التعليقات على كتاب الأدب المفرد 80

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 80، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الثناء على الآخرين وضوابطه

يتناول شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الثناء على بعض الصحابة، ويبين جواز الثناء إذا أمنت الفتنة. الإطراء المذموم هو ما قد يؤدي إلى الافتتان.

ضوابط الغيبة ومشروعية الجرح والتعديل

يشرح حديثا نبويا يدل على جواز غيبة من أعلن الفسق أو البدعة، ويبين مشروعية الجرح والتعديل لتحذير الناس من أهل الفسق والبدع. كما يفرق بين المداراة والمداهنة.

التمييز بين المداهنة والمداراة في التعامل

يفرق بين المداهنة المحرمة وهي بذل الدين لإرضاء الناس، والمداراة الجائزة وهي إظهار الكلام الحسن لاتقاء شر الناس دون تنازل عن الدين. يجب على المسلم رضا الله ولو سخط الناس.

منزلة الصحابة عند الله تعالى

يصف رضا الله تعالى عن الصحابة وعلو منزلتهم، حيث يشير إلى أن رضا الله عنهم يجعل الناس راضين عنهم أيضا.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب من أثنى على صاحبه إن كان آمنا به، قال: حدثنا عبد العزيز عن عبد الله، قال: حدثني عبد العزيز عن أبي حازم، عن سهيل، ومن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة. ورواية سهيل عن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة لم يخرج الإمام البخاري رحمه الله منها شيئا في صحيحه؛ لأنها ليست على شرطه، وأكثر منها الإمام مسلم رحمه الله، وإنما روى عنها وذكرها في هذا الكتاب؛ لأنه لم يشترط فيه الصحة، أو كذلك أيضا ما اشترط فيه من الصحة ما اشترطه في صحيحه، قال: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن عمر بن الجموح، نعم الرجل معاذ بن جبل»، قال: «وبئس الرجل فلان، وبئس الرجل فلان» حتى عد سبعة. الحديث صحيح، صححه شيخ الألباني رحمه الله. وفيه ما بوب عليه الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب، باب من أثنى على صاحبه إن كان آمنا به، يعني إذا كان آمن من عدم الافتنان، عدم الافتتان والاغترار، فلا بأس، فلا بأس إذا أثنى عليه بشيء هو فيه، فقد ذكر رحمه الله في الباب الذي تقدم ما جاء في التمادح، وذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام في الرجل الذي أثنى على صاحبه وأطراه في المدحة: «قطعتم عنق الرجل»، وفي لفظ: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل»، حيث أبي بكرة، وحديث أبي موسى أيضا، ففيها ذم المدح والإطراء فيه، ثم ذكر في هذا الباب أحاديث تدل على جواز ذلك إذا أمنت الفتنة، إذا أمنت الفتنة، فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أثنى على هؤلاء الصحابة: «نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل»، وذكره جماعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم، أثنى عليهم، وهكذا أيضا مثله قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر أو لأبي بكر حين أخبره أنه إذا ركب يسترخي عليه، قال: «إنك لست ممن يطيل خيالا»، هذا ثناء على أبي بكر، وهكذا أيضا: «لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا»، هذا من الثناء، وهكذا أيضا غير ذلك مما ثبت. فهذا يحمل إذا كان قد أمن الفتنة أو أمن الافتتان من هذا الممدوح، إذا أمن ذلك فلا بأس أن يثنى عليه بشيء من الثناء مما هو فيه، وأما إذا خشي ولم يأمن الفتنة عليه فلا يجوز، فلا يجوز أن يمدح وأن يثنى عليه. وفي هذا الحديث أيضا فضيلة لهؤلاء الصحابة، فضيلة لهؤلاء الصحابة الذين أثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة، وأسيد بن حضير، وثابت بن قيس، ومعاذ بن عمر، ومعاذ بن جبل، هؤلاء أثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، ففي هذا فضيلة لهم رضي الله تعالى عنهم. «وبئس الرجل فلان، وبئس الرجل فلان»، يعني ذم أقواما ورجالا عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثنا أبي عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي يونس مولى عائشة: أن عائشة قالت: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس ابن العشيرة»، فلما دخل هش له وانبسط إليه، فلما خرج الرجل استأذن آخر، قال: «نعم ابن العشيرة»، فلما دخل لم ينبسط إليه كما بسط إلى الآخر، ولم يهش إليه كما هش للآخر، فلما خرج قلت: يا رسول الله، قلت لفلان ما قلت، ثم هششت إليه، وقلت لفلان ما قلت ولم أرك صنعت مثله؟ قال: «يا عائشة، إن من شر الناس من يتقي لفحشه». وهذا الحديث بهذا السياق، وهذه السنة الضعيف، إلا قوله: «يا عائشة، إن من شر الناس من يتقي لفحشه»، فهو صحيح في الصحيحين، وهكذا أيضا قصة الرجل الأول حين قال: «بئس ابن العشيرة»، هذا أيضا ثابت في الصحيحين. وفي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام ذم رجلا، فلما دخل عليه هش له وانبسط إليه، يعني أحسن الخطاب معه وألان له الكلام، مع أنه قبل ذلك ذمه وقال: «بئس ابن العشيرة». وهذا الحديث فيه دليل على جواز غيبة المعلن للفسق والبدعة، وهو دليل من الأدلة الكثيرة على جواز ومشروعية الجرح والتعديل، على مشروعية الجرح والتعديل لمن استحق الجرح لصاحب بدعة، صاحب فسق، فلا بأس أن تذكره حتى يحذر الناس منه: «احذروا فلانا» حتى لا يغتروا بما عنده من ضلال، فهذا جائز، وهو أحد المواضع المستثنى فيها الغيبة؛ لأن الأصل هو حرمة عرض المسلم؛ لأن أعراضكم ودماءكم وأموالكم عليكم حرام، فالأصل لا يحل الكلام في عرض مسلم، فإن اذتكب بدعة أو فسق وخشي من الناس أن يغتروا به، فلا بأس أن يحذر منه، بل يجب التحذير منه حتى لا يغتروا به. وجمعها بعضهم في قوله: «القدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومحذر، ومعرف، ومجاهر فسقا، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكري»، فهذه المواضع الستة لا يعد ذكر الغائب فيها من الغيبة، لا يعد من الغيبة المحرمة إذا كان هذا هو القصد، هو التحذير من صاحب البدعة والفسق، أما أن يذكر ويحذر منه وهو على منهج صحيح وعقيدة صحيحة، فهذه تعد غيبة وتعد كذلك وقوعا في الأعراض التي حرمها الله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا فيه كذلك جواز مدارات أهل الفسق والبدع إذا خشي منهم الشر، يعني اتقاء لشرهم، اتقاء لشرهم ما لم يؤدي ذلك إلى الوقوع في المداهنة في دين الله سبحانه وتعالى، فهذا لا يجوز، فرق بين المداراة وبين المداهنة، فرق بين المداراة وبين المداهنة، المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو صلاح الدين أو صلاح الدنيا والدين، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا، بذل الدين لصلاح الدنيا هذا لا يجوز، محرم، تداهن في دين الله من أجل دنياك، كما يفعل كثير من الحزبيين، تجده يداهن الناس من أجل يماشيهم، يرتكب ربما معهم المحرمات مداراتا للناس، وهي مداهنة، لا ينكر المنكر ويزعم أنها مدارة وهي مداهنة، مداهنة في دين الله سبحانه وتعالى، ربما يحلق لحيته: «ما لك يا فلان؟ قال: الله، اللحية هذه تنفر الناس، فنحن نرغبهم»، فيحلق لحيته ويرتكب المعصية، هذه المداهنة، ربما يسب الإزار من أجل الناس، ربما يرتكب البدع كما رأيت بعضهم، بعض الإخوان المسلمين، فربما يأتي بأذكار الصلوات الجماعية: «ما لك يا فلان؟ قال: نرغبهم»، يرغبهم بالبدع، هذه المداهنة بذل الدين لأجل الدنيا، هذا لا يجوز. وكما أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن الكفار أرادوا ذلك، «ودوا لو تدهنون فيدهنون»، ودوا لو أنك تداهنهم وتماشيهم على ما أرادوا، هذا محرم وإضاعة للدين، إضاعة للدين. وأما المداراة كما سمعنا هو بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو لصلاح الدين، هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه ذم هذا الرجل، فلما دخل إليه أحسن له الكلام اتقاء لشره، ولم يرتكب معصية، لم يرتكب معصية ولا تنازل عن شيء من الدين، فهذا لا شيء فيه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن من شر الناس من يتقي لفحشه»، من يتقيه الناس لشر فحشه، إما لفحشه كلامه أو أفعاله، فتتقيه بإظهار الكلام الحسن، إظهار الكلام الحسن حتى لا تتأذى منه، من غير تنازل عن شيء من الدين، من غير تنازل عن شيء من الدين، هذا الواجب الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، ألا يتنازل عن شيء من دينه، شيء فيه مداراة للناس من غير تنازل عن الدين، فنعم، لا بأس، من غير تنازل عن شيء من الدين. وأما إذا كان فيه شيء من التنازل فلا يجوز، بل الواجب أن تحكم بما أمر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تخشى في الله لومة لائم، تصدع بالحق، تصدع بالحق، فتأمر بالأوامر وتنهى عن النواهي، رضي من رضي وسخط من سخط. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس»، أنت ترضي الناس بسخط الله، ترتكب المحرمات والمنهيات لأجل إرضاء الناس، فيسخط الله سبحانه وتعالى عليك، وإذا سخط عليك أسخط عليك الناس وأوقع في قلوب الناس بغضهم لك، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في مسلم: «وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل: إني أبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضوه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض»، يوضع له البغضاء في الأرض، أنت ترضيهم والله يسخط عليك، ما ينفعك إرضاؤهم، بل والنتيجة أنهم يسخطون عليك. لكن إذا أرضيت الله سبحانه وتعالى رضي الله عنك وأرضى عنك الناس، رضي الله تعالى عنك وأرضى عنك الناس، أوقع في قلوبهم محبتك والرضا عنك، مع ما أنت فيه من الحق، هذا الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، أن يرضي الله سبحانه وتعالى ولو سقط الناس، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة بحمد الله، أنهم يرضون الله سبحانه وتعالى ويتقربون إلى الله جل وعلا بتطبيق الكتاب والسنة ولو سقط الناس، فهم ينظرون إلى رضا الله عز وجل، وإذا رضي الله جل وعلا عنهم أرضى عنهم الناس.