التعليقات على كتاب الأدب المفرد 190

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 190، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الأذكار قبل النوم

يشرح المقطع الأول حديثا ضعيفا عن فضل التسبيح والتهليل والتكبير عند النوم، ويبين أن أصل الحديث صحيح ويشير إلى فضل هذه الأذكار في مساعدة المسلم على طاعة الله. كما يذكر أحاديث أخرى تشير إلى فضل هذه الأذكار وعظم أجرها.

أهمية الطاعات وذكر الله

يُشجع المقطع الثاني على عتق الرقاب وذكر الله، ويُقدم بدائل للطاعات لمن لا يملك المال، مثل التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلاة، ويُظهر حرص الصحابة على الخير ومسارعتهم في الطاعات.

دعاء العفو والعافية وفضله

أرشد النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً إلى دعاء "اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة"، موضحًا أن العفو والعافية تعني السلامة من الأسقام والبلايا وأذى الناس، وهذا الدعاء يحقق الفلاح والنجاة من النار ودخول الجنة.

ختام بالدعاء للسامعين بالعافية

المقطع الأخير ينتهي بدعاء الله سبحانه وتعالى أن يعافي السامعين في الدنيا والآخرة، مع التأكيد على علم الله تعالى، ويُظهر حرص المتحدث على الدعاء للسامعين بالعافية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا أبو نعيم، وهو الفضل بن دكين، قال: حدثنا سلمة، وهو ابن وردان، وفيه ضعف، قال: سمعت أنسا، أو أنسا عن مالك، الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، قال: يقول: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه الحاجة أو بعض الحاجة، فقال: «ألا أدلك على خير من ذلك؟ تهللين الله ثلاثين عند منامك، وتسبحين ثلاثا وثلاثين، وتحمدين أربعا وثلاثين، فتلك مئة خير من الدنيا وما فيها». وهذا الحديث ضعيف لضعف سلمة بن وردان، لكن أصل الحديث قد جاء في الصحيح من حديث علي رضي الله تعالى عنه، حين جاءته -أي جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم- فاطمة ابنته تشكو إليه ما تجد من تعب الخدمة والعمل، فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم خادما، فارشدها عليه الصلاة والسلام إلى ما هو أفضل من ذلك، أنها تسبح الله عز وجل ثلاثا وثلاثين، وتحمده ثلاثا وثلاثين، وتكبره أربعا وثلاثين، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فأصل الحديث كما سمعنا صحيح، وفيه فضل التسبيح والتهليل والتكبير، وأن ذلك خير للإنسان، ومما كذلك يعينه على طاعة الله سبحانه وتعالى، والقيام بشؤونه وأعماله. ومعنى تهلل: أي تقول لا إله إلا الله وتكررها ثلاثا وثلاثين مرة، والتسبيح تقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، والتكبير أو التحميد: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله. فارشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا الدعاء العظيم: التهليل والتحميد والتسبيح، وأن ذلك خير من الدنيا وما فيها. فالمسلم يستعين بالله عز وجل على أعماله بهذا الدعاء، بذكر الله عز وجل، ومنه التسبيح والتحميد والتهليل. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من هلل مئة، وسبح مئة، وكبر مئة، خير له من عشر رقاب يعتقها، وسبع بدنات ينحرها». وهذا الحديث ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله، لكن جاء معناه في الصحيح من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مئة مرة، كتب له عدل عشر رقاب» -يعني عدل عشر رقاب- وهذا الحديث فيه ذكر التهليل، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأجر والثواب، وهو عتق الرقاب، ومعلوم أن عتق الرقاب من الأعمال العظيمة التي حث عليها الشرع ورغب فيها. ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿فَكُنتَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ ﴿فَكُنتَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُ رَقَبَةٍ﴾، أي: مما يتجاوز به الإنسان العقبات التي أمامه في الدنيا حتى يصل إلى الله سبحانه وتعالى، فعل الطاعات ومنها عتق الرقاب أن يعتق الرقاب. وكذا أيضا حث الشرع على عتق الرقاب في أحاديث كثيرة، من حديث أبي هريرة في الصحيح، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعتق نفسا مسلما، أعتق الله بكل عضو منه حتى فرجه بفرجه». وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي فيها الحث على عتق الرقاب. فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعتق الرقاب بماله، إما لعدم المال أو لعدم الرقاب كهذه الأزمنة، فإنه يلتمس هذا الأجر بذكر الله سبحانه وتعالى، إذا ذكر الله عز وجل بقوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، وهو على كل شيء قدير»، في يومه مئة مرة إذا أصبح، كتب له عدل عشر رقاب، فنال بذلك هذا الأجر العظيم بذكر الله سبحانه وتعالى، أو قاله كذلك إذا أمسى كما جاء في الحديث. ولهذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتسابقون في فعل الخير فيما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، إذا لم يستطيعوا بالأموال فعلوا ذلك بالطاعات وذكر الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك ما كان بين فقراء المهاجرين ومع إخوانهم من أهل المال، حين أتى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور -يعني أهل الأموال قد ذهبوا بالأجور- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويعتقون ولا نعتق، ويتصدقون بفضل أموالهم -يعني زاد علينا بما أتاهم الله سبحانه وتعالى من المال الذي يتصدقون به وينفقونه في وجوه الخير- ولا نستطيع ذلك لفقرنا. فأرشدهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى عمل إذا عملوه يدركون به أجر ما عملوا، قال: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تدركون به من سبقكم؟» قال عليه الصلاة والسلام: «تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وتحمدون ثلاثا وثلاثين، وتكبرون ثلاثا وثلاثين». فأرشدهم عليه الصلاة والسلام إلى ذكر الله سبحانه وتعالى، إلى التسبيح والتحميد والتكبير، وأن ذلك سبب لنيل هذه الأجور العظيمة التي ربما لا يدركونها بأموالهم. ومع ذلك لما سمع ذلك أهل الأموال، ما قالوا: خلاص نحن الحمد لله نعتق الرقاب وننفق المال في سبيل الله فنكتفي بذلك. لما سمعوا ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام وأنه قال ذلك سارعوا، سارعوا إلى ذكر الله عز وجل وإلى التسبيح والتحميد والتكبير. فرجع فقراء المهاجرين إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: يا رسول الله، إن إخواننا أهل الأموال سمعوا ما قلت ففعلوا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». فأشياء ينبغي للمسلم أن يحرص على الاكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، وأن يسابق في ذكر الله عز وجل وفي طاعة الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: «سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة». ثم أتاه في الغد، فقال: يا نبي الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: «سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة». فإذا أعطيت العافية في الدنيا والآخرة فقد أفلحت. وهذا الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله، وكذلك أخرجه الإمام الترمذي رحمه الله، وذكر أن هذا الرجل -أي في رواية الترمذي- هو العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام، جاء مصرحا به في بعض الروايات. وهذا الحديث كما نرى فيه حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على الخير وما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى. فأتى النبي عليه الصلاة والسلام هذا الرجل، وكما سمعنا أنه في رواية أخرى العباس بن عبد المطلب، فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ الأجعية كثيرة، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يرشده إلى أفضل الدعاء الذي يكثر منه. فقال: «سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة». أرشده عليه الصلاة والسلام أن يسأل من الله سبحانه وتعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ثم أتاه في الغد، اليوم الثاني، قال: يا نبي الله، أي الدعاء أفضل؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة». أرشده عليه الصلاة والسلام إلى هذا الدعاء نفسه. قال: قال: «فإذا أعطيت العافية في الدنيا والآخرة فقد أفلحت». والعافية والعفو معناه: أن يعافيك الله سبحانه وتعالى من الناس، ويعافيهم منك، أو كذلك أيضا يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاك عنهم وأذاهم عنك، أن يعافيك الله سبحانه وتعالى من الناس، ويعافيهم منك، فلا تؤذيهم ولا يؤذونك، ولا كذلك أيضا تحتاج إليهم، ولا كذلك أيضا أن يحتاجوا إليك، أو إلى ما في يدك، بمعنى تستغني عن الناس، وكذلك يستغني الناس عنك. وهكذا أيضا العافية هي السلامة من الأسقام والبلايا، وهي معنى حصول الصحة التي ضد المرض، أن يعافيك الله سبحانه وتعالى من الأسقام والأمراض التي ربما يبتلى بها بعض الخلق، فتكون سببا في حرمانهم من الخير، إما لما يصيبه من ضعف فلا يستطيع أن يقوم بالعبادات على وجه الأكمل، أو كذلك أيضا تكون هذه الأمراض والأوجاع سببا لموته، وبذلك ينقطع عمله، أو كذلك يعجز عن العمل بسبب هذه الأسقام، فيحرم من كثير من الخير. فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام هذا الرجل إلى هذا الدعاء، أن يدعو الله سبحانه وتعالى به، أن يسأل الله عز وجل العفو والعافية، فيقول: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة. في الدنيا كما سمعنا أنه يعافيه الله عز وجل من أمراض الأسقام التي يبتلى بها الخلق، وكذلك يعافيه بأن يسلمه الله سبحانه وتعالى من أذى الخلق، من أذى الخلق، فلا يؤذيهم ولا أحد يؤذيه، سواء كان الإذاء في مال أو في عرض أو في دم، فإن ذلك مما ينافي العفو. أو كذلك أيضا استغناءه عن الناس بأن يستغنيه عما في أيدي الناس، فلا يحتاج إلى ما في أيديهم، لأن ذلك من الذل والضعف، وكذلك أيضا ربما كان سببا في وقوعه في شيء من الذنوب وكبائرها. فإذا عافاه الله سبحانه وتعالى من ذلك فحصل له خير عظيم. وفي الآخرة: أن يسلم من العذاب والحساب الذي ربما يكون سببا في هلاك العبد، وفي إيجابه دخول النار، بما يكون عليه من ذنوب وخطايا ارتكبها في الدنيا. فإنك تسأل من الله عز وجل أن يعافيك منها، تسأل من الله عز وجل العفو والعافية، وأن لا يكون لك أحد حق يطالبك به يوم القيامة، في دم أو مال أو عرض، أو غير ذلك من حقوق الخلق. فإنك تسأل من الله عز وجل أن يعافيك في الدنيا والآخرة، وبذلك تحصل لك السلامة والنجاة. ولهذا قال: «فإذا أعطيت العافية في الدنيا والآخرة فقد أفلحت»، حصل لك الفلاح، وهو حصول المطلوب والنجاة من المرهوب. إذا حصلت على ذلك كان ذلك سببا في دخولك الجنة ونجاتك من النار، التي هي أعظم الفلاح. فينبغي علينا أن نحرص على مثل هذا الدعاء العظيم، أن نسأل من الله عز وجل العفو والعافية في الدنيا والآخرة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا وإياكم في الدنيا والآخرة. والله تعالى أعلم.