فوائد من سورة الفاتحة 9

فوائد من سورة الفاتحة 9

الدرس في فوائد من سورة الفاتحة 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى الصراط المستقيم واعتداله في دعاء الفاتحة

يشرح المقطع معنى "الصراط المستقيم" بأنه الطريق المعتدل الذي لا غلو فيه ولا تفريط، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُستَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، ومبيناً أن سبيل الحق واحد بينما سبل الضلال متعددة. ويذكر تمثيل النبي ﷺ التربوي بخطوط مرسومة: خط مستقيم لسبيل الله، وخطوط متفرقة عن يمينه وشمالها لكل منها شيطان يدعو إليه.

أحوال الناس في الآيتين الأخيرتين ووصف المنعم عليهم

يقسم المقطع الناس في الآيتين الأخيرتين إلى ثلاثة أصناف: المنعم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالين. ويركز على أن المنعم عليهم هم الذين جمعوا بين العلم والعمل، مستدلاً بلفتة ابن القيم بأن ذكر صراط المنعم عليهم يسلي السالك ويزيل وحشته لعلمه أن هذا الصراط سلكه الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.

المغضوب عليهم: العلماء الذين لا يعملون بعلمهم

يفسر الشارح أن المغضوب عليهم هم الذين أخذوا العلم وتركوا العمل، ضارباً اليهود مثلاً لهم لعلمهم بالحق وعدم اتباعه، مستشهداً بآيات تشبّههم بالحمار يحمل أسفاراً. ويحذر من أن فساد العلماء يشبه فساد اليهود، وأن القرآن سيكون حجة للعامل به وحجة على تاركه يوم القيامة.

خاتمة الدرس: القرآن حجة لك أو عليك وتحذير من العلم بلا عمل

يختتم المتحدث الدرس بحديث النبي ﷺ: "والقرآن حجة لك أو عليك"، مبيناً أن المغضوب عليهم هم الذين يعلمون الحق ولا يعملون به، ويؤجل بقية الحديث والتفصيل إلى الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فلا زلنا في هذه الرسالة المقتصرة، بعض فوائد سورة الفاتحة، للإمام العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى، وشرحه للشيخ العلامة الفوزان حفظه الله تعالى. وقفنا عند الفوائد التي هي مأخوذة من قول الله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾، فبينا أن هذه الآية فيها الرد على المبتدعين، وذكر الشارح أنواع الهداية، وأنها على نوعين: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وتسديد. ثم قال الشارح حفظه الله تعالى: "قال: والمستقيم يعني المعتدل"، يعني: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾، فـ "المستقيم" وصف للصراط، فوصف هذا الصراط أنه مستقيم، وكما قال الشارح: يعني المعتدل. فأنت تدعو الله عز وجل أن يهديك الصراط المعتدل الذي لا غلو فيه ولا تفريط، لأنه ما ضل من ضل إلا بإحدى هاتين النزغتين، كما ذكر معنى ذلك ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه "الكلمة الطيب": أن الشيطان له على ابن آدم نزغتان، إما نزغه إلى غلو وإفراط، وإما نزغه إلى تقصير وتفريط. وهكذا لو نظرت في جميع الفرق المنحرفة فهي تنحرف إما بسبب الغلو وإما بسبب التفريط. فأنت تدعو الله عز وجل أن يهديك الصراط المعتدل. قال: "وصراط الله مستقيم"، يعني معتدل، بخلاف طرق الضلال فإنها ملتوية ومنحرفة ومتعرجة، تضيع من سار عليها. المستقيم الذي لا عوج فيه، معتدل، لا عوج فيه. فدل ذلك على أن الطرق الأخرى ملتوية ومتعرجة. قال: "أما صراط الله فهو واضح معتدل، من سار عليه أفضى به إلى الجنة". وأن هذا قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُستَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ﴾. انظر إلى هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُستَقِيمًا﴾، قال: "صراطي" بالإفراد، فصراط الله عز وجل واحد، ثم أمر باتباعه: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾، ثم حذر من السبل الأخرى التي تجانب وتخالف الصراط المستقيم، فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. انظر: جمع الله سبحانه وتعالى السبل، جمع "سبيل"، السبل جمع سبيل. ما قال: "ولا تتبعوا السبيل"، لأن طرق الضلال ليست سبيلا واحدا بل هي سبل كثيرة ومتعددة، ولذلك قال: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ﴾، ما قال: "فتفرق بكم عن سبله"، فأفرد السبيل الحق لأنه واحد، لأنه واحد لا يتعدد. ولذلك هذه الآية قرأها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد تعليم منه عليه الصلاة والسلام لأصحابه بالخط، وهذا من أساليب التعليم، كما في حديث ابن مسعود: قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطا مستقيما، خط مستقيم، وخط عن يمينه وشماله خطوطا متفرقة، خطوطا متفرقة. انظر كيف يعلم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه بهذا الأسلوب التربوي الذي يكون له وقع في قلب المتعلم: خط خطا مستقيما والصحابة ينظرون، ثم خط عن جانبيه خطوطا متفرقة، ثم قال: "هذا صراط الله" أو "هذا سبيل الله" بعدما أشار إلى الخط المستقيم، ثم قال: "وهذه سبل"، الخطوط التي عن يمينه والتي عن شماله، قال: "هذه سبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه"، شيطان يدعو إليه. ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُستَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ﴾. فانظر كيف جمع السبل لأنها متعددة وكثيرة، وأفرد الصراط المستقيم وسبيل الحق، فقال: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ﴾، ليدل ذلك على أن سبيل الله عز وجل واحد لا يتعدد. قال: فأنت تسأل الله أن يهديك هذا الصراط الذي تنكب عنه كثير من الناس. قال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في متنه: "وأما الآيتان الأخيرتان ففيهما من الفوائد ذكر أحوال الناس"، وهي قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعمتَ عَلَيهِم غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلَا الضَّالِّينَ﴾، لأنه ذكر فوائد الآيات الأولى، فقال: ﴿الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ فيها المحبة، ﴿الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ﴾ فيها الرجاء، ﴿مٰلِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ فيها الخوف، ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ﴾ فيها توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ فيها الرد على المبتدعين. الآن هو في الآيتين الأخيرتين، قال: "وأما الآيتان الأخيرتان ففيهما من الفوائد ذكر أحوال الناس"، فالناس في هذه الدنيا لا يخلو أحدهم من أن يتصف بحال من هذه الأحوال الثلاثة: إما من المنعم عليهم، وإما من المغضوب عليهم، وإما من الضالين. ما يخرج عن هذه الثلاثة الأوصاف، كل إنسان في هذه الدنيا يتصف بحال من هذه الأحوال، يتصف بحال من هذه الأحوال: إما منعم عليه، وإما مغضوب عليه، وإما ضال. قال: قسمهم الله تعالى ثلاثة أصناف: منعم عليه، ومغضوب عليه، وضال. قال الشارح: قال: الناس إما منعم عليه، وإما مغضوب عليهم، وإما ضال. فالمنعم عليهم هم الذين أخذوا العلم والعمل، هؤلاء هم المنعم عليهم. ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعمتَ عَلَيهِم﴾، أنعمت عليهم. وذكر ابن القيم لفتة جميلة في "مدارج السالكين" عند قوله تعالى: ﴿أَنعمتَ عَلَيهِم﴾، قال: لم يقل ربنا: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ وسكت، ولم يذكر من هم أصحاب الصراط المستقيم، وإنما ذكر من هم أصحاب الصراط المستقيم، فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعمتَ عَلَيهِم﴾، قال: حتى لا يستوحش السالك للصراط المستقيم إذا وجد في زمن لا يوجد معه من يناصره، ومن كذلك يمشي معه على هذا الصراط المستقيم. هذا الإنسان لا يستوحش من قلة السالكين في زمنه، لا يستوحش، لماذا؟ لأنه يعلم أن هذا الصراط قد سلكه أناس قبله، وليس أي أناس، بل هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، لأن هؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا * ذَٰلِكَ الفَضلُ مِنَ اللَّهِ﴾. فأنت يا أخي، وإن كنت وحدك على هذا الصراط المستقيم في زمن من الأزمنة، فلا تستوحش، تذكر أن هذا الصراط الذي أنت عليه قد سلكه أناس كثر، قد سلكه أناس كثر، بل هم من الأنبياء الذين هم المصطفون الذين اصطفاهم الله عز وجل لحمل رسالته، وهم الشهداء الذين قدموا أنفسهم وأموالهم لله سبحانه وتعالى، وهم الصديقون، وهم الصالحون، فلا تستوحش من قلة السالكين لهذا الصراط المستقيم. فهذا في هذه اللفتة: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾، ثم بين: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعمتَ عَلَيهِم﴾، فهذا الصراط لست وحدك السائر عليه، بل قد سار عليه أناس كثر. فالمنعم عليهم هم الذين أخذوا العلم والعمل، تعلموا وعملوا بعملهم، سمعوا أن هذا حرام فتركوه، سمعوا أن هذا واجب أسرعوا إلى العمل به، سمعوا أن هذا كذلك فرض عليهم سارعوا إليه، وهكذا يعلمون ويعملون، يدفعهم العلم إلى العمل، وهذا هو، وهذه هي ثمرة العلم، ثمرة العلم العمل، فعلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر، الشجرة لا تثمر، ما الفائدة منها؟ لا فائدة منها، فكذلك العلم لا بد أن يتبع بالعمل. هؤلاء هم المنعم عليهم. قال الشارح: والمغضوب عليهم هم الذين أخذوا العلم وتركوا العمل، يعلمون ولكنهم لا يعملون. وأحق الناس بهذا الوصف هم اليهود، لأن الله عز وجل أخبر عنهم أنهم علموا ولم يعملوا، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّورَاةَ ثُمَّ لَم يَحمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحمِلُ أَسفَارًا ۚ بِئسَ مَثَلُ القَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهدِي القَومَ الظَّالِمِينَ﴾، فشبّه ربنا سبحانه وتعالى بالحمار الذي يحمل الكتب على ظهره، فهل يفقه منها شيئا؟ لا يفقه منها شيئا. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحبَارِ وَالرُّهبَانِ لَيَأكُلُونَ أَموَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والأحبار هو جمع حبر، أو حبر، يجوز هذا وهذا، وهم علماء بني إسرائيل، كان يقال لهم الأحبار، يقال لهم الأحبار، فهم عندهم علم، لكنهم لم ينتفعوا بهذا العلم، لم ينتفعوا بهذا العلم، فأكلوا أموال الناس بالباطل، وهم يعلمون أنهم يأكلونها بالباطل، عندهم علم، ما عندهم جهل، وأيضا زادوا على ذلك، ويصدون عن سبيل الله، وهم قد علموا سبيل الله، علموا سبيل الله، فهم يعلمون لكنهم ما يعملون. وضرب الله عز وجل لنا أيضا قصة ذلك العالم من اليهود في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتلُ عَلَيهِم نَبَأَ الَّذِي آتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنهَا فَأَتبَعَهُ الشَّيطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ * وَلَو شِئنا لَرَفَعنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخلَدَ إِلَى الأَرضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إِن تَحمِل عَلَيهِ يَلهَث أَو تَترُكَهُ يَلهَث ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُ القَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ الآية. فانظر: هؤلاء اليهود علموا وما استفادوا من ذلك العلم، فكان حجة عليهم، فكان حجة عليهم. ولذلك جاء عن سفيان أنه قال: "من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى". انظر: اقتبس سفيان رحمه الله هذا الأثر من القرآن، من آيات القرآن الكريم، لأن اليهود علموا وهم علماء، وصفهم الله عز وجل بأنهم أحبار، ومع هذا فسدوا فلم يعملوا بعلمهم، فمن تشبه بهم من علماء هذه الأمة، أو فمن فسد من علماء هذه الأمة، فأكل أموال الناس بالباطل وهو يعلم، وكذب على الله وعلى رسوله وهو يعلم، وهكذا صد عن سبيل الله وهو يعلم الحق، وهكذا اتبع هواه وأخلد إلى الأرض، وقدم شهوات نفسه على الحق الذي يعلم، فهذا لا شك أنه لم يعمل بعلمه، ففيه شبه من اليهود، ففيه شبه من اليهود. فصدق رحمه الله تعالى: "من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود". فلذلك بين النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا العلم الذي يتعلمه المسلم إما أن يكون حجة له أو حجة عليه، كما في حديث أبي مالك أو أبي عامر الأشعري رضي الله عنه في الصحيح، قال: "والقرآن حجة لك أو عليك"، القرآن الذي هو كتاب الله، وفيه من تعاليم ذلك الدين، وفيه من الأوامر، وفيه من النواهي، وفيه من بيان الحلال، وفيه من بيان الحرام، وفيه من الأحكام، هذا القرآن إما أن يكون حجة لك، وإما أن يكون حجة عليك يوم القيامة، يكون حجة لك إذا أنت عملت به، وإذا أنت أقمت حدوده، وانتهيت عن نواهيه، إذا كنت كذلك فإن هذا القرآن يكون حجة لك، وأما إن لم تعمل بذلك القرآن فيكون حجة عليك، وشاهدا عليك يوم القيامة، لأنك علمت بأحكامه وبأوامره وبنواهيه فلم تعمل بالأمر، ولم تنتهي عن النهي. هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "والقرآن حجة لك أو عليك". فهؤلاء هم المغضوب عليهم الذين يعلمون ولا يعملون. ولي الحديث بقية، نتركه إن شاء الله إلى الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.