الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 82، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول حب الله للمدح واستدلاله بحديثين من الصحيحين، ويوضح أن المدح الممدوح هو الثناء على الله بأوصاف الكمال. يحذر من المدح المذموم الذي قد يؤدي إلى الفتنة والإطراء.
يناقش ضوابط المدح في الإسلام، ويحذر من الإطراء والمبالغة في المدح التي قد تؤدي إلى الكبر والعجب والهلاك. يبين جواز إعطاء الشاعر إذا خاف شره، وضرورة التحرى في أخذ العلم.
يشرح أهمية زيارة المسلم لأخيه المسلم في الله، ويبين الأجر العظيم الذي يتحصل عليه من هذه الزيارة. يشير إلى أن الزيارة في الله لها فضل كبير وهي سبب لدخول الجنة.
يختتم الكلام بالإكتفاء بما ذكر، ويعد بذكر ما تبقى في حديث لاحق. يعبر عن أن الله تعالى هو الأعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب من مدح في الشعر، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن الأسود بن سريع، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، قد مدحت الله بمحامد ومدح وإياك، فقال: «أما إن ربك يحب المدح». فجعلت أنشده، فاستأذن رجل طويل أصلع، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «أسكت». قال: فدخل، فتكلم ساعة، ثم خرج، فأنشده، ثم جاء، فسكتُّه، ثم خرج، فعل ذلك مرتين أو ثلاثًا. فقلت: من هذا الذي سكتُّه؟ قال: «هذا رجل لا يحب الباطل». وهذا الحديث بهذا السياق ضعيف، وقد ضعفه شيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة، وعلي بن زيد -ومن دونه- ضعيف. إلى أنه أشار رحمه الله إلى أنه صح مختصرًا، وسيأتي في أبواب قادمة. قال: وحدثنا سليمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن علي، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن الأسود بن سريع: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: مدحتك ومدحت الله عز وجل. وهو كذلك أيضًا ضعيف، وإن كان في معناه ما هو صحيح، وهو أن الله سبحانه وتعالى يحب المدح. يدل على هذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أمة محمد، ما أحد أغير من الله، ولأجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وما أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه». وجاء أيضًا من حديث سعد بن عبادة في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما أحد أحب إليه المدح من الله، ولأجل ذلك وعد الله الجنة». فدل هذان الحديثان أن الله سبحانه وتعالى يحب المدح. والمراد بالمدح والثناء: بذكر أوصاف الكمال التي يستحقها سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا مدح نفسه في القرآن في آيات كثيرة: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾، ﴿وهو الغفور الرحيم﴾، وهكذا في آيات كثيرة يثني سبحانه وتعالى على نفسه. وأما ما بوّب له الإمام البخاري رحمه الله، فهو قوله: «باب ما مدح في الشعر». ويريد بذلك أن من المدح كذلك ما يكون في الأشعار. وهو كذلك أيضًا قد يكون من القسم الممدوح، وقد يكون من القسم المذموم، إذا كان المدح مما فيه ثناء على الممدوح وفتنة له، أو كان فيه إطراء في المدح، فهو كذلك مما يدخل في النهي الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث التي مرت: «إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب». ولو كان مدحه بالشعر، ليس هذا خاصًا بالنثر فقط، بل ولو كان بالشعر. ولو كان بالشعر، إن كان الذي ثبت في الأحاديث هو المدح بالنثر، فكذلك يلحق به المدح بالشعر، ولا فرق بينهما. والشرع لا يفرق بين مجتمع، كما أنه لا يجمع بين المتفرق. والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فعلت أنه ينهى عن المدح بالثناء بالنثر، موجودة كذلك في الشعر، وهو أن ذلك سبب لهلاك الممدوح. سبب لهلاك الممدوح. فلذلك ينهى عنه أن يمدح ويثنى على هذا المخلوق بالمدح والإطراء، فهذا سبب لهلاكه. يوصف بثناء بأنه له من صفات ما هو لله سبحانه وتعالى، وهذا من الشرك. أو كذلك أيضًا يمدح بممادح فيها إطراء، فهذا كذلك يوقع هذا الممدوح في الغرور والعجب والكبر، فيكون سببًا في زيغه وهلاكه، فينهى عنه. وأما إذا كان المدح بشيء ليس فيه إطراء، وهكذا كذلك ليس فيه فتنة للممدوح، فلا بأس. إذا كان ذلك مما تقضيه المصلحة، كان يكون المراد منه بيان ما لهذا الرجل من المنزلة التي قد غفل عنها الناس، ولم يعلموا فضله، منزلته بشيء مما هو فيه. وكذلك أيضًا أن تؤمن الفتنة عليه، فلا بأس. فقد مدح النبي عليه الصلاة والسلام، مدحه حسان بن ثابت، عبد الله بن رواحة. فإذا كان هذا المدح ليس فيه مخالفة للشرع، ولا إطراء ومبالغة ومجاوزة، وكذلك أيضًا مع أمن الفتنة، فلا بأس به. وإلا فهو من القسم الممنوع. قال: باب إعطاء الشاعر إذا خاف شره. قال: حدثنا علي، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال: حدثنا يوريذ بن عبد الله بن نجيد بن عمران بن حسين الخزاعي، قال: حدثني أبي نجيد، أن شاعرًا جاء إلى عمران بن حسين، فأعطاه. فقيل له: تعطي شاعرًا؟ قال: أبقي على عرضي. وهذا الأثر ضعيف الإسناد، ونجيد من عمران لا يعرف، مجهول. لكن معناه صحيح، وهو: إذا خاف الإنسان من شاعر من الشعراء، خاف منه مضرة، مفسدة. وإذا أعطاه شيئًا، كان في ذلك إسكات له، ودفع لشره، فيجوز. وإذا اجتمعت مفسدتان، ارتكب أخفهما ضررًا. فارتكاب أخف المفسدتين يدفع أعلاهما، مما دلت عليه أدلة الشرع. فإذا خاف الإنسان من ذلك، فلبس أن يدفع شر من يخاف شره، بعطائه شيئًا مما يدفعه، ويجعله يكف عن شره. قال: باب لا تكرم صديقك بما يشق عليه. قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا معاذ، قال: حدثنا معون، عن محمد -وهو من أئمة التابعين، ويروي كثيرًا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه- وكان يقول: كما ذكر ذلك الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». أن ينبغي لمن أراد أن يأخذ العلم، وأن يتعلم الدين، أن يأخذه من منابعه الصحيحة، يأخذه من أهل الحق، من أهل السنة والجماعة، لا يأخذه من أهل البدع وأهل الأهواء. لأن هذا دين، ينبغي أن يتحرى فيه، كما أنه يتحرى في أمور الدنيا، فأولى وأحرى أن يتحرى في أمر الدين. قال: كانوا يقولون: لا تكرم صديقك بما يشق عليه. وهذا الأثر صحيح، صححه شيخ الألباني رحمه الله. قال: كانوا يقولون: لا تكرم صديقك بما يشق عليه. أي: لا تكرمه بشيء تريد الإحسان إليه، فيكون ذلك سببًا في الإساءة إليه. وأراد رحمه الله بذلك أن يستدل به على ترك المدح، سواء كان نثرًا أو شعرًا. لأن ذلك وإن أريد به إكرام الممدوح، فهو سبب في وقوع هذا الممدوح في المشقة. يريد أن يكرمه، فيمدحه ويثني عليه، فيكون ذلك سببًا في هلاك الممدوح، وهو يريد الإكرام، فيكون الإكرام سببًا في الإساءة. فكأنه يقول رحمه الله: لا تكرم صديقك وصاحبك بما فيه مشقة، ومن ذلك المدح، والثناء، فاترك ذلك، فهو أفضل لك، وكذلك لصاحبك أفضل لك ولصاحبك، حتى لا تشق عليه، ولا تكون كذلك سببًا في وقوعه في الهلكة. قال: باب الزيارة. قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان الشامي، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا عاد الرجل أخاه أو زاره، قال الله له: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت منزلا في الجنة». والحديث حسن، حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وفيه فضل الزيارة في الله سبحانه وتعالى. قال: «إذا عاد الرجل أخاه أو زاره». وفي بعض الروايات: «في الله». يعني: زاره يقصد بذلك وجه الله سبحانه وتعالى، وطلب الأجر والثواب من الله، لا يزوره لأجل دنيا، ولا لمقاصد شخصية، وإنما زيارة لله سبحانه وتعالى. فإذا كان ذلك قصده، كان من الأجر والثواب له أن يقول الله جل وعلا له: «طبت وطاب ممشاك، وتبوأت منزلا في الجنة». وجاء في رواية: «ناداه منادٍ» -أي ملك من الملائكة-: «طبت وطاب ممشاك، وتبوأت منزلا في الجنة». انظر إلى هذا الأجر العظيم في فضل الزيارة في الله سبحانه وتعالى. «طبت وطاب ممشاك»: يدعو الله سبحانه وتعالى لك بالطيب، وأنك طيب. «طبت» أي: في أعمالك، وفي أقوالك، وفي نفسك. «وطاب ممشاك»: أي صار ممشاك طيبًا. والله جل وعلا طيب، لا يقبل إلا طيبًا. وهكذا «تبوأت منزلا في الجنة»: جعل الله سبحانه وتعالى لك في الجنة منزلًا من منازل المتقين. وهذا دل على عظم هذا الفعل، وعلى عظم أجر الزيارة في الله سبحانه وتعالى، وأنها سبب لدخول الجنة، سبب لنيل المنازل في الجنة. وفيه كذلك أيضًا إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى، قال: «قال الله له». والقول هو نوع من أنواع الكلام. وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، خلافًا لأهل البدع من الجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن نفوا صفة الكلام. وفيه أيضًا إثبات وجود الجنة، وأن الجنة موجودة مخلوقة، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة، ومنها قوله جل وعلا: ﴿أعدت للمتقين﴾. وكذلك أيضًا في مخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، خلافًا لأهل البدع من المعتزلة وغيرهم ممن نفى وجود الجنة، ونفى كذلك أن تكون مخلوقة معدة. فنكتفي بهذا، ونذكر إن شاء الله ما تبقى في حديث آخر. الله تعالى أعلم.