الدرس في كتاب البيوع 12، ألقاها
النجش هو المدح الكاذب للسلعة لزيادة ثمنها، وهو محرم شرعًا لما فيه من خداع. حكم البيع مع النجش مختلف فيه بين الفقهاء.
النجش له صور متعددة مثل رفع السعر دون أن يكون آثمًا، والكذب بشأن سعر الشراء، والاتفاق لرفع السعر. بعض العلماء قيد التحريم بزيادة السعر فوق ثمن المثل.
من أسباب النجش التحالف بين البائع والناجش، الانتقام، إظهار الثراء، والتطفل. الحكم في بيع النجش يختلف باختلاف الغبن، فإذا كان فاحشًا كان المشتري مخيرًا.
المقطع ينهي الحديث عن أسباب النجش ويختم بالتسبيح والشهادة لله بالإلهية والاستغفار والتوبة، مع الاعتراف بعلو علم الله تعالى.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقد تقدم معنا جملة من المناهي في الحديث المذكور في حديث أبي هريرة، ومنها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ولا تناجشوا». والنجش: النقش، بفتح النون وسكون الجيم معجمة، وهو في اللغة: تنفير الشيء واستثارته من مكانه ليصعد. يقال: نجشت الصيد أنجشه بالضم نجشًا. قال الإمام ابن قتيبة: أصل النجش الختل، وهو الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش؛ لأنه يختل الصيد ويحتال له. وكل من استثار شيئًا فهو ناجش. وقال الإمام الهروي أبو عبيد القاسم الهروي، صاحب غريب الحديث: النجش: المدح والإطراء. قال ابن الأثير: إنه الصحيح. فعلى هذا، معنى الحديث: لا يبع أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها بلا رغبة. كما قيل: المعنى اللغوي يظهر المعنى الشرعي. وهذا المعنى الذي ذكر أخيرًا هو قول الهروي، رحمه الله تعالى. نقل عن أبي بكر أن النجش: المدح والإطراء. يظهر لنا المعنى الشرعي من النجش، وهو المدح والإطراء للسلعة. فيأتي إلى سلعة، مثلا إلى سيارة، إلى بيت، إلى عقار، أرض، أو ما شابه ذلك، فيقول: ما شاء الله، ما أحسنها من بيت، أو ما أحسنها من أرض، أو ما أحسنها من سلعة جميلة، وما أرخصها من سعر. بكم السعر؟ كذا وكذا. ما شاء الله، ما أرخصها من سعر. ينجش، يضري بتلك السلعة، ويمدح تلك السلعة، حتى يضري بالمشتري. مشترٍ يسمع هذا الكلام: ما شاء الله، ما أحسنها، ما أرخصها، وهذا سعر ما شاء الله، فرصة. راح يشتري بهذا السعر، فيغرر بالمشتري، فيشتري تلك السلعة بسبب عمل ناجش، من المدح والإطراء والخداع. قال: وفي الشرع، الزيادة في ثمن السلعة لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره ويغره. وهو من المنهيات؛ للضرر. وسمي هذا البيع ببيع النجش؛ لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة، ويقع ذلك بمواطأة البائع، فيشتركان في الإثم. قال ابن بطال وغيره: أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله. ونقل الإجماع كذلك الإمام النووي، رحمه الله. مسألة: ما حكم البيع الذي وقع فيه النجش؟ تقدم معنا أنه محرم. وهل يصح ذلك العقد أم يكون عقدًا فاسدًا؟ ذهب طائفة من أهل العلم إلى فساد هذا البيع. وممن قال بذلك: أهل الظاهر، إلا ابن حزم. ونقله ابن المنذر عن طائفة منهم. المشهور عند الحنابلة: إذا كان ذلك بمواطأة البائع أو صنعة، فالبيع فاسد. أما إذا لم يكن بمواطأة البائع أو صنعة، وإنما دخل الناجش هكذا، فإن البيع لا يكون فاسدًا. الأصح عند الشافعية في هذه المسألة: صحة البيع مع الإثم. وهو قول الحنفية. يقولون: البيع صحيح، ولكن الناجش والمتواطئ مع الناجش آثمان. المشهور عند المالكية في مثل ذلك: ثبوت الخيار. وهو وجه للشافعية، حيالًا على المصراة. وحكي عن الجمهور أنهم قالوا بالتفصيل. قالوا: فإذا حصل المشتري غبنًا فاحشًا، فله الخيار. وإن كان الغبن يسيرًا، فلا خيار له. قال: والحاصل أن القول الصحيح أنه إذا غبن غبنًا يسيرًا، فالبيع صحيح، ويكون الناجش آثمًا. وإن كان غبنًا فاحشًا، فإنه بالخيار. إن شاء أمضى البيع، وإن شاء رد البيع. تنبيهات: من هؤلاء التنبيهات أن الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، قيد التحريم بمن كان عالما بالنهي. ومعنى هذا: أن من لم يكن عالما بالنهي، وإنما دخل هكذا، فلا يكون آثمًا. ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح قال: قيد ابن عبد البر وابن حزم وابن العربي، وكلهم من علماء الأندلس، رحمهم الله تعالى أجمعين، التحريم بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل. فلو أن رجلًا رأى سلعة رجل تباع بدون قيمتها، فزاد فيها لتنتهي إلى قيمتها، لم يكن ناجشًا عاصيًا، بل يؤجر على ذلك بنيته. قال الحافظ: وقد وافقهم على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية. واضح يا إخوان، الصورة: جماعة، رجل جاء رجل مثلا يريد أن يبيع مثلا أغنامًا أو يريد أن يبيع سمكًا أو يريد أن يبيع مثلا دارًا أو عقارًا أو سيارة، فيعلم أنها دون قيمتها. الناس يبيعونه بقيمة مثلا بعشرين، السيارة بعشرين السعود، يقول بعشرة، بعهدي عشر. والرجل مسكين فرحان بالسعر. يقول حافظ: يقول هؤلاء الأئمة: لا بأس أن يرفع السعر حتى يصل إلى قيمتها، ولا يكون في ذلك آثمًا. إنما يكون آثمًا إذا أغرى بالمشتري حتى بلغ الضعف، حتى بلغ الضعف. قال الحافظ: وفيه نظر؛ إذ لم تتعين نصيحة في أن يهم أنه يريد الشراء، وليس غرضهم. بل غرضه أن يزيد على من يريد الشراء أكثر مما يريد أن يشتري به. من صور النجش: أن يخبر البائع أنه اشترى السلعة بأكثر مما اشتراها كذبًا وزورًا. يعني يأتي المشتري إلى البائع فيقول له: بكم تبيع مثلا السيارة أو بكم تبيع هذه الشقة أو هذه الدار أو هذه العقار؟ فيقول له: يا فلان، اشتريتها بكذا وكذا. كم تجدني؟ واضح يا جماعة. يقول مثلا: اشتريتها بعشرين ألفًا سعوديًا، وهو إنما اشتراها بخمسة عشر ألفًا سعوديًا. يقول له: اشتريتها بعشرين ألف سعودي. كم تزيدني؟ فيقول: لا أزيدك ألفًا. يقول: قبل هذا. يا جماعة، ناجش دخل في معنى النجش؛ لأنه احتال وأغرى ورفع سلعته ليغرر بالمشتري. وقد حصل هذا المعنى. ومن صوره أيضًا: أن يكون البائع هو الناجش نفسه. يا جماعة، يضع البضاعة عند رجل، يقول له: وقت ما اغتلاك بعبع، تمام. يأتي يدخل مع المشترين، هذا يقول: بكذا. البائع يقول: بكذا كذا. يزيد كذا كذا. يدخل كأنه مشتري ليغرر بقية التجار. هذا كذلك داخل في معنى الناجش. أو يكون اثنان مشتركان في سلعة، أحدهما البائع، كلاهما بائعًا، لكن أحدهما يدخل بصورة أنه بائع، والآخر يدخل بصورة أنه مشتري حتى يغرر بقية المشترين. واضحة يا جماعة، سيارة أو أرض أو بيت ملك اثنين. فيأتي هذا بكام السيارة؟ يقول مثلا: كم تباع؟ سائل له: كم تدفع؟ أدفع خمسة عشر. يأتي واحد تاجر آخر غريب، يقول: أنا علي أحد عشر، وخمسة، ستة عشر، سبعة عشر، إلى أن يصل إلى السعر الذي يريده. يقول: أنا انسحب. كلمة كانت شفرة بينه وبين صاحبه: أنا انسحب. يقول: قبلت. واضحة يا جماعة، هذا كذلك من النجش؛ لما فيه من معنى النجش. أيضًا من الصور: رفع السلعة بسعر مرتفع جدًا حتى يغري المشتري، فينزل له بعض الثمن، وقد استفاد الربح الكبير. مثلا سلعة مسجلة أو ما شابه ذلك، مثلا بخمسة آلاف. يأتي عند المشتري: بكم هذا؟ يقول له: بعشرة آلاف. تشتريها؟ لا. دعها يا أخي. تعاون معي يا أخي. ساعد معي. قال له: خلاص نقص لك خمسمائة. تبايع؟ قال: ألف. أحببت. لدع الرجل يفرح. يقول: أخذتها. الحمد لله. بسبعة آلاف. نقصت منه ألفًا. وإنما هي قيمتها بكم يا جماعة؟ بخمسة آلاف. هذا أيضًا من صور النجش. طيب، من صورها: أن يدعي البائع أنهم أعطوه بالسلعة أكثر مما أعطي، كذبًا وزورًا. واضحة يا جماعة. يأتي أم يشتري البائع: بكم تبيعها؟ يقول: يا أخي، قد أعطيت فيها عشرين ألفًا. تريد أن تزيدني؟ أو يقول: ما بعتها. فكم تشتري أنت؟ فمثل هذا كذلك يدخل في معنى النجش. وأيضًا مما ذكر من صور النجش: ما يأتي في الإعلانات المغرية في وسائل الإعلام، من إغراءات المغرية، أو من الإعلانات المغرية في وسائل الإعلام: سلعة كذا وكذا، مواصفاتها كذا وكذا، وثمنها كذا وكذا، لكن تخفيضات هائلة بكذا وكذا. واضح يا جماعة، فيكون سعرها على غير السعر، ولكن يفعلونها إعلانات إغراء للمشتري، حتى يشتري السلعة وإن كانت هي دون ذلك الثمن. بالنسبة لما ذكرناه في قول الجمهور: أن بيع النجش صحيح، فيه أنه إذا كان فيه غبن فاحش، فإنه بالخيار. قد يقول قائل: ما هو ضابط الغبن؟ واضح يا جماعة. وهذا قد تقدمت معنا المسألة: ما هي المسألة التي تقدمت معنا؟ أن الصحيح من أقوال أهل العلم أنها عائدة إلى العادة. بعض أهل العلم قيدها بالثلث، بعضهم قيدها بالربع. والصحيح من أقوال أهل العلم أنها عائدة إلى عادة الناس. يسأل أهل الخبرة: هل هذا غبن فاحش أم لا؟ فيها خديعة، فيها ضرار. إذا قالوا: نعم، هذا واضح. يعني بالكثير، بالكثير. إذا بيعنا السلعة كذا وكذا. أما فوق كذا، هذا معروف أنه كما يقال خدعه وغبنه. فإذا قال أهل الخبرة هذا، فالقول قولهم. واضحة يا جماعة، المراد بالعادة ليس عادة كل أحد، ولكن عادة المختصين، الخبراء. مثلا السيارات، رجع لمن؟ إلى أصحاب. أصحاب سمكرة. واضحة يا جماعة. يعني فيها مثلا عيب فيها كذا. أو أصحاب مثلا معارض. أصحاب الأراضي رجع لأصحاب العقارات. أصحاب مثلا الخضار رجع لأصحاب الخضار. فأهل الخبرة في كل مجال هم الذين يحددون هذا الأمر. واضحة يا جماعة. يحددون هذا الأمر. بقيت مسألة: وهي أن قد يقول قائل: ما هو السبب الحامل للناجش في النجش؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أسبابًا. منها: ما ذكر من أن يكون النجش والبائع لأجل أن يأخذ السعر الأكبر في سلعته. فهذه من الأسباب. ومن الأسباب: أن يكون الناجش متواطئًا مع البائع لأجل شيء بينهم. أو أن يكون مثلا صديقًا له، صاحبا له. وكذلك من الأسباب: أن يكون المشتري عدوًا له. واضحة يا جماعة، عدوه المشتري. يقول: خلينا اليوم نعطيه كما يقال درس. ونؤدبه فيه. يعطيه سعرًا حتى يوصل إلى سعر معين. قال: فتح الله عليه. خذ من باب ما لا يخاف. من باب الانتقام. هذه أضم الأسباب. قالوا: من الأسباب أيضًا: أن يظهر الناجش بأنه ذو مال، أنه رجل من أصحاب الأموال الطائلة. فيدخل مع التجار: بكام؟ بكذا بكذا. ويعطي أموال الناس كما يقولوا: ما شاء الله. والله إنسان هذا رجل ما هو؟ وهو إنما ما يريد أن يتظاهر على الناس بأنه ذو مال. وأيضًا من الأسباب: أن يكون من باب التطفل، الفضول. تطفل الفضول. ما يريد شيء، ولا يريد شيء. فضولي. كم؟ بكذا كذا كذا كذا كذا. دخل بماذا؟ فضولًا. ومن باب اللعب. فهذه بعض أسباب النجش. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.