التعليقات على كتاب الأدب المفرد 112

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 112، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطورة تكفير المسلم لأخيه

يتناول الحديث النبوي حول تحريم تكفير المسلم لأخيه بغير حق، ويشرح معاني وتأويلات أهل العلم لهذا الحديث. يحذر من عودة التكفير على صاحبه إذا كان بغير موجب شرعي.

الاستعاذة من شماتة الأعداء وآثارها

يشرح أهمية الاستعاذة من شماتة الأعداء كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويحذر من الأفعال التي تفرق أهل الحق وتثير الشقاق بينهم، لأن ذلك يفرح الأعداء.

هدي النبي في الاستعاذة وثلاثة أمور يرضاها الله

يناقش اتباع هدي النبي في الاستعاذة من سوء القضاء وشماتة الأعداء، ويذكر أن الله يرضى إخلاص العبادة والاعتصام بحبل الله وتناصح المسلمين مع ولاة الأمر، ويسخط قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.

تعريف العبادة ومفهومها

يشرح تعريف العبادة بأنها التذلل والخضوع لله سبحانه وتعالى، وتشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ولا تصرف إلا لله عز وجل.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد، باب من قال لأخيه يا كافر، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني مالك، وهو إمام دار الهجرة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل قال لأخيه يا كافر، أو لأخيه كافر، فقد باء بها أحدهما». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. قال: حدثنا سعيد بن داود، قال: حدثنا مالك، أن نافعا حدثه، أن عبد الله بن عمر أخبره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الرجل لأخيه كافر، فقد كفر أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجع عليه». والحديث صحيح، وقد أخرجه الإمام مسلم رحمه الله. وفي هذين الحديثين بيان حكم من قال لأخيه يا كافر، وقد مر معنا في أبواب مضت أنه لا يجوز للمسلم أن يقول لأخيه يا كافر، فإن هذا من السب والشتم الذي لا يجوز أن يقوله المسلم لأخيه، ومن ذلك أن يقول له يا كافر. ذكر أهل العلم لهذا الحديث تأويلات ومعاني، لأن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المسلم إذا ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب فإنه لا يكفر، لا يكفر بمجرد ارتكاب الكبيرة، والتكفير بالكبائر هذا من عقيدة الخوارج والمعتزلة. ولهذا فما هو المراد من هذا الحديث بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فقد باء بها أحدهما»؟ قال بعض أهل العلم: المراد في ذلك المستحل الذي يستحل تكفير أخيه المسلم، فإنه يكفر. وهذا القول ضعيف، لأن المستحل يكفر بمجرد الاستحلال وإن لم يفعل الكفر. وقيل: إن المراد بهذا الحديث من كان يكفر المؤمنين، كالرافضة والخوارج، الذين يكفرون أهل الإيمان ويرمونهم بالكفر، فيكون هذا الحديث المراد به هم هؤلاء. وقيل: إن المراد بالحديث «فقد باء بها أحدهما»، أي أن هذا الذي يرمي ذاك البريء بالكفر وليس هو كذلك، فإنه يؤول به الأمر إلى أن يقع في الكفر. وقيل: الذي يرجع عليه هو التكفير، ليس الكفر، «فقد باء بها أحدهما» باء أي بالتكفير، فكأنه كفر نفسه. وقيل أيضا: أن الكفر بريد المعاصي، المعاصي توصل إلى الكفر، فيكون المراد «باء بأحدهما» أي وقع في المعاصي، والمعاصي توصل إلى الكفر. وأقرب هذه الأقوال -والله أعلم- «فقد باء بأحدهما» أي باء بالتكفير، أي يرجع التكفير عليه، فكأنه كفر نفسه بذلك حين قال لأخيه المسلم يا كافر وليس كذلك، أي ليس هو بكافر، فيرجع التكفير عليه، فكأنه كفر نفسه. ويحتمل أيضا المعنى الآخر، وهو أنه قد يؤول به الأمر إلى الكفر، قد يؤول به الأمر إلى الكفر، إن يقع في شيء مما يوقعه في الكفر. وهذا يدل على خطورة التكفير، خطورة تكفير المسلم لأخيه بغير حق. قال: باب شماتة الأعداء، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا سفيان، وهم نعيم بن حماد، عن سمي، عن أبي صالح، وسمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من سوء القضاء وشماتة الأعداء. الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من سوء القضاء، والمراد من سوء القضاء أي الاستعاذة من المقضي، لا من حكم الله سبحانه وتعالى، لأن حكم الله كله حسن، حكم الله كله حسن، وإنما تستعيذ مما قضي فيما يتعلق بالأهل والمال والولد، فتستعيذ من سوء القضاء. هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله عز وجل من ذلك، كان يتعوذ من سوء القضاء وشماتة الأعداء أيضا. كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ من شماتة الأعداء، والشماتة أي فرح الأعداء بالمصيبة التي تصيب عدوهم، وبذلك البلية التي تنزل بهم، فهذا مما كان يستعيذ به النبي عليه الصلاة والسلام. يشمت الأعداء بأهل الحق، يستعيذ من شماتة الأعداء فرحهم بما يحصل بينهم، كأن يحصل بينهم شقاق ويحصل بينهم نزاع، فما الذي يفرح بذلك؟ يفرح بذلك أعداءهم، يفرحون عندما يرون أهل الحق قد تفرقوا وتمزقوا وحصل بينهم الشقاق والنزاع والخصام، فإنهم يفرحون بذلك، هذا كان يستعيذ منه النبي عليه الصلاة والسلام، هذا شماتة الأعداء، هذا من شماتة الأعداء. فالمسلم ينبغي عليه أن يحذر أن يكون سببا في شماتة الأعداء بأهل الحق، كان يتكلم في إخوانه بغير حق ويتهمهم بالاتهامات الباطلة والاتهامات الجائرة، يرمي إخوانه من أهل العلم ومن أهل التقوى والصلاح بأنهم مبتدعون، بأنهم حزبيون بغير برهان ولا حجة، فيحصل الشقاق ويحصل النزاع في أوساط أهل الحق، ثم تحصل الاتهامات وتحصل الردود والأخذ والعطاء وتمزيق الصف وتشتيت الجمع، ما الذي يفرح بهذا؟ يفرح به الأعداء، يشمت الأعداء بأهل الحق. يقول: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم أصحاب الحق يرد بعضهم على بعض ويتكلم بعضهم في بعض، فيشمتون بأهل الحق، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من هذا الأمر، وينبغي للمسلم أن يحذر أن يكون سببا في شماتة الأعداء، يفتح لهم السبيل ويهيئ لهم الطريق حتى يشمتوا بأهل الحق، هذا مما لا ينبغي أن يفعله المسلم. فكيف إذا كان ممن ينتسب للعلم وممن يحسب أنه من العلماء، لا يبالي بتمزيق دعوة ولا بتفريقها ولا بتشتيتها، ولا كذلك بشماتة الأعداء بها، همه أن يتكلم وأن ينصر نفسه وأن ينتقم من إخوانه ويشفي صدره منهم، وإن تمزقت الدعوة شذر مذر لا يبالي، هذا والله من المؤسف أن يكون هذا في أوساط أهل الحق، من يكون هذا منهجه وهذا خلقه. فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث كان يتعوذ عليه الصلاة والسلام من سوء القضاء وشماتة الأعداء، وهكذا ينبغي للمسلم أن يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام، يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام ويستعيذ من سوء القضاء وشماتة الأعداء. وكأن المؤلف رحمه الله ذكره بعد ذكر هذه الأبواب التي فيها التحذير من سب المسلم لأخيه وشتمه أو قوله يا كافر أو نحو ذلك، فكأنه يشير رحمه الله إلى أنه ينبغي للمسلم أن يحفظ لسانه وأن لا يتهم إخوانه بشيء هم منه براء، أو يسبهم أو يشتمهم، لأن ذلك مما يشمت بسببه الأعداء، مما يشمت بسببه الأعداء، فلهذا ذكر رحمه الله هذا الحديث بعد ذكر هذه الأبواب. قال رحمه الله: باب السرف في المال، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». هذا الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم رحمه الله. وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يرضى لنا ثلاثا ويسخط علينا ثلاثا، يرضى أن نعبده ولا نشرك به شيئا، وأن نعتصم بحبل الله جميعا، وفي رواية مسلم: «ولا تفرقوا»، أن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، هذه ثلاث أمور رضيها الله سبحانه وتعالى. أولها أعظم الواجبات التي أوجبها الله سبحانه وتعالى وأمر بها، وهي عبادته سبحانه، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، فالله عز وجل يرضى من عباده أن يعبدوه ويخلصوا له العبادة، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، كما قال سبحانه: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾، وهكذا أيضا: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه، أي لا تعبدوا إلا الله سبحانه وتعالى وحده. والعبادة هو التذلل والخضوع لله سبحانه وتعالى، التذلل والخضوع، ومن سمية الأرض المذللة يقال لها أرض معبدة، أي مذللة للمرور، فالعبادة هي الذل والخضوع لله سبحانه وتعالى، وهذا الذل والخضوع لا يكون إلا لله عز وجل، لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. وعرف شيخ الإسلام رحمه الله العبادة بقوله: «هو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة»، فكل ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه من قول أو فعل ظاهر أو باطن فهو عبادة، فهذه العبادة لا تصرف إلا لله سبحانه وتعالى. وإن شاء الله نترك الكلام على هذا الحديث في درس قادم لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلم.