الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 117، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول شرح حديث النبي حول التطاول في البنيان كعلامة من علامات الساعة وتوضيح تواضع بيوت النبي وأزواجه. كما يشير إلى أهمية التواضع وعدم التعلق بالدنيا.
يناقش نهي النبي عن الدعاء بالموت وعلاقة الكي بالدنيا، مشيرًا إلى أن المؤمن يزداد خيرًا مع تقدم العمر. كما يحذر من الإسراف في البناء والتزين الزائد.
يشدد على أهمية قصر الأمل وعدم الاغترار بطول البقاء في الدنيا، حيث ينبغي للإنسان أن يكون مستعدًا للموت ويعمل لما بعد الموت بالأعمال الصالحة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب التطاول في البنيان، قال: حدثنا إسماعيل، ومن أبي ويس، قال: حدثني من أبي الزناد، عن أبيه، عن عبد الرحمن الأعرج، وعبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان». الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري. وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة مما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام ووقع، لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان، وهذا الأمر قد وقع، وهو تطاول الناس في البنيان. ومعنى ذلك أن يرتفع البناء ارتفاعًا عاليًا، وكل واحد يحب أن يكون بيته أعلى وأرفع، فهذا علم من أعلام الساعة. وقيل: إن المراد بالتطاول بنيان، زخرفت البيوت، وتنقيشها، فإن هذا كذلك من التطاول، وهذا مما قد وقع أيضًا، البناء الطويل وزخرفت البيوت، كل ذلك قد وقع، فهذا علم من أعلام الساعة، وهي من علامات الصغرى التي قد وقعت. قال: أخبرنا عبد الله، قال: حدثنا حريث، من السائم، قال: سمعت الحسن يقول: كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان، فأتناول سقوفها بيدي. وهذا الأثر صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه هذا الأثر بيان ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الزهد في الدنيا، وهكذا أيضًا ما كان عليه أزواجه رضي الله تعالى عنهن، فكانت بيوت النبي عليه الصلاة والسلام متواضعة، وكانت كذلك قصيرة. قال الحسن: كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان، فأتناول سقوفها بيدي، يتناول السقف بيده، وهذا دليل على أن السقف منخفض، وأن البيت غير مرتفع، وهذا هو بيوت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كانت منخفضة وقصيرة، ولم تكن مرتفعة. وهذا يدل على زهد نساء النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وبالسند عن عبد الله، قال: أخبرنا داود بن قيس، قال: رأيت الحجرات -يعني حجرات أزواج النبي عليه الصلاة والسلام- من جريد النخل، مغشاة من خارج بمسوح الشعر. وأظن عرض البيت من باب الحجر إلى باب البيت نحوًا من ست أو سبع أذرع، وأحزر البيت الداخل عشر أذرع، وأظن سمكه بين الثمان والسبع نحو ذلك. ووقفت عند باب عائشة، فإذا هو مستقبل المغرب. وهذا الأثر كذلك صحيح. وفيه أيضًا كما مر ما كان عليه حجرات أزواج النبي عليه الصلاة والسلام من صغر البيوت وتواضعها، كانت من جريد النخل -يعني أعواد النخل- مغشاة من خارج بمسوح الشعر، والظاهر أنه الجلد أو الشعر الذي قد مسح. وعرض البيت نحوًا من ستة أو سبع أذرع، البيت عرضه سبعة أذرع، وطوله نحو من عشر أذرع، وهذا يدل على صغر هذا البيت، هذا كانت بيوت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام خير هذه الأمة، مما نصطفاه الله سبحانه وتعالى للنبوة والرسالة، ومع ذلك فكانت هذه بيوت أزواجه كانت على هذا الوصف من التواضع، وكذلك أيضًا صغر البيوت. قال: بالسند عن عبد الله، قال: أخبرنا علي بن مسعدة، عن عبد الله الرومي، قال: دخلت على أم طلق، فقلت: ما أقصر سقف بيتك هذا؟ قالت: يا بني، إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عماله ألا يطيلوا بناءهم، فإنه من شر أيامكم. وهذا الأثر ضعيف، ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله بسبب عبد الله وأم طلق لا يعرفان، أي مجهولان. قال: باب من بنى، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن الأعمش، عن سلام بن شرحبيل، عن حبة بن خالد، وسواء بن خالد، أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج حائطًا أو بناء له، فأعاناه. وهذا الحديث ضعيف، ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة. قال: حدثنا آدم، ومن أبي ياس، قال: حدثنا شعبة، ومن الحجاج، عن إسماعيل، عن أبي خالد، عن قيس، عن أبي حازم، قال: دخلنا على خباب نعوده، وقد اكتوى سبع كيات، فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإن أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. الحديث صحيح، هو في الصحيحين. وهنا سؤال: حديث جرير في الرؤية «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته» من طريق إسماعيل، عن أبي خالد، عن قيس، عن أبي حازم، ماذا قال وكيع؟ نعم، قال وكيع: من رد حديث إسماعيل، عن أبي خالد، عن قيس، عن أبي حازم في الرؤية فهو جهمي. هذا الحديث يذكر قيس، عن أبي حازم رحمه الله، أنه دخل على خباب -وهو الصحابي رضي الله تعالى عنه- نعوده -يعني من مرض- وقد اكتوى سبع كيات، يعني خباب اكتوى سبع كيات، والكي علاج من العلاجات التي كان يستخدمها العرب، وأقرها الإسلام، أقرها النبي عليه الصلاة والسلام، مع نهيه عنه «شفاء أمتي في ثلاث: شربة عسل، أو شرطة محجم، أو كيات نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي»، يعني ينهى عنه نهي كراهة، وهو مكروه مع الجواز إذا احتاج له الإنسان، فإنه لا بأس أن يكتوي، لكن يعلم أنه إن اكتوى لا يكون من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. وسبب النهي هو أنه علاج بالنار، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التعذيب بالنار «لا يعذب بالنار إلا رب النار»، لأجل هذا كره النبي عليه الصلاة والسلام الكي. فقال: «إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا» يعني لم تضرهم هذه الدنيا، ولم كذلك أيضًا ينقصهم شيء منها، مع ما كانوا عليه من قلة ذات اليد، ومن كذلك أيضًا الحاجة، ومع ذلك لم تضرهم شيئًا. «وإن أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب» يعني أصبنا من المال ما قد كثر، ولا نجد له موضع إلا التراب، ويريد به البناء، أننا نضعه في البناء، وهو مما يذهب، مما يذهب ولا ينتفع به. قالوا: «لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به». وهذا كذلك فيه أنه نهى أن يدعو الإنسان على نفسه بالموت، لا يجوز للمسلم أن يدعو على نفسه بالموت، أن يقول: اللهم أمتني، أو نحو ذلك. وإن أصابه شيء فثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أصابه ضر فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي»، يعني إن كنت لابد فاعلًا فليقل هذا الدعاء، لا تدع بالدعاء بالموت، لكن قل: «اللهم إن كانت الحياة خيرًا لي فأحيني، وإن كان الموت خير لي فتوفني»، لماذا؟ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لأن المؤمن يزداد بعمره خيرًا»، إن المؤمن يزداد بعمره خيرًا، فربما يتزود بحسنات من الحسنات، أو يتوب من ذنب وقع فيه، إن المؤمن ليزداد بعمره خيرًا، فلهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو على نفسه بالموت. وشاهد من هذا الأثر قوله: «وإن أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب» يعني من البناء، وكذلك أيضًا وضعه في غير حاجة، فهذا مما يكره، هذا مما يكره عليه، يحمل ما ورد من التزييد في هذا الأمر -أي من أمر البناء- ما كان في غير الحاجة. قال: ثم وجدناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له، فقال: «إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في التراب» يعني خباب رضي الله تعالى عنه يقول: وقد وجدوه يبني حائطًا له، «إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه» أي من المال «إلا في شيء يجعله في التراب» يعني يجعله في البناء، وهذا كما قلنا يحمل على البناء الذي لا حاجة له، الذي لا حاجة له فهذا مما لا يؤجر عليه، وأما إن كان مما لا حاجة فإنه إن شاء الله يؤجر عليه. قال: حدثنا عمر -وهو ابن حفص بن غياث- قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش -وهو سليمان مهران- قال: حدثنا أبو السفر، عن عبد الله بن عمر، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصلح خصًا لنا، فقال: «ما هذا؟» قلت: أصلح خصنا يا رسول الله، قال: «الأمر أسرع من ذلك». الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. والخص هو البيت الذي يعمل من القش والقصب، قيل: سمي بذلك لما فيه من القصاص، وهي الفرج والثقوب. مر النبي عليه الصلاة والسلام عليهم، هم يصلحون هذا البيت من القصب والخشب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أرى الأمر إلا أسرع من ذلك» يعني أن الموت أسرع من بقاء الإنسان في الدنيا، وهذا تذكير من النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الدنيا، هذا مع بنائهم لهذا البيت المتواضع من قصب وخشب، فكيف إذا كان بنائه بالمواد الحديثة -الأحجار والإسمنت- والقيام كذلك أيضًا بما هو زائد عن ذلك من الزخرفة والتزيين، فهذا كذلك مما لا يؤجر عليه المسلم مما ينفقه في التراب. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الأمر أسرع من ذلك» يعني أن الموت أسرع من بقاء الإنسان في الدنيا، سيعمر سنوات محدودة ثم يذهب ويترك هذا المال الذي وضعه في هذا الموضع، ولا ينتفع منه بشيء. ويريد النبي عليه الصلاة والسلام بذلك أن لا يعلق الإنسان قلبه بالدنيا، وأن ينظر إلى الآخرة وما ينفعه بين يدي الله سبحانه وتعالى. ولهذا ذكر بعض أهل العلم هذا الحديث -كالإمام الترمذي رحمه الله- فيما يتعلق بقصر الأمل، أن الإنسان أمله قصير، وعمره قصير، فينبغي أن لا يؤمن نفسه بطول البقاء، لا يؤمن نفسه بطول البقاء، بل يعلم أنه ذاهب من هذه الدنيا، وأن الموت يأتيه بغتة، فلا ينفعه شيء إلا ما قدمه بين يديه. والله تعالى أعلم.