فوائد من سورة الفاتحة 8

فوائد من سورة الفاتحة 8

الدرس في فوائد من سورة الفاتحة 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

توحيد الألوهية والربوبية في سورة الفاتحة والرد على المبتدعين

تجمع آية «إياك نعبد وإياك نستعين» بين توحيد الألوهية بإفراد الله بالعبادة، وتوحيد الربوبية بإفراد الله بالإعانة والتدبير. كما أن دعاء «اهدنا الصراط المستقيم» يرد على كل الفرق الضالة، ويؤكد حاجة المؤمن المستمرة لسؤال الهداية والثبات على الحق اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

معاني دعاء اهدنا الصراط المستقيم وأهمية الاستمرار على الهداية

يشمل دعاء «اهدنا الصراط المستقيم» طلب الهداية لأعمال صالحة جديدة، وأخلاق حسنة، وعلماً نافعاً، والثبات على الاستقامة حتى الممات. والشأن الحقيقي ليس في مجرد الهداية المؤقتة بل في الثبات عليها عند الفتن، مما يستدعي تدبر هذا الدعاء في كل ركعة.

أنواع الهداية في تفسير الفوزان لقوله اهدنا الصراط المستقيم

يقرر الشيخ الفوزان أن الهداية نوعان: هداية بيان وإرشاد عامة لجميع الخلق بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وهداية توفيق وتسديد خاصة بالمؤمنين يمنحها الله وحده. ودعاء «اهدنا الصراط المستقيم» يشمل طلب النوعين معاً: معرفة الحق والتوفيق للعمل به.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في هذه الرسالة: "بعض فوائد سورة الفاتحة". قال: "وقوله: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: فيها توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية. إياك نعبد: فيها توحيد الألوهية، وإياك نستعين: فيها توحيد الربوبية". قال الشارح شيخ الفوزان حفظه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قال: "فيها توحيد الألوهية"، وهو إفراد الله بأفعال العباد التي شرعها لهم؛ لأن الألوهية معناها العبادة، لأن الألوهية مشتق من الإله، والإله: المعبود. قال: "والعبادة من أفعال العباد". قال: "وإياك نستعين: فيها توحيد الربوبية؛ لأن الإعانة من أفعال الرب سبحانه، وتوحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله". فالسطر الأول من هذه الآية فيه توحيد الألوهية، والسطر الثاني فيه توحيد الربوبية؛ لأن الإعانة من الله عز وجل، وهي من أفعال الله سبحانه وتعالى، وتوحيد الربوبية هو أفعال الله عز وجل. قال: "وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، قال: فيها الرد على المبتدعين". فيها الرد على المبتدعين، ووجه الرد واضح؛ فإن كل فرقة من فرق الضلال قد جانبت هذا الصراط، جانبت الصراط المستقيم وخرجت عنه، فهذا فيه رد على كل فرقة من فرق الضلال. كل من خرج عن الصراط المستقيم من الفرق الضالة ترد عليه هذه الآية؛ لأن فيها أمراً من الله عز وجل بلزوم صراطه المستقيم، فمن خالفه فقد خالف هذا الأمر. وقد يقول قائل: كيف يدعو المؤمن الموحد المصلي بهذا الدعاء وقد هدي إلى التوحيد وإلى الصلاة وإلى أفعال ما تيسر من أعمال الخير، فكيف بعد هذا يطلب الهداية؟ أجاب عن ذلك ابن القيم في بعض كتبه رحمه الله تعالى، وقال معنى كلامه: أن قول المصلي "اهدنا الصراط المستقيم".. أولاً: الهداية تتفاوت، الهداية تتفاوت، فأنت تطلب الكمال في الهداية، تطلب الكمال في الهداية، بل وتعترض في طريقك إلى الله عز وجل الفتن والعقبات الكؤود، فإن لم تهدَ من الله سبحانه وتعالى فلا هادي لك. ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث عائشة الصحيح: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستفتح صلاة الليل بهذا الدعاء: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». فانظر: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل ليلة، في قيامه للليل، في قيامه الليل، يطلب من ربه الهداية لمختلف فيه من الحق: «اهدني، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك». وانظر الآن إلى كثير من الاختلافات ومن الفتن التي تعترض للمؤمن، خصوصاً في هذه الأزمان المتأخرة: فتن الشهوات وفتن الشبهات. فأنت تدعو الله عز وجل أن يهديك الصراط المستقيم في كل شيء، في كل شيء: في الفتن، وفي التزود من الأعمال، التزود من الأعمال. تدعو الله عز وجل: اهدنا الصراط المستقيم، أي: اهدني إلى عمل صالح لم أكن أعمله من قبل، لم أكن أعمله من قبل، ولم أكن أقوم به من قبل. فهذا أيضاً من معاني قولك: اهدنا الصراط المستقيم. من يستشعر مثل هذا؟ القليل إلا من رحم، ومن فقه مثل هذه الآية العظيمة. كذلك تدعو الله عز وجل أن يهديك خلقاً لم تكن متصفاً به، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت». انظر: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسأل ربه أن يهديه أحسن الأخلاق، وهو الذي قد وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فأيضاً من معاني هذه الآية: أن تدعو الله عز وجل أن يهديك خلقاً حسناً، خلقاً طيباً لم تكن متصفاً به من قبل. وهكذا: اهدنا الصراط المستقيم، تدعو الله عز وجل أن يهديك علماً نافعاً لم تكن تعلمه من قبل، لم تكن تعلمه من قبل. فهذا أيضاً من معاني الدعاء بهذه الآية: اهدنا الصراط المستقيم. وقس على هذا أعمالاً كثيرة وأشياء كثيرة. فإذا: من معاني دعاء المسلم بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أن يدعو الله عز وجل أن يزيده من الهداية في الأعمال، وكذلك في الأقوال: في الأعمال وفي الأقوال. كذلك مما ذكر ابن القيم عليه رحمة الله: أن دعاء المؤمن بهذا الدعاء "اهدنا الصراط المستقيم" يدعو الله أن يثبته على هذا الصراط، أن يثبته على هذا الصراط، كأن الداعي بهذا الدعاء يقول: اللهم يا رب، ثبتني على هذه الاستقامة التي أنا فيها، وعلى هذا الخير الذي أنا فيه، إلى أن ألقاك. لماذا؟ لأن من أنعم الله عز وجل عليهم بالهداية، أنعم عليهم بهذه الهداية إلى الممات، إلى أن لقوا ربهم. فليس الشأن كل الشأن أن تكون متصفاً بالهداية في زمن من الأزمان، بل الشأن كل الشأن أن تكون متصفاً بالهداية إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى. فإذن: من معاني هذه الآية "اهدنا الصراط المستقيم" أن تدعو الله عز وجل أن يثبتك على هذه الهداية إلى أن تلقى الله. وكم من إنسان كان على هداية، كان على توحيد، كان على صلاة وصلاح، كان على منهج مستقيم، منهج أهل السنة والجماعة، فجاءت الفتن: فتن الشبهات أو فتن الشهوات، فزاغ وانحرف وابتعد عن الهداية، وابتعد عن الهداية. فأنت تدعو الله عز وجل بهذه الآية أن يثبتك الله سبحانه وتعالى على هذه الهداية حتى تلقاه، حتى تلقاه. فإذن: لا بد أن نستشعر هذه المعاني عند قراءتنا لهذه الآية. من من يستشعر مثل هذا؟ ربما تمر علينا في كل ركعة هذه السورة وهذه الآيات، ولا نتدبرها، ولا نتعظ بها. قال الشارح الفوزان حفظه الله تعالى: قوله: "اهدنا الصراط"، قال: "الهداية على نوعين: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وتسديد". هذا الهداية الأولى: هداية دلالة وإرشاد، دلالة وإرشاد، هذه الأولى. وهداية التوفيق والتسديد، وهذه الثانية، وهذه الثانية. وهذا مأخوذ من الكتاب ومن السنة. قال الشارح: "ودلالة الهداية والإرشاد هذه حاصلة لجميع الخلق: المؤمنين والكفار والمشركين؛ لأن الله دلهم وأرشدهم إلى طريق الحق، لكن الكفار لم يقبلوا". قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. "هديناهم": يعني بينا لهم. فالله هذا جميع الخلق: هداية البيان والإرشاد، يعني أن الله سبحانه وتعالى أنزل كتبه وأرسل رسله، وهكذا بعث في كل أمة رسولاً ليبين للناس. فهذا البيان من الرسل: هداية بيان وإرشاد، هداية بيان وإرشاد، قد وصل إلى المشركين والكفار وإلى المؤمنين. ولكن الفرق بين الكفار والمؤمنين: أن الكفار لم يستجيبوا ولم ينقادوا ولم يؤمنوا، وأن المؤمنين آمنوا وانقادوا واستجابوا. فإذن: هداية الإرشاد والدلالة هي حاصلة لجميع الخلق، كما في هذه الآية: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، يعني بينا لهم. أرسل الله عز وجل إليهم رسوله صالحاً عليه السلام، أرسله إليهم ودعاهم، وبين لهم التوحيد، وبين لهم الحق، فأعرضوا، فأعرضوا، ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. فهذه دلالة ماذا؟ هذه دلالة إرشاد، وكذلك بيان. والنوع الثاني: هداية التوفيق وقبول الحق، وهذه خاصة بالمؤمنين. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، يعني: لا تهدي هداية توفيق وتسديد. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يملك هداية التوفيق والتسديد. هداية التوفيق والتسديد هي لله سبحانه وتعالى وحده: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. وفي الآية الأخرى قال سبحانه وتعالى عن نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. وهذه هداية البيان والإرشاد من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيكون هذا الجمع: الجمع بين الآيات التي فيها نفي الهداية عن النبي عليه الصلاة والسلام وإثباتها للنبي عليه الصلاة والسلام. فما جاء فيه نفي الهداية: فهذه هداية التوفيق. وما جاء فيه إثبات الهداية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فهذه هداية ماذا؟ هذه هداية البيان. فالنوع الثاني: هو هداية التوفيق وقبول الحق، وهذا لا يوفق إليها إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى، وهذه خاصة بالمؤمنين. قال المؤشرح: "فأنت تسأل الله نوعي الهداية". انظر: لما تقول: "اهدنا الصراط المستقيم"، أي: يا رب، دلني، أو دلني على من يبين لي الحق، ويبين لي طريق الهدى. فإذا بين الهدى والحق للمؤمن، أتت الهداية الأخرى، وهي هداية التوفيق والاستجابة، فيستجيب المؤمن، ويعمل بما نصح به، وبما كذلك أرشد إليه، وبما أرشد إليه. فإذا أنت لما تقول: "اهدنا الصراط المستقيم"، تدعو الله عز وجل أن يهديك نوعي الهداية: هداية البيان والإرشاد، وهداية التوفيق والتسديد. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر