشياء. ومن ذلك ما يتعلق بأمور الجماع إلى آخر ذلك. هذه أمور، النبي سلم يقول في حقهم: «هم من شرار الناس منزلة عند الله يوم القيامة». لا ينبغي لأحد أن يفشي مثل هذه الأمور، الأمور فهذه من الأسرار بين الرجل وزوجته، لا تفضي المرأة بذلك، ولا يفضي الرجل بحديث زوجته. ونذكر نماذج تدلنا على اهتمام السلف الصالح بهذا الخلق، التخلق به، من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ونقتصر على ذلك، وإلا لو تتبع المتتبع أحوال من جاء بعدهم أو غيرهم من الصحابة، لوجد الشيء الكثير من ذلك. ما جاء في حفظ عثمان رضي الله تعالى عنه، وكذلك أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، سر رسول الله عليه الصلاة والسلام. جاء في الصحيحين أن عمر رضي الله تعالى عنه لما تأيمت حفصة ابنته، رضي الله تعالى عنها، تأيمت، ما تزوجها، فعرض عمر رضي الله تعالى عنه ابنته على عثمان، فقال عثمان: «سأنظر في أمري». جاءه بعد ذلك فقال عثمان: «أرى أن لا أتزوج الآن». أرى أن لا أتزوج الآن. فجاء عمر إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه وعرض عليه حفصة، فسكت أبو بكر رضي الله تعالى عنه، حتى قال عمر: «وكان أشد عليه من عثمان»، يعني بسكوته، عن عثمان تكلم، أما أبو بكر رضي الله تعالى عنه، قال: «فسكت». قال: «فوجدت في نفسي عليه أكثر من عثمان». فقال: «فخطبها رسول الله عليه الصلاة والسلام». خطب رسول الله عليه الصلاة والسلام حفصة. فجاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى عمر، فقال: «لعلك وجدت في نفسك علي حين عرضت عليّ حفصة، وما منعني من ذلك إلا أني سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يذكرها، وما كنت لأفشي سر رسول الله عليه الصلاة والسلام». وما كنت لأفشي سر رسول الله عليه الصلاة والسلام. حفظوا سر رسول الله عليه الصلاة، علموا أنه ذكر حفصة، يعني يريد الزواج منها. فيأتي عمر يعرض ابنته عليهما، فما تكلم، أو تكلم عثمان بكلام يدل على عدم، يعني ذلك، قول ذلك. حتى أبو بكر، طيب خاطر عن ذلك، قال: «ولو لم أسمعه لقبلتها». ولو لم أسمعه لقبلتها، يعني يريد، وهو أصلاً، لكن المانع هو أن رسول الله قد سبقهم في ذلك، وسمعوه. وهكذا كذلك فاطمة رضي الله تعالى عنها جاءت، كما جاء أيضاً في الصحيحين، جاءت رسول الله بين أزواجه، فأجلسها النبي عليه الصلاة والسلام، قال الراوي: «على يمينه أو على شماله»، ثم أسرها في أذنها، فبكت رضي الله تعالى عنها، حتى جزع النبي عليه الصلاة والسلام على بكائها، فسارها مرة أخرى، فضحكت رضي الله تعالى عنها. فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها بعد ذلك لفاطمة: «خصك رسول الله عليه الصلاة والسلام وسارك من بيننا، ماذا قال؟» قالت: «سر رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذا سر رسول الله عليه الصلاة والسلام». فلما مات رسول الله عليه الصلاة والسلام، جاءت عائشة، قالت لي فاطمة: «بحق عليك أن تعلميني ماذا قال لك رسول الله عليه الصلاة والسلام؟» قالت: «أما الآن فنعم». أما الآن فنعم. فذكرت لها سر رسول سلم، وأنه حدثها في أذنها، وأن جبريل كان يدارسه القرآن في رمضان، في هذه المرة دارسه مرتين، قال عليه الصلاة والسلام: «فلعل ذلك قرب أجلي، فاتقي الله واصبري». فنعم السلف، أنا لكي قالت: «فبكيت، بكاء ذلك الذي رأيتي»، وهي تخاطب عائشة. ثم قال لها بعد ذلك: «قالت: لما رأى ذلك الجزع مني، قال: فسارني تلك المرة الأخرى، وقال: ألا تريدين أن تكوني سيدة نساء الأمة؟» قالت: «فضحكت، فرأيتي ذلك ضحكي الذي ضحكت». فانظروا إلى هذا الحديث الذي فيه أيضاً، وهذه القصة التي فيها بيان شيء من هذا. وهكذا كذلك أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، كما جاء في الصحيح أيضاً، قال: «جاء النبي عليه الصلاة والسلام وأنا ألعب مع الغلمان، فناداني رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأمرني أن أقضي له حاجة». قال: «فذهبت، فتأخرت على أمي». فتأخرت على أمي. فلما جئت إلى أمي، قالت: «ما الذي أخرك؟ لماذا تأخرت؟» قال: «رسول الله عليه الصلاة والسلام بعثني في حاجة». قالت: «في ماذا بعثك؟» قال: «كتم، ما سر رسول الله عليه الصلاة والسلام». قالت: «إذن لا تحدث أحداً بسر رسول الله، لا تحدث أحداً بسر رسول الله عليه الصلاة والسلام». قال أنس رضي الله تعالى عنه وهو يحكي هذا لثابت رحمه الله: «يا ثابت، ولو أخبرت أحداً بهذا السر، لأخبرتك». ولو أخبرت أحداً بهذا السر، لأخبرتك. يعني ما زال لم يخبر، رضي الله تعالى عنه. وهذا حذيفة بن اليمان، كان أمين سر رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا معاذ بن جبل، ثم قال: «من سلم، لا تبشرهم فيتكلوا». ما حدث بهذا الحديث حتى مات الرسول عليه الصلاة والسلام، فأخبر معاذ بعد ذلك، بعد موت نبينا سلم، تأثماً، أي خروجاً من إثم الكتمان، أي كتمان العلم. وعلم من النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا إنما أراد به أن يكتم عمن لم يفقه، فيحمله فهمه الخطأ لهذا الحديث في التفريط وفي التقصير. والنماذج كثيرة عن صحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا الآثار التي جاءت عن بعض السلف في أهمية هذا الخلق. قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «سرك أسيرك، فإذا أفشيته صرت أسيره». سرك أسيرك، يعني كأنك أنت الذي أسرته، فإذا أفشيته صرت أسيره، صرت أنت الأسير. وقال الحسن البصري رحمة الله تعالى عليه: «من الخيانة أن يستودع الإنسان سراً ثم يفشيه». وليس ننبه في هذا المقام على أمر كذلك مهم في هذا الموضوع، وهو ما يتعلق بكتمان السر: هل كل سر يكتم؟ أم أن هناك من كتمان السر ما هو ممدوح، ومنه ما هو مذموم؟ هو هذا، من السر ما هو كتمانه ممدوح، ومنه ما هو مذموم. ثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام ما يؤيد هذا، كما في حديث أبي سعيد الخدري، أو في حديث جابر، جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، وهو عند بعض أهل السنن، صححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «المجالس بالأمانة، المجالس بالأمانة، إلا ثلاثة: إلا ثلاثة، قتل امرئ بغير حق، أو استحلال فرج حرام، أو اقتطاع مال امرئ». أو اقتطاع مال امرئ. فهذا الحديث يدلنا على أن هذه الأمور لا يكتم فيها السر. إنسان أسر إليه، قال: «يا فلان، تعال، عندي سر، ما هو؟» قال: «الليلة سأذهب إلى فلان، فلان، وأقتله». تكتم هذا السر؟ لا، السر ما يكتم. تذهب: «يا أيها الناس، انتبهوا، فلان يريد أن يقتل فلاناً». هذا فلاناً، ولو كان معاهداً، ولو كان ذمياً، ولو كان مستأمناً، ما يجوز. ما تقول: «سر». تقول: «والله، لكنت تقتل لهذا». لكن سر؟ يا أخي، ما يصح، لا، ما في أمانة، ما في كتمان سر. في ذهاب قتل امرئ بغير حق، مسلم كان أو كافر، كان بغير حق، ما يجوز. أو إنسان يقول: «والله، أنا أريد الليلة أن أفعل فاحشة، كذا وكذا وكذا». فتقول: «سر»؟ لا، ما في سر. أو إنسان سيأخذ مالاً، سيسرق، «اليوم سأذهب إلى بيت الفلاني أسرق، أو إلى الدكان الفلاني أسرق». لا، لا تكتم هذا السر، وإنما أفشي هذا السر حتى يسلم المسلمون من أذى هذا. فإذا هذا السر كتمه مذموم، لا يجوز، ويدخل فيه كل ما فيه ضرر أو أذية للناس. ولا يُحصر هذه الثلاثة فقط، وإنما هي نماذج لكتمان السر المذموم، يدخل فيها ويتعلق بها كذلك ما كان في كتمان السر، العياذ بالله، ذهاب حقوق، مثل شهادة في حقك، أنك تدلي بالشهادة، وإلا ضاعت حقوق. ما تقول: «سر». قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. ما في ضياع حقوق في كذا، في اعتداءات، كل هذا ما يجوز فيه كتمان السر، بل الإنسان يفشي هذه الأسرار ويبينها للناس. فلذلك ننتبه في الفرق بين ما هو مذموم وما هو محمود، وهي الأسرار التي للناس فيها مصلحة، ولا تترتب عليها مضرة، فالأصل بهذا حفظها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يحفظ السر، وأن يجعلنا ممن يؤدي الأمانات لأهلها. والحمد لله رب العالمين. شكراً للمشاهدة.