الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 158، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين أصحابه لتعزيز الترابط والتعاون فيما بينهم، وقد كانت هذه الأخوة قوية لدرجة التوارث قبل نسخها بالآيات القرآنية. هذه الأخوة كانت أساسًا لنصرة المظلوم وتعزيز الوحدة بين المسلمين.
يفسر المقطع حديث النبي حول التحالف في الإسلام، مشيرًا إلى الفرق بين التحالفات الجائزة والمحرمة، ويبرز أهمية الأخوة والتناصر بين المسلمين. كما يبين فقه الإمام البخاري في تبويبه للأحاديث وردود أهل الحديث على اتهامات المبتدعة.
يشرح هذا الفصل أحكام الحلف في الإسلام، مبينًا أن الحلف لنصرة المظلوم مشروع بينما الحلف المخالف للشرع مذموم. كما يستحب للمسلم التعرض للمطر عند نزوله لتحصيل البركة، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد، باب الإخاء، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو ثقة، المنقري، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس. وحماد بن سلمة مر معنا في صحيح البخاري أن البخاري لم يخرج له في صحيحه إلا معلقًا، يعني إلى حيث المعلقة، وهنا أخرج له أحاديث، وهذا يدل على أنه يحتج بحديثه، لكن لما كان شرطه في الصحيح شديدًا، ترك حديث حماد بن سلمة بسبب ما حصل له من تغير في آخر عمره. قال: عن ثابت، عن أنس. ومر أن ذكرنا أن هناك ثلاثة من أوثق الناس في أنس: ثابت، ومن هؤلاء قتادة، وثابت وقتادة، والثالث الزهري. قال: آخر نبي صلى الله عليه وسلم بين ابن مسعود والزبير، والحديث صحيح، الشيخ الألباني رحمه الله. وقد جاء أيضًا في الصحيحين في مؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام بين كثير من الصحابة، كما آخى بين سلمان وأبي الدرداء، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وهكذا بين غيرهم. ذكر بعض أهل العلم أن مؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام بين أصحابه كانت مرتين: مرة بين المهاجرين فقط، ومرة بين المهاجرين والأنصار. وكان المقصود من هذا الإخاء حصول الترابط والتعاون والمناصرة على الخير. وكانت هذه الأخوة - وهي أخوة الدين التي آخى بها النبي عليه الصلاة والسلام بين أصحابه - من شدتها وقوتها أنهم كانوا يتوارثون بها، كان هذا الأخ يرث من أخيه الذي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين أخيه، حتى نسخ الله سبحانه وتعالى ذلك في الآيات التي أنزلها عز وجل: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾، فنسخ التوارث بينهم. قال: وحدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا ابن عيينة وسفيان، قال: حدثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك، قال: حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري التي بالمدينة، والحديث صحيح، هو في الصحيحين. وأراد الإمام البخاري رحمه الله بذكر هذا الحديث في هذا الباب، والتبويب عليه بباب الإخاء، يريد أن يبين أن معنى التحالف في حديث أنس هو بمعنى الإخاء، معنى حالف، أي آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين قريش والأنصار. وهذا قول أهل العلم على حمل التحالف هنا بمعنى الأخوة والإخاء. وبعض العلماء قال: بل التحالف هنا على ظاهره، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حالف بينهم، وعاقد بينهم على الأخوة والتناصر على الخير. وهذا يكون مخصصًا أو مبينًا للتحالف الجائز والتحالف الممنوع، فما كان فيه معاون على الباطل وعلى الشر وما يخالف الشر، فهذا المحرم، وهو المنفي في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا حلف في الإسلام». وما كان فيه تحالف على الخير وعلى نصرة المظلوم ورد الظالم، فهذا مما يقره الشرع ولا ينفيه. وسواء كان هذا المعنى أو ذاك، فإن الشرع لا ينفي ما كان في التحالف من معنى من معاني الأخوة والتناصر ورد الظالم وإعانة المظلوم، فإن هذا مما جاء الشرع فيه بنصرته والحث عليه. وكما مر أن ذكرنا بالأمس ما ذكره ابن القيم رحمه الله: أن الشرع والإسلام قد جاء بالتأليف بين المسلمين، وتعزيز رابطة الأخوة والترابط والمناصحة والمناصرة، إلى آخر ذلك من المعاني التي بها يستغنى عن الحلف، يستغنى بها عن الحلف. فلا فائدة ولا حاجة إلى هذا الحلف. وهذا كذلك مما قد يقرب إلى أن معنى التحالف في حديث أنس هو بمعنى الإخاء، هو بمعنى الإخاء الذي آخى به النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه. وهذا يبين لنا كذلك فقه الإمام البخاري رحمه الله في تبويبه للأبواب، وسجله بالأحاديث التي تدل على ما يذهب إليه رحمه الله. وهكذا فعل في صحيحه، حتى قال العلماء: إن فقه الإمام البخاري في تبويبه يبوب الباب، ثم يستدل بالأحاديث التي تدل على ما بوب عليه، وربما تحير الشراح في مراد الإمام البخاري رحمه الله في تبويبه لهذا الباب، من شدة عمق فقهه رحمه الله. هذا أيضًا يرد على أولئك المبتدعة الذين يطعنون في أهل الحديث بأنهم لا يفقهون حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وأنهم مجرد حفظة للحديث لا فقه عندهم، وهذا باطل. بل أكثر المحدثين فقهاء، والقليل النادر الذي ما يكون عنده فقه، وإلا فأكثرهم فقهاء، الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وهكذا تجد الكثير من المحدثين هم من أهل العلم والفقه. قال: باب لا حلف في الإسلام، قال: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جلس النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح على درج الكعبة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «من كان له حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة»، «ولا هجرة بعد الفتح». والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا الحديث فيه كذلك ما مر الكلام عليه من أن ما كان من حلف الجاهلية مقصودًا منه نصرة المظلوم ودفع الظالم، فهذا مما حث عليه الشرع ومما يؤيده الشرع، فلهذا قال: «لم يزده الإسلام إلا شدة»، لأن هذا مما جاء الإسلام بالأمر به وبالمحافظة عليه. وأما ما كان فيه مخالفًا للشرع، فهو مردود، والإسلام يذمه، وكذلك أيضًا يأمر بخلافه. وقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في الحد الفاصل بين الحلف الواقع في الجاهلية والواقع في الإسلام. ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أربعة أقوال: منها من قال: من كان ما كان قبل الهجرة فهو جاهلي، وما كان بعدها فهو إسلامي. ومنها قال: ما كان قبل نزول قول الله عز وجل: ﴿لإيلاف قريش﴾ جاهلي، وما بعدها إسلامي. ومنها من قال: ما كان قبل صلح الحديبية فهو جاهلي، وما كان بعدها فهو المنقوض. وهذا قول عمر رضي الله تعالى عنه. وما لليه الحافظ ابن حجر رحمه الله فقال: وهذا القول أقرب. وكذلك أيضًا إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأنه «لا حلف في الإسلام» كما في حديث أنس، يدل كذلك على عدم جواز إيقاع الحلف الذي كان يفعله أهل الجاهلية من تعاقد القبائل مع بعضها البعض، وأن تنصر كل واحدة الأخرى في الحق والباطل، فهذا مذموم ولا يجوز عقده في الإسلام. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا هجرة بعد الفتح». ولقد جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية». والهجرة هي الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام. وقول «لا هجرة بعد الفتح»، أي المراد بها لا هجرة من مكة بعد أن فتحت وصارت دار إسلام، وليس المقصود نفي بقاء الهجرة، بل الهجرة باقية إلى أن تقوم الساعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». فالهجرة باقية إلى قيام الساعة، والدلائل في فضلها كثيرة، والترغيب فيها. قال: باب من استمطر في أول المطر، قال: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، قال: أصابنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مطر، فحسر النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه عنه حتى أصابه المطر. قلنا: لم فعلت؟ قال: «لأنه حديث عهد بربه». الحديث صحيح، هو في صحيح الإمام مسلم. وفي هذا الحديث استحباب الإصابة من المطر عند أول نزوله، عند أول نزول المطر، فيستحب للرجل أن يكشف عن شيء من ثوبه حتى يصيب المطر بدنه، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فلما سئل عليه الصلاة والسلام عن ذلك، قال: «لأنه حديث عهد بربه»، أي أن هذا المطر حديث التكوين، خلقه الله عز وجل قريبًا، فأراد عليه الصلاة والسلام أن ينال من بركته. وفي هذا الحديث فوائد نذكرها إن شاء الله في درس قادم، وإلى هنا والله تعالى أعلم.