الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 181، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح أهمية التوبة ووجوبها على المسلمين مستندًا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم. التوبة سبب عظيم للفلاح والنجاة من الذنوب والمعاصي.
التوبة واجبة بسبب عدم العصمة من الذنوب، ويجب أن تكون صادقة بشروطها الثلاثة: الإقلاع عن الذنب، والندم، والعزم على عدم العودة. الله يقبل توبة العبد مهما كانت ذنوبه.
التوبة الصادقة تتطلب الندم، العزم على عدم العودة، وإرجاع الحقوق. يجب على المسلم أن يتوب ويكثر من التوبة والاستغفار اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا حفص، وهو ابن عمر بن الحارث الأزدي، قال فيه الإمام أحمد رحمه الله: ثبت، ثبت مطلق، لا يؤخذ عليه حرف واحد. قال: حدثنا شعبة وابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث. عن عمر بن مرة، وهو الجمل أبو عبد الله الكوفي الأعمى، كان أعمى، ومع ذلك كان ثقة في الحديث، قد وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وغيرهما. وما منعه العمى، وهذه الآفة، أن يكون عالما، وأن يطلب العلم، وهذا مما يحس به المسلم من مطالب العلم، وإن كان عنده شيء من مثل هذه العاهات، ألا تصده عن طلب العلم، ولا تكون مانعا من طلب العلم وأخذ العلم. فكم من علماء كانوا أعمى، ومع ذلك كانوا علماء، ولهم منزل عظيم في العلم، وما منعهم العمى من طلب العلم. قال: عن أبي بردة، وهو ابن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه الحارث، وقيل: عامر، قال: سمعت الأغر، رجل من جهينة، وهو من بني سماك المزني، صحابي جليل، قال: يحدث عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه كل يوم مئة مرة». الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. في هذا الحديث يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتوبة: «توبوا إلى الله»، ففي هذا دليل على وجوب التوبة، وأنه يجب على المسلم أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى مما يقع منه من ذنوب ومعاصي، وإجابته إلى هذا الأمر العظيم، استجابة لأمر الله عز وجل، وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا يأمر بالتوبة، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بها، كما قال عز وجل: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فرتب الله عز وجل الفلاح بالتوبة، وهي سبب عظيم من أسباب الفلاح. والفلاح كما قال أهل اللغة، أهل العلم: هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب. فمن أعظم أسباب الفلاح التوبة، أن تتوب إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا تقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام، كما في هذا الحديث: «فإني أتوب إليه كل يوم مئة مرة». فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يتوب إلى الله عز وجل كل يوم مئة مرة، «أتوب إلى الله» يقول عليه الصلاة والسلام: «أتوب إلى الله مئة مرة»، وهو الذي قد غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فنحن كذلك أولى وأحرى بهذه التوبة؛ لأننا معرضون للمعاصي والذنوب. فينبغي أن نكثر من التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، أن نكثر من التوبة. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول، كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون، فيغفر الله لهم». ليس معنى هذا الحث على المعاصي، لا. المراد من هذا الحديث الحث على التوبة، وأن الذنب لا بد منه؛ لأنك غير معصوم، لا بد أن يقع منك ذنب، ويقع منك معصية، إما من لسانك، أو من عينيك، أو من أذنيك، أو من قدميك، أو من يديك، أو من جوفك، أو من فرجك. فالإنسان ليس معصوما، لكن الواجب عليه أن يتوب، ويلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، ويتضرع إلى الله عز وجل بالتوبة. فإذا تاب، تاب الله سبحانه وتعالى عليه، كما قال ربنا عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم». نحن نخطئ ونذنب في الليل وفي النهار، فعلينا أن نستغفر الله عز وجل، وأن نتوب إلى الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا يغفر لنا ذنوبنا. لكن لا بد كذلك من الصدق في التوبة، حتى تقبل هذه التوبة: «يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار». إذا أردنا هذا الفوز العظيم، وهذا الثواب العظيم، ومغفرة الذنب، لا بد من توبة نصوح، توبة صادقة. كما ذكر بالأمس في حديث سيد الاستغفار، لا بد أن تكون تائبا إلى الله عز وجل توبة صادقة، تتوفر فيها شروط التوبة من الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة إليه. لا بد أن تتوفر هذه الشروط؛ لأنك إذا تبت إلى الله عز وجل بلسانك وأنت مصر على الذنب، هذا دليل على عدم صدقك في التوبة، بل هو يعد استهزاء، استهزاء بالله سبحانه وتعالى، أو بالله عز وجل. كيف تقول: «أتوب إلى الله»، وأنت تفعل الذنب وتستمر عليه؟ من يقول -مثلا-: أنا تبت إلى الله عز وجل من الربا والتعامل به، وهو يتعامل بالربا، هل هذا صادق في توبته؟ لا، بل هو كالمستهزئ؛ لأنك لو قلت لشخص من الناس: أنا لن أفعل كذا، سأترك فعل هذا الأمر، وأنت تفعله، فأنت الآن مستهزئ به. فكيف بالله سبحانه وتعالى تتوب بلسانك، ثم أنت بفعلك مصر على فعل هذا الذنب؟ كم من الناس من ربما يستغفر ويتوب، يقول: أنا أتوب إلى الله سبحانه وتعالى، لكن إذا وجدت أفعاله، وجدته مصر على فعل الذنب والمعصية، من التعامل بالربا، أو تعامل بالرشوة، أو هكذا في النظر الحرام، أو سماع الحرام، أو غير ذلك من المعاصي. فهذا بالحقيقة ما صدق بتوبته. إذا أردت أن الله عز وجل يتقبل توبتك، فلابد من صدق أنك تقلع عن الذنب، لا تكون مصرا عليه. وهكذا أيضا ليس هذا فقط، بل كذلك أن تندم على فعلك لهذا الذنب، وتعلم أنك قد أخطأت، أذنبت، وتتألم من فعلك لهذه المعصية. وهكذا أيضا تعزم أنك لا تعود إليها، تعزم أنك لا تعود لهذا الذنب. فإذا تركته، وأوهن في قلبك وأنت عازم على العودة إليه، أنت ما صدقت في توبتك، ولا تكون هذه توبة توبة نصوح. فلابد من توفر هذه الشروط إذا أردت أن تكون توبتك توبة صادقة. وهكذا أيضا إن كان هناك حقوق للآدميين، فلابد من إرجاعها لأهلها، لابد من إرجاع المظالم إلى أهلها، والتحلل منها، إذا أردت أن يقبل الله عز وجل منك توبتك. والله سبحانه وتعالى يقبل توبة العبد مهما فعل من ذنوب، ومهما أخطأ. فالله سبحانه وتعالى يغفر الذنب، ولو كان كفرا أو شركا بالله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. انظر إلى عظيم عفو الله سبحانه وتعالى. من دعا مع الله عز وجل إلها آخر، أشرك بالله عز وجل، أو قتل النفس التي حرم الله بغير حق، أو ارتكب الزنا، وهذه من أعظم كبائر الذنوب. فإذا تاب إلى الله سبحانه وتعالى منها، تاب الله عز وجل عليه، وبدل سيئاته حسنات. وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. نهى الله سبحانه وتعالى عباده أن تأخذهم القنوط واليأس من رحمة الله عز وجل، فهذا كبيرة من كبائر الذنوب، أن ييأس العبد أو يقنط من رحمة الله. ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. فإذا وقع العبد في ذنب، فإنه يتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى مهما عظم. بل يقول الله عز وجل للكفار من النصارى واليهود الذين كفروا بالله عز وجل وجعلوه ثالث ثلاثة: أنهم لو تابوا إلى الله عز وجل لتاب الله سبحانه وتعالى عليهم. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. الله عز وجل يأمر هؤلاء الكفار بالتوبة مما يقولون، مما يعتقدون، وأنهم لو تابوا لتاب الله سبحانه وتعالى عليهم. إذا كان هذا في حق هذا الكافر الذي كفر بالله سبحانه وتعالى، إذا تاب، تاب الله عز وجل عليه، فكيف بالمؤمن الذي يؤمن بالله عز وجل، لكن يحصل منه الخطأ، ويحصل منه الذنب والمعصية؟ فإنه إذا تاب إلى الله سبحانه وتعالى، فإنه يغفر له ذنبه، ويمحو الله سبحانه وتعالى ما يصدر منه. فينبغي علينا أن نتوب إلى الله عز وجل، وأن نكثر من التوبة والاستغفار، استجابة لأمر الله عز وجل، ولأمر رسوله، واقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للتوبة الصادقة. والحمد لله رب العالمين.