الدرس في توجيهات تربوية 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُناقش أهمية التثبت من الأخبار قبل نشرها وضرورة إحسان الظن بالمسلمين. يشدد على عدم نشر ما قد يسبب الفساد أو الإساءة.
يجب ستر عيوب المسلمين وعدم نشرها لأن الله يستر من يسترهم. البحث عن العيوب له عواقب وخيمة.
الاشتغال بعيوب الناس قد يؤدي للإصابة بنفس العيوب. الناس جميعًا لديهم عيوب، وسترها يعود بالنفع.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلَا زِلْنَا -رِعَاكُمْ اللَّهُ- فِي هَذِهِ الدُّرُوسِ وَالتَّوْجِيهَاتِ، وَخَاصَّةً فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ حَوْلَ تَرْكَمِ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَتَنَاقَلُهَا النَّاسُ، وَفِيهَا مِنْ الْغَمْزِ وَالطَّعْنِ وَالْقَدْحِ فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. وَمِمَّا ذُكِرَ اخْتِصَارًا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ وَيُفْعَلَ إزَاءَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ: أَوَّلًا، التَّثَبُّتُ مِنْ أَهْلِهَا وَالِاتِّصَالُ عَلَى أَصْحَابِهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ صَوَابُ الْخَبَرِ مِنْ خَطَأِهِ. وَالثَّانِي، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ مِنْزِلَةً، أَلَا وَهُوَ إحْسَانُ الظَّنِّ، أَنْ تُحْسِنَ الظَّنَّ بِمَنْ بَلَغَكَ خَبَرُهُ، وَأَنَّكَ تُنَافِعُ وَتُدَافِعُ عَنْ عِرْضِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفَ أَنَّ رَبَّنَا جَلَّ وَعَلَا نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْأَدَبِ، كَمَا ذُكِرَ فِي حَادِثَةِ الْإِفْكِ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾. فَمَتَى مَا جَاءَتْ خَبَرٌ فِيهِ مِنَ الضَّعْنِ وَالرَّمْيِ بِالْفَاحِشَةِ لِمَنْ تَعْرِفُهُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ، تَرُدُّهُ وَلَا تُسَارِعُ وَلَا تَتَعَجَّلُ فِي قَبُولِ هَذَا الْأَمْرِ. وَأَنَّكَ مِنْ بَابِ إحْسَانِ الظَّنِّ بِهِ أَنْ تَلْتَمِسَ لَهُ الْمَعَاذِيرَ، تَلْتَمِسُ لَهُ الْمَعَاذِيرَ. وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا كَانَ فِي مَجْلِسٍ، قَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ دُخْشُمٍ؟ أَيْنَ مَالِكُ بْنُ دُخْشُمٍ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: ذَاكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَلَا رَسُولَهُ. ذَاكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَلَا رَسُولَهُ. فَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «لَا تَقُلْ هَذَا، لَا تَقُلْ هَذَا، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ». انْظُرْ يَا أَخَوَانِي: ذَاكَ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، «لَا تَقُلْ هَذَا، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ». لَوْ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا بَلَغَهُ خَبَرٌ -أَمَا سَمِعْتَ عَنْ فُلَانٍ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا؟- قُلْ: يَا أَخِي، أَعُوذُ بِاَللَّهِ، مَا أَظُنُّ رَجُلًا -فَاللَّهُ مُصَلٍّ مُذَكٍّ مِنْ الصَّوَامِ مِنْ الْقَوَامِ- مَا نَحْسِبُهُ عَلَى خَيْرٍ، تَرُدُّهُ. جَاءَكَ خَبَرٌ عَنْ مَنْ عُرِفَ بِالْعِلْمِ، عَنْ مَنْ عُرِفَ بِالسُّنَّةِ أَنَّ فِيهِ انْفِرَاجًا، قُلْ: يَا أَخِي، حَاشَا رَجُلًا مُنَافِحًا عَنْ السُّنَّةِ، مَا نَظُنُّهُ سَيَنْتَقِضُ بِهَذَا الْمَنْزِلِقِ. مَا الَّذِي يَضُرُّ فِي عَبْدِ اللَّهِ أَنْ تُرَبِّيَ نَفْسَكَ عَلَى أَنَّكَ تَلْتَمِسُ الْمَعَاذِيرَ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ خَاصَّةً، وَالْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ فَالشَّاهِدُ أَنَّ هَذَا الْأَدَبَ الثَّانِيَ وَهُوَ إحْسَانُ الظَّنِّ، وَمِنْهُ الْتِمَاسُ الْمَعَاذِيرِ. وَكَذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُتَّخَذَ، وَهُوَ الْأَمْرُ الثَّالِثُ فِي هَذَا الْبَابِ: هَبْ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ امْرَأَةً مِنْ الْمُسْلِمَاتِ وَقَعَتْ فِي ذَلَّةٍ، وَأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا. بَقِيَ السُّؤَالُ: هَلْ لَكَ شَرْعًا أَنْ تَتَوَاصَى بِنَقْلِ هَذَا الْخَبَرِ؟ هَلْ يَحِقُّ لَكَ شَرْعًا أَنْ تُزِيعَ وَأَنْ تُشَهِّرَ بِمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ؟ وَهَذَا فِي حَالَةِ مَا لَوْ افْتَرَضْنَا أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا مَا أَحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ، وَمَعَ التَّثَبُّتِ مِنْهُ أَنَّهُ وَقَعَ. بَقِيَ هَذَا الْأَمْرُ: هَلْ يُشْرَعُ لَكَ أَنْ تَأْتِيَ بِالْأَوْرَاقِ وَتَكْتُبَ إعْلَانًا فِي الْجَرَائِدِ، وَتَأْتِيَ بِالْمَنْشُورَاتِ فِي الْجُدْرَانِ، وَأَنْ تَأْتِيَ فِي كُلِّ مَقْهًى وَفِي كُلِّ مَجْمَعٍ مِنْ مَجَامِعِ الرِّجَالِ؟ يَا إخْوَانُ: سَمِعْتُمْ بِآخِرِ خَبَرٍ، فُلَانٌ زَنَى، فُلَانٌ زَنَى. هُنَاكَ تَأْتِي بِخَبَرِ: فُلَانٌ زَنَى، بِنَصٍّ، فُلَانٌ زَنَى، يَا الْمُحْتَرَمُ، فُلَانٌ زَنَى فِي السُّوقِ، فُلَانٌ زَنَى، تُبَشِّرُ، هُوَ وَقَعَ فِي زِنًا، لَكِنْ هَلْ شَرْعًا لَكَ أَنْ تُنْشِرَ هَذَا الْخَبَرَ؟ يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِنْ إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ أَنْ تُنْشِرَ خَبَرَهَا، تُنْشِرُ هَذَا الْخَبَرَ. فَلِهَذَا فَإِنَّ مِنْ الْأَدَبِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ أَنْ تَسْتُرَهُ، سَتْرٌ، سَتْرُ الْمُسْلِمِ مَقَامٌ عَظِيمٌ، لَا يَحِقُّ لَنَا شَرْعًا أَنْ نَتَفَكَّهَ بِأَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ بِحُجَّةِ أَنَّهُمْ زَلُّوا، بِحُجَّةِ أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا، تَجْعَلُ أَعْرَاضَهُمْ كَاللِّبَانِ تَبْلَعُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِحَاجَةٍ وَلِغَيْرِ حَاجَةٍ، هُنَا وَهُنَا. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ قَالَ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا إلَا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». سَتْرٌ وَقَعَ فِي زَلَّةٍ، وَقَعَ فِي هَفْوَةٍ، فَعَلَيْكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- أَنْ تَسْتُرَ عَلَيْهِ، لِمَا فِي دَوَاعٍ أَنْ تُذِيعَ، أَنْ تُنْشِرَ، أَنْ تَسْعَى وَتَبْذُلَ الْمَالَ فِي نَشْرِ هَذَا الْخَبَرِ، تُرِيدُ نَبَذَ الْقَاصِي وَالدَّانِي، مِنْ طَرَفِ الْمَهْرَةِ إلَى طَرَفِ صَعْدَةَ، يَسْمَعُونَ بِخَبَرٍ أَنَّ فُلَانًا ذَنْبٌ. مَا هَذَا؟ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا إلَا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أَلَا تُحِبُّ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- أَنْ يَسْتُرَكَ اللَّهُ؟ كُلُّنَا يُحِبُّ ذَلِكَ. إِذَنْ مِنْ الطُّرُقِ أَنْ يَسْتُرَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ الْوَسَائِلِ الَّتِي تَجْعَلُكَ أَنْ يَسْتُرَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَسَرَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لَا تُذِيعْ، لَا تَجْعَلْ أَبْوَابَ الشَّرِّ وَأَخْبَارَ الشَّرِّ تَأْتِي مِنْ طَرِيقِكَ. اسْكُتْ، سَتَأْتِي الْأَخْبَارُ مِنْ أَبْوَابٍ، فَأَهْلُ الْفِتَنِ كَالذُّرِّ، لَا كَثَّرَهُمُ اللَّهُ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي السُّنَنِ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إنَّ مِنْ النَّاسِ أُنَاسًا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، وَمِنْ النَّاسِ أُنَاسًا مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ، فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ مِفْتَاحُ الْخَيْرِ بِيَدِهِ». خَلِّقْ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- أَنْ تَكُونَ مِفْتَاحَ الْخَيْرِ، الْأَخْبَارُ الطَّيِّبَةُ، الْأَخْبَارُ الْحَمِيدَةُ، هَذِهِ فِيهَا نَوْعٌ مِنْ نَوْعِ الْفَرَحِ وَالْبَهْجَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، انْشُرْهَا، تَكُنْ عَلَى يَدِكَ. وَأَمَّا مَا فِيهَا الْأَخْطَاءُ وَفِيهَا الزَّلَلُ، فَلَا تَكُنْ عَلَى يَدِكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ-. فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ -أَوْ طُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدِهِ-. فَأَمَّا الْإِخْوَانُ -إِخْوَانُكَ فِي اللَّهِ-، فَإِنَّا نَرْعَى هَذَا الْأَدَبَ، وَهُوَ: السِّتْرُ، سِتْرُ الْمُسْلِمِينَ، سِتْرُ الْمُذْنِبِينَ وَالْمُذْنِبَاتِ. وَلِهَذَا جَاءَ كَذَلِكَ فِي السُّنَنِ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا فِي عِسْرَتِهِ، أَقَالَ اللَّهُ عِسْرَتَهُ». أَنْتَ تَتَعَثَّرُ، تَقَعُ مِنْكَ الزَّلَلُ، تَقَعُ مِنْكَ الْهَنَاتُ، إذَا أَرَدْتَ أَنْ مَا يَتَجَاوَزَ عَنْكَ، فَتَجَاوَزْ عَنْ إخْوَانِكَ. سَمِعْتَ بِخَطَرٍ أَنَّ فُلَانًا وَقَعَ فِي فَاحِشَةٍ، أَقِلْ بِإِحْسَانِ الظَّنِّ، الْأَخْبَارُ زَادَتْ، ذَهَبَ إلَيْهِ مُبَاشَرَةً -يَا عَبْدَ اللَّهِ-، صَحِيحٌ هَذَا الْخَبَرُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنَا وَقَعْتُ فِي زِنًا. وَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَا بِاَللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ-، اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، لَا تَذْهَبْ، وَاسْكُتْ، ادْعُ اللَّهَ، وَاسْكُتْ عَلَيْهِ، لَا أَنْ تُبَيِّعَ، لَا أَنْ تُذِيعَ، لَا أَنْ تُنْشِرَ. فَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَاصَّةً إذَا كَانَتْ تِلْكَ الزَّلَّةُ وَتِلْكَ الْهَفْوَةُ صَدَرَتْ مِمَّنْ عِنْدَهُ الْخَيْرُ وَعِنْدَهُ الصَّلَاحُ وَالِاسْتِقَامَةُ. فَالْتَعَامُلُ مَعَهُ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ وَأَعْظَمَ، وَلَابُدَّ أَنْ يُرَاعَى، بَلْ لَابُدَّ أَنْ تُغَضَّ الطَّرْفَ عَنْ بَعْضِ زَلَلِهِ. يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: «فَمَنْ كَانَ مُسْتُورًا مَشْهُورًا بِالْخَيْرِ، حَتَّى زَلَتْ بِهِ قَدَمٌ، وَكَبَى بِهِ جَوَادُهُ، وَنَبَى غَضَبٌ، صَبْرُهُ، فَلَا تُسَارِعْ إلَى تَأْنِيبِهِ وَلَا إلَى عِقُوبَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَهَذَا بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ». هَذَا الْأَمْرُ إذَا كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ لَيْسَ أَيُّ رَجُلٍ، رَجُلٌ مَشْهُورٌ وَمَسْتُورٌ، مَشْهُورٌ بِالْخَيْرِيَةِ، زَلَتْ قَدَمُهُ، وَقَعَ فِي ذَنْبٍ، وَقَعَ فِي خَطَأٍ، وَقَعَ فِي هَفْوَةٍ فِي هَنَةٍ، زَلَتْ بِهِ قَدَمُهُ، وَكَبَى بِهِ جَوَادُهُ، وَنَبَى غَضَبٌ صَبْرُهُ. قَالَ: «فَلَا تَعْجَلْ أَوْ لَا تُسَارِعْ إلَى تَأْنِيبِهِ وَعِقُوبَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَهَذَا حَقُّ اللَّهِ، يُقْضَى مِنْهُ». قَالَ: «فَهَذَا بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرِيعَةِ». فَهَذَا بَابٌ -عِبَادَ اللَّهِ- عَلَى أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَنْ عُرِفَ بِالْخَيْرِ وَعُرِفَ بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ دُعَاتِهَا، مِنْ طَلَبَتِهَا، مِنْ مَشَايِخِهَا، مِنْ عُلَمَائِهَا، مَنْ كَانَ مِنْ عِبَادٍ، مَنْ كَانَ مِنْ الزُّهَّادِ، مِمَّنْ عُلِمَ عَنْهُ بِحَرٍ مِنْ حَسَنَاتٍ فِي دُنْيَاهُ. فَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ زَلَّةٌ، فَإِنَّهَا تَنْغَمِرُ فِي بَحْرِ حَسَنَاتِهِ. وَلَيْسَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- وَلَيْسَ مِنْ السَّلَامَةِ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، وَأَنَّكَ تَصْطَادُ لِعُيُوبِهِمْ، وَتَنْكُشُ عَنْ مَا تَظُنُّ أَنَّهُ زَلَّةٌ، وَذَلِكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِهَا وَتَبُثَّهَا يَمِينًا وَشِمَالًا. وَقَدْ حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى- مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَمِنْ هَذَا الْمَنْزِلِ، بَلْ عَاقِبَةُ مَنْ كَانَ هَذَا أَمْرُهُ، وَهُوَ الْبَحْثُ عَنْ الْعُيُوبِ، الْبَحْثُ عَنْ الزَّلَلِ، يَبْحَثُ حَتَّى إذَا وَجَدَ فُرْصَةً فِيكْ بَسَ ذَلِكَ وَنَشَرَهُ، أَمْرُهُ عَظِيمٌ. فَمِنْ ذَلِكَمَ يَقُولُ زَازَانُ الْمَدَائِنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «رَأَيْتُ أَقْوَامًا عِنْدَهُمْ عُيُوبٌ، فَسَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، سَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، فَسَتَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُمْ، وَزَالَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْعُيُوبُ». انْظُرْ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَقْوَامًا عِنْدَهُمْ عُيُوبٌ نَعْرِفُهَا، عِنْدَهُمْ كَذَا عَيْبٌ، وَزْنٌ، عِنْدَهُمْ عُيُوبٌ، لَكِنْ مِنْ فِعْلِهِمْ أَنَّهُمْ سَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ». قَالَ: «رَأَيْتُ أَقْوَامًا عِنْدَهُمْ عُيُوبٌ، سَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، فَسَتَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُمْ، وَزَالَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْعُيُوبُ». وَرَأَيْتُ أَقْوَامًا لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ عُيُوبٌ، فَاشْتَغَلُوا بِعُيُوبِ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ لَهُمْ عُيُوبٌ، اللَّهُ أَكْبَرُ، عَجِيبٌ. هَذَا وَاقِعٌ، النَّاسُ نَاسٌ عِنْدَهُمْ عُيُوبٌ، لَكِنْ خَلَقُوا بِخُلُقِ السِّتْرِ، عِنْدِي عَيْبٌ، فَأَسْتُرْ عَلَى عَيْبٍ -يَا أَخِي-، مَا يُسْتَرُ، مَا يُفْضَحُ، مَا يُجَاهَرُ، وَلَا يُشَهَّرُ بِعُيُوبِ النَّاسِ. فَبِمُقَابِلِ هَذَا الْخُلُقِ، عَافَاهُمُ اللَّهُ بِمَاذَا؟ بِأَنْ سَتَرَ عُيُوبَهُمْ. وَبِالْمُقَابِلِ: وَنَاسٌ ظَاهِرُهُمْ السَّلَامَةُ، تَنْظُرُ يَمِينًا، شِمَالًا، يَسَارًا، تَرَى سِيرَتَهُ حَمِيدَةً، مَا عَلَيْهِ عُيُوبٌ، لَكِنِ ابْتُلِيَ بِهَذَا الْخُلُقِ، الْبَحْثِ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ. دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، وَنَفَذَ فِي أَوْدَاجِهِ وَفِي عَقْلِهِ الْبَحْثُ، يَبْحَثُ فِي هَذَا، وَيَبْحَثُ فِي ذَاكَ، فِي تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ، يَبْحَثُ فِي السِّجِلَّاتِ، يَبْحَثُ فِي كَلِمَاتِهِ، فِي أَشْطَارِهِ، يَسْمَعُ: هَلْ هُنَاكَ زَلَّةٌ؟ هَلْ هُنَاكَ عَيْبٌ؟ قَالَ: «وَرَأَيْتُ أَقْوَامًا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَاشْتَغَلُوا بِعُيُوبِ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ لَهُمْ عُيُوبٌ، وَظَهَرَتْ حِينَهَا عُيُوبٌ». الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَلْيَتَّقِ الْعَبْدُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذَا الْبَابِ. إنْ كَانَتْ عِنْدَهُ عُيُوبٌ، فَلْيَسْكُتْ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، وَإِلَّا فَإِنَّ النَّاسَ مَا سَيْرْحَمُونَهُ. وَلِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي كَلَامٍ بَدِيعٍ: «إنَّ مِنْ أَعْجَزِ النَّاسِ مَنْ عَابَ النَّاسَ بِمَا فِيهِمْ». هَذَا صِنْفٌ مِنْ أَعْجَزِ النَّاسِ، عَاجِزٌ، هَمُّهُ فِي الدُّنْيَا: يَنْظُرُ يَمِينًا، شِمَالًا، يَبْحَثُ عَنْ زَلَّةٍ لِهَذَا الشَّخْصِ، وَيَبْحَثُ عَنْ هَنَةٍ لِآخَرَ، يَبْحَثُ، هَمُّهُ أَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، هَذَا مِنْ أَعْجَزِ النَّاسِ. قَالَ: «إنَّ مِنْ أَعْجَزِ النَّاسِ مَنْ كَانَ هَذَا عَلَى هَذَا الرَّصْ مِنْ أَعْجَزِ النَّاسِ مَنْ عَابَ النَّاسَ بِمَا فِيهِمْ». هُمْ فِيهِمْ عُيُوبٌ، لَكِنْ لَا يَحِقُّ لَكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- أَنْ تَنْشَغِلَ بِهَا. لَيْسَ لَكَ شَرْعًا أَنْ تَنْشَغِلَ بِعُيُوبِ النَّاسِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ، مَنْ كَانَ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَثَلًا، مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ عِنْدَهُ عُيُوبٌ ظَاهِرَةٌ، خَافِيَةٌ، يَعْلَمُهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا. فَلَوْ أَنَّكَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- سَتَبْحَثُ، سَتَجِدُ، عَنْ عُبَيْدٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ فُلَانٍ، كُلُّ النَّاسِ عِنْدَهُمْ عُيُوبٌ. لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ لَكَ شَأْنٌ أَنْ تَنْشَغِلَ، فَهَذَا مِنْ الْعَجْزِ، مِنْ الْكَسَلِ. قَالَ: «وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ انْشَغَلَ بِعُيُوبِ، بِعَيْبٍ هُوَ فِيهِ». مِنْ انْشَغَلَ بِعَيْبٍ هُوَ فِيهِ، فِيهِ هَذَا أَخْسُّ، يَعْنِي: مُشْكِلَةٌ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ هُوَ عِنْدَهُ عَيْبٌ، وَمَعَ ذَلِكَ يُغْضِي الطَّرْفَ عَنْ عَيْبِهِ، وَيَجْعَلُهُ عَلَى وَابَرٍ، ثُمَّ يَبْحَثُ: آهْ، أَنْتُمْ -يَا عُوذُ بِاَللَّهِ-، انْظُرْ فِيكُمْ -يَا سُبْحَانَ اللَّهِ-، أَنْتَ مُنْحَرِفٌ، وَهُوَ عِنْدَهُ هَذَا الِانْحِرَافُ، عِنْدَهُ انْحِرَافٌ كَهَذَا الِانْحِرَافِ، بَلْ أَشَدُّ مِنْهُ. لَكِنَّهُ يُغْضِي الطَّرْفَ عَنْ عَيْنِهِ، ثُمَّ قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: «وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ عَابَ النَّاسَ بِمَا هُوَ فِيهِ». ثُمَّ قَالَ: «وَمَنْ عَابَ النَّاسَ عَابُوهُ». مَنْ عَابَ النَّاسَ عَابُوهُ، أَنْتَ إذَا كُنْتَ ظَنَنْتَ أَنَّكَ الْوَلِيُّ وَأَنَّكَ الْكَفِيلُ فِي إظْهَارِ عُيُوبِ النَّاسِ، فَإِنَّ النَّاسَ كَذَلِكَ سَيَظُنُّونَ أَنْفُسَهُمْ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ عَلَى عُيُوبِكَ، وَسَيُخْرِجُونَ عُيُوبَكَ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا وَلَهُ عُيُوبٌ. وَكَمْ سَمِعْنَا وَكَمْ نَسْمَعُ وَكَمْ حَدَّثْنَا وَكَمْ أَخْبَرْنَا عَنْ أُنَاسٍ يَتَكَلَّمُونَ فِي أَعْرَاضِ الصَّالِحِينَ أَوْ فِي أَعْرَاضِ الصَّالِحَاتِ، وَيَنْهَشُونَ فِي لُحُومِهِمْ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. فَإِذَا بِهَؤُلَاءِ نَسْمَعُ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ أَنَّ لَهُمْ عُيُوبًا مَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَشَدُّ، يَتَكَلَّمُونَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَعْدِ مَاذَا؟ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ وَقَعَ فِيهِ فُلَانٌ، هَذَا وَقَعَ فِي زَلَّةٍ، هَذَا وَقَعَ فِي ذَنْبٍ، هَذَا وَقَعَ فِي انْحِرَافٍ. لَكِنَّ سُرْعَانَ مَا يَبْتَلِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأُنَاسٍ يَأْخُذُونَ أَخْطَاءَكَ، وَيُخْرِجُونَ عُيُوبَكَ مِنْ قَعْرِ دَارِكَ، مِنْ دَاخِلِ بَيْتِكَ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «يَا مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، لَا تَتْبَعُوا عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ مِنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ يَفْضَحُهُ اللَّهُ وَلَوْ فِي عَقْرِ دَارِهِ». يُخْرِجُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ يُفْضِحُهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، كَمَا أَنَّكَ نَهَشْتَ مِنْ لُحُومِ النَّاسِ، فَإِنَّ النَّاسَ مَا سَيْرْحَمُونَكَ، سَيَنْهَشُونَ مِنْ لَحْمِكَ وَمِنْهُمْ. وَأَقْبَحُ مِنْ هَذَا الصَّدَفُ مِنْ الْعَيَابَةِ أَنَّهُ لَا يُعَيِّبُ بِأَمْرٍ زَلَلٍ ظَهَرَتْ مِنْكَ الْآنَ، بَلْ يُضْطَرُّ مِنْ خُبْثِهِ أَنْ يَفْتِشَ فِي الْمَاضِي، يَفْتَحُ عَامَ السَّبْعِينَاتِ، مِلَفٌّ فِي الْإِرْشِيفِ، أَيَّامَ السِّتِينَاتِ وَالْخَمْسِينَاتِ، يَفْتَحُ هَذَا -يَا أَخِي-، هَذَا فُلَانٌ مِنْ مَوَالِيدِ الْخَمْسِينَ، أُرِيدُ مِلَفَّهُ، أَيْشِ أُرِيدُ؟ أُرِيدُ أَنْ أَبْحَثَ عَنْ حِسَابِنَا وَإِيَّاهُ. فَأُخْرِجُ بِمِلَفَّاتِهِمْ، أَبْحَثُ، هَذَا بِالْأَمْسِ كَانَ إصْلَاحِيًّا، وَكَانَ أَصُومُ فِي الْخَمْسِينَاتِ صُوفِيًّا، وَفِي السِّتِينَاتِ إصْلَاحِيًّا، وَفِي السَّبْعِينَاتِ حِزْبِيًّا، وَفِي التِّسْعِينَاتِ حَسَنِيًّا. يَا أَخَوَانُ: نَنْظُرُ، هَذَا صَاحِبُكُمْ -يَا أَخِي- رَجُلٌ سُنِّيٌّ -يَا أَخِي- مَاضِي مَاضِي، هَذَا رَجُلٌ لَابُدَّ أَنْ يَنْفَضِحَ، يَبْحَثُ عَنْ الْمَاضِي. أَنْتَ أُمِرْتَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- بِزَلَّةٍ ظَاهِرِ الْعَيَانِ، إذَا