الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 149، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش معيار الرفعة عند الله، حيث يُبين أن الرفعة بحسب تقوى الله وليس المظاهر أو الأنساب أو الأموال. نظر الشرع ينظر إلى القلوب والأعمال.
يشرح ميزان الإسلام للتفاضل بين الناس، حيث يُرفع من كان قريبًا من الله بتقواه. الميزان الحقيقي للتفاضل هو تقوى الله وليس النسب أو المال أو الجاه.
يتناول أهمية التوحيد وفضل كلمة لا إله إلا الله، مستشهدًا بأحاديث نبوية وقرآنية. جميع الأنبياء يدعون إلى التوحيد وهو الأصل الذي خلق الله الجن والإنس لأجله.
يُشير إلى أن الأعمال لا تقبل إلا بالتوحيد، ويُبرز أهمية كلمة التوحيد باعتبارها عظيمة وثقيلة كالسماوات والأرض. التوحيد أساس قبول الأعمال عند الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا في الدرس الماضي في كتاب العذب الفريد عند حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه، وهو حديث طويل. وفي هذا الحديث يخبر عبد الله بن عمر أنه كان هو ومن معه من الصحابة جلوسا عند النبي عليه الصلاة والسلام. فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة صوف، حتى قام على رأس النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «إن صاحبكم قد وضع كل فارس، أو قال: يريد أن يضع كل فارس، ويرفع كل راع». ويريد بهذه الكلمة أن يصف النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يريد أن يضع من كان شريفا، ومن كان رفيعا في قومه، وأراد أن يرفع من كان وضيعا. هذا معنى قوله: «يريد أن يضع كل فارس، ويرفع كل راع»، يعني يرفع من لا يستحق الرفعة، ويضع من يستحق أن يرفع. وهذا هو ميزان من لم يعرف حقيقة الأمر الذي به يرفع العبد عند الله سبحانه وتعالى. فإنك تجد نظرة كثير من الناس نظرة دنيوية، ونظرة إلى الأمور الظاهرة، فبها يميزون الناس، فيرون أن الرفيع من كان ذا مال، أو كان ذا نسب، أو كان ذا شرف، فهذا الذي يستحق أن يرفع، ويستحق أن يكرم، دون النظر إلى ما عليه من دين وخلق واستقامة على شرع الله سبحانه وتعالى. وهذه نظرة قاطئة. لكن نظر الشرع لا ينظر إلى الأنساب، ولا إلى الأحساب، ولا إلى الأموال، ولا إلى الأشكال، ولا إلى المظاهر، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فأكرم الخلق عند الله سبحانه وتعالى أتقاهم، من كان تقيا لله سبحانه وتعالى، فهو أكرم الخلق عند الله، ولو كان عند الخلق وضيعا، وإن كان عندهم غير شريف، ولا ذي نسب. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». لا ينظر الله عز وجل إلى المظاهر والصور، ولا إلى الأموال، بل ينظر إلى القلوب والأعمال. الرفعة تكون بحسب الإيمان، وبحسب الاستقامة، وبحسب التقوى في القلب. ولهذا رفع الله عز وجل من رفع ممن كان على تقوى لله عز وجل، وإن لم يكن من أهل النسب والشرف. رفع الإسلام سلمان الفارسي، ورفع صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وهكذا غيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ممن ليس عنده ذاك النسب والشرف. ومع ذلك وضع من كان عنده نسب وشرف بسبب بعده عن دين الله سبحانه وتعالى. وضع أبا لهب، وهو عم النبي عليه الصلاة والسلام، عمه، ومع ذلك فهو في نار جهنم. ما نفعه نسبه، ولا نفعه جماله ومظهره. قيل: سمي أو كني بأبي لهب لشدة احمرار وجهه. ومع ذلك فهو في نار جهنم: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾. وهكذا عمه أبو طالب، عم النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فهو في نار جهنم. قال العباس للنبي عليه الصلاة والسلام: «ماذا أغنيت عن عمك؟ فإنه كان يحوطك وينصرك». فقال عليه الصلاة والسلام: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». ما نفعه نسبه، وما نفعته قرابته من النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه لم يؤمن ولم يسلم. إذن فالعبرة هي بتقوى الله سبحانه وتعالى. في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قالوا: «يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم». قالوا: «ليس عن هذا نسألك». قال: «يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله». قالوا: «فليس عن هذا نسألك». قال: «فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». انظروا أول ما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم». أكرم الناس أتقاهم لله سبحانه وتعالى. هذا هو الميزان الذي ينبغي أن يؤذن به الناس. وكما قال القائل: «عليك بتقوى الله في كل ساعة، ولا تترك التقوى اتكالا على النسب. لقد رفع الإسلام سلمان فارس، كما وضع الكفر النسيب أبا لهب». فهذه النظرة، كما قلنا، نظرة خاطئة، وهي النظر إلى المظاهر، وإلى الأموال، وإلى الأحساب. فلهذا قال هذا الرجل من أهل البادية هذه المقالة. وأهل البادية ممن يعيش في البدو، ويبعد عن المدن، يغلب عليهم الجفاء، وتغلب عليهم القسوة. فقال هذا الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمجامع جبته، فقال: «ألا أرى عليك لباس من لا يعقل». يعني تلبس لباس من لا عقل له، ولباس يخالف ما أمر به الشرع، وهو لباس الحرير. قد نهى النبي عليه الصلاة والسلام الرجال عن لبس الحرير، كما جاء في الصحيحين حديث حذيفة، ومن حديث عمر، وغيرهما من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فلباس الحرير خاص بالنساء، أباحه الشرع للنساء، وحرمه على الذكور، إلا للحاجة والضرورة. فأباحه الشرع كما في الصحيحين في حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للزبير، وعبد الرحمن بن عوف، بلباس الحرير، لحكة بهما، يعني لجرب، ونحو ذلك من الأمراض التي لبس الحرير يخفف من آلامها. فأجاز الشرع لبسها. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن نبي الله نوحا صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة، قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين. آمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأراضين السبع لو وضعن في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن». وفي هذا بيان عظم التوحيد، وكذلك أيضا عظم كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، وأنه لو وزنت «لا إله إلا الله»، ووضعت في كفة في الميزان، ووضعت السماوات، ووضعت السماوات والأراضين السبع في كفة، لرجحت بهن «لا إله إلا الله» لعظمها، وكذلك أيضا لفضلها. وهذا لعلى فضل التوحيد، وفضل «لا إله إلا الله». وبه أيضا بيان أن الأنبياء كلهم على عقيدة واحدة، وعلى أصل واحد، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، والدعوة إلى «لا إله إلا الله»، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد، وأمهاتهم شتى». دينهم واحد، أي كلهم يدعون إلى التوحيد، ويدعون إلى «لا إله إلا الله». وذلك لأن هذا هو الأصل الذي لأجله خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ما خلق الله سبحانه وتعالى الجن والإنس إلا لعبادته، وإفراده بالعبادة. وهكذا أيضا أن جميع الطاعات والعبادات لا تقبل إلا بالتوحيد. لا يقبل الصيام، ولا الصلاة، ولا الزكاة، ولا الحج، ولا سائر الطاعات، إلا بالتوحيد. إذا صلى الإنسان، وصام، وحج، وتصدق، وأنفق، وفعل من الطاعات والقربات، وهو كافر بالله سبحانه وتعالى، ما تقبل منه. وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله. وهكذا من أشرك مع الله سبحانه وتعالى أحدا، فإن أعماله ترد عليه، ولا تقبل منه. ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. فلا تقبل الأعمال إلا بالتوحيد. فلذلك كانت هذه الكلمة عظيمة، وأرجح، وأثقل من السماوات والأرض. نقف إن شاء الله هنا، ونكمل في درس قادم.