كتاب الصلاة 86

الدرس في كتاب الصلاة 86، ألقاها

مدة قصر الصلاة في السفر وتفاصيلها

اختلف أهل العلم في تحديد مدة لقصر الصلاة في السفر، حيث تباينت الآراء بين أربعة أيام وعشرة أيام وتسعة عشر يومًا. ذهب الإمام أحمد إلى أن من نوى الإقامة أربعة أيام يتم الصلاة.

آراء الفقهاء في مدة القصر للمسافر

تباينت آراء الفقهاء في مدة القصر للمسافر، فقال ابن عمر يقصر مطلقًا، وقال ابن عباس يقصر إلى تسعة عشر يومًا. بينما ذهب بعضهم إلى القصر لأربعة أيام أو أكثر.

حكم صلاة المسافر خلف المقيم ومن سافر بعد الوقت

اختلف أهل العلم في حكم صلاة المسافر خلف المقيم، فمنهم من قال بالإتمام ومنهم من قال بالقصر. كما اختلفوا في صلاة من سافر بعد دخول الوقت بين القصر والإتمام.

حكم أداء الصلاة في الوقت للمسافر

يشرح أن الصواب هو أداء الصلاة في وقتها للمسافر، لأن الصلاة شرعت له وهو في حالة سفر. يُؤكد أن المسافر يصلي الصلاة في وقتها ما دام مسافرًا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم المسألة الثالثة: هل لقصر الصلاة مدة محدودة؟ هل لقصر الصلاة مدة محدودة؟ بمعنى أن الإنسان إذا سافر فنزل في بلد ما أو سافر سفرًا ما استغرق وقتًا يومًا أو يومين أو أسبوعًا أو أسبوعين أو شهرين أو سنة أو سنتين، هل له مدة معينة بحيث يقال بعد مدة كذا وكذا لا تكون مسافرًا ولكن تكون مقيمًا، أم أنه ليس له مدة محدودة؟ وقع خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة على أقوال كثيرة. فقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، وإن نوى دونها قصر. وحمل الآثار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في سفرهم؛ لأن الآثار جاءت بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، كما في الصحيح البخاري من حديث ابن عباس. وجاء عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة أو صلى ركعتين في تبوك في غزوة تبوك عشرين يومًا. وجاء عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يقصرون الصلاة دون تحديد، فمنهم من قصر الستة أشهر، ومنهم من قصر السنة والسنتين، ومنهم من قصر أكثر أو دون ذلك. فالإمام أحمد رحمه الله تعالى حمل ما جاء عن الصحابة وقبل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن هذا يحمل على المتردد. ورد هذا العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، فقال: "وفي هذا نظر لا يخفى". قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، وهي معلوم أمرها وعظيم شأنها وما يترتب على فتحها من أمور تحتاج إلى وقت طويل لإقامة دين الله عز وجل فيها. لذا قال ابن القيم: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، وهي ما هي، وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك، ويمهد أمر ما حولها من العرب. قال: ومعلوم قطعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتى في يوم واحد ولا يومين. وكذلك إقامته بتبوك؛ فإنه أقام ينتظر العدو، ومن المعلوم قطعًا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل يحتاج قطعها إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة أيام. وكذلك إقامة ابن عمر باذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلل ويذوب في أربعة أيام بحيث تنفتح الطرق. يذكر ابن قيم رحمه الله تعالى: وثبت هذا عن ابن عمر أنه لما فتحوا أذربيجان حال بينهم وبينها الثلج، فمكث ابن عمر رضي الله عنه وارضاه ستة أشهر يقصر من الصلاة. فاستدل ابن القيم كما ترون هنا، وقبله شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما من أهل العلم، على أن هذا فيه دلالة من مذهب ابن عمر أن المسافر يقصر الصلاة مطلقًا. وهنا قول آخر، وهو عن ابن عباس رضي الله عنه، ما قال: إذا أقمنا تسعة عشر يومًا نصلي ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا. وهذا الأثر ثابت عن ابن عباس رضي الله عنه في صحيح البخاري. قال مالك والشافعي: إنه إذا أقام أكثر من أربعة أيام أتم، وإن كان دونها قصر. واضح أن الفرق بين هذا القول وبين قول الإمام أحمد: أن الإمام أحمد يقول: أربعة أيام، وهؤلاء يقولون: أكثر من أربعة أيام، أي خمسة أيام فما فوق. والرد على هؤلاء: بما تقدم عن ابن القيم رحمه الله. قال: وقال أبو حنيفة: إنها إقامة خمسة عشر يومًا أتم، وإن كانت دونها قصر. وهو مذهب ليس بمنكر، وروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس، وهو قول لابن المسيب. وقال سعيد بن المسيب في قول آخر له: إذا أقمت أربعًا فصلي أربعًا. وهذا قريب من قول الإمام أحمد، إلا أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يجعل الإنسان إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام عليه أن يتم من أول يوم. أما قول سعيد بن المسيب: أنه إذا أقام أربعة أيام صلى تمامًا، وقبل أربعة أيام يخسر. وإن نوى ذلك واضح. الفرق بين مذهب سعيد بن المسيب وبين مذهب أحمد: أن أحمد يقول: من نوى الإقامة في بلد ما أربعة أيام فأكثر، مجرد النية عليه أن يتم من أول يوم يصل إلى ذلك البلد. أما سعيد بن المسيب فيقول: لا، وإن نوى فله أن يخسر لمدة ثلاث أيام، وفي اليوم الرابع يصلي أربعًا. وقال علي بن أبي طالب: إن أقام عشرًا أتم. وهو رواية عن ابن عباس. وقال الحسن: يقصر ما لم يقدم مصرا. أي أنه له أن يقصر ما دام في السير. وقالت عائشة: يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد. بمعنى أنه ما دام حاملًا لزاده ومزاده فهو مسافر. فإذا وضعها ومكث قالت: ذهب عنه وصار مقيمًا. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم إلى أنه لا مدة للمسافر، بل هو مسافر ما لم ينوي إقامة أو استيطان. وحكوا هذا القول عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأنس وعبد الرحمن بن سمرة والمسور بن مخرمة. فالأظهر والله أعلم هو هذا القول في هذه المسألة، وهو أن المسافر يكون مسافرًا ما لم ينوي الإقامة أو الاستيطان. مسألة أخرى متعلقة بهذا الباب: حكم صلاة المسافر خلف المقيم. أي هل عليه أن يتم أم أن يقصر؟ قولان لأهل العلم. فمن أهل العلم من قال: إن عليه الإتمام. وهذا قول رواية عن أحمد. صلاة المسافر خلف المقيم هذه المسألة نعيد فيها الكلام بين أهل العلم. فمن أهل العلم ذهب إلى أن المسافر إذا صلى خلف المقيم عليه أن يصليها تمامًا خلف المقيم مطلقًا. وذهب إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى إلى أنهم يصلون معهم ركعتين فقط. قال: لأنهم مسافرون، فكأنه صلى ركعتين الفجر، فعليه أن لا يزيد على الركعتين. وذهب الشعبي ومسروق وطائفة من أهل العلم إلى أنه إن أدرك مع الإمام ركعة فما فوق فإنه يتم الصلاة، وإن أدرك معه أقل من ركعة فإنه لا يتم الصلاة بل يخسر. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وقال العلامة العثيمين رحمه الله تعالى: وهو قول قوي. مسألة أخرى: صلاة من سافر بعد الوقت. ما حكم من سافر بعد دخول الوقت؟ واضح هذه المسألة. رجل أراد السفر، فتجهز للسفر وتهيأ للسفر، فأذن المؤذن لصلاة الظهر وهو ما زال في بلده، ثم تهيأ للسفر وانطلق. ذكر في المسألة روايتان عن أحمد. الأولى: أن عليه القصر. أي إذا سافر، واضح. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه العلم أن له قصرها. وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي. والقول الثاني: وهو الرواية الثانية عن أحمد، قال: ليس عليه القصر بل عليه الإتمام. قالوا: لأنها وجبت عليه في الحضر، فلزمه إتمامها كما لو سافر بعد خروج وقتها. والصواب هو الأول؛ لأن الصلاة في حقه شرعته وهو مسافر، فما دام مسافرًا فيصليها في الوقت. وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على