ستة مواضع من السيرة 12

الدرس في ستة مواضع من السيرة 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أبو طالب ورفضه الإسلام للعصبية القبلية

أبو طالب نصر النبي صلى الله عليه وسلم ودافع عنه لكنه امتنع عن الإسلام تعصباً لآبائه فمات كافراً، وخففت شفاعته عذابه فجعل في ضحضاح من النار لكنه خالد فيها. يجب على المسلم التجرد للحق وعدم اتباع التعصب الأعمى كما دلت آيات الزخرف.

بطلان الأعمال مع الشرك وعدم نفع النصرة الظاهرة

تخفيف عذاب أبي طالب لا يناقض نفي نفع الشفاعة للكفار لأنه تخفيف جزئي لا إخراج، والإقرار بالحق ونصرة الإسلام والجهاد لا تنفع مع الشرك كما دلت آية التوبة وآية الزمر. من عبد غير الله أو استغاث بالأموات حبط عمله مهما ظهر من نصرة الدين.

انتفاء نفع الجهاد ونصرة الإسلام دون اتباع النبي

نصرة الإسلام والجهاد لا تنفع صاحبها إن لم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في التوحيد والعبادة والسلوك، وموت أبي طالب على الكفر رغم دفاعه دليل على ذلك. فشل الجهاد في أفغانستان وجماعات الإخوان والجهاد بسبب الشرك والبدع والمعاصي، والنصر الحقيقي لا يتحقق إلا بتجريد التوحيد وإخلاص العبادة واتباع السنة.

نصر الله للدين على يد الفاجر وعدم نفعه له

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ينصر الدين حتى على يد الرجل الفاجر، لكن هذا النصر لا ينفع ذلك الرجل شيئاً لأنه لم يتبع الرسول. وختم المتحدث الجلسة بالشكر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال الشيخ محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في الموضع الرابع من المواضع التي اختارها من السيرة: قال: ثم صبره على المشقة العظيمة. والهافي صبره يعود على أبي طالب. ثم صبره على المشقة العظيمة والعداوة البالغة، لكن لما لم يدخل فيه ولم يتبرأ من دينه الأول لم يصر مسلماً، مع أنه يعتذر من ذلك بأن فيه مسبة لأبيه عبد المطلب، ولهاشم، وغيرهما من مشايخهم. قال الشارح حفظه الله تعالى الشيخ الفوزان: قال: هذا الذي منعه، وهو النخوة والعصبية الجاهلية، منعته من الدخول في الإسلام، ومات على الكفر. وهذا فيه أيضاً أن المسلم ينبغي أن يتجرد للحق، وأن لا تمنعه النخوة، والعصبية الجاهلية، والتعصب الأعمى لقبيلته وعشيرته وأجداده وآبائه عن قبول الحق، وعن كذلك انشراح صدره للحق. فتعجب من كثير من الناس، ربما يعلم الحق، ويعلم أن هذا هو التوحيد، وأن ما يفعله قومه، وما يفعله بنو عشيرته هو الشرك والخرافة، ومع هذا يعتذر بأنه لا يستطيع أن يخالف ما عليه آباؤه وأجداده. وهذا هو عين ما وقع فيه المشركون الأولون، عين ما وقع فيه المشركون الأولون؛ فإنهم اعتذروا عن قبول الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنهم لا يريدون مخالفة آبائهم وأجدادهم، ولا يريدون مفارقة آبائهم وأجدادهم. وهذه مصيبة عظيمة، وكما قال الله عز وجل في أولئك القوم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 22]، ﴿ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 23]. قال: ومات على الكفر، مع ما له من المواقف العظيمة في نصرة الحق والدفاع عنه، ومع ذلك لما لم يتبع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم تنفعه هذه الأمور، إلا ما صح أنه خفف عنه من عذاب النار، حيث أصبح في ضحضاح من نار بسبب شفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له. وهذه شفاعة خاصة، وهي أيضاً شفاعة محصورة محدودة، ما فيها إخراجه من النار، فهو خالد مخلد في نار جهنم، وإنما خفف عنه العذاب. والحديث جاء من حديث العباس، كما ذكر ذلك المعلق في الصحيحين. والرواية الأخرى قال: وفي رواية: «في أخمص قدميه جمرتان من نار يغلي منهما دماغه»، ما يرى أن أحداً... من النار أشد من... ما يرى أن أحداً... الظاهر أن صوابه: «من الناس»، وأن صوابه: «من الناس ينظر». إن شاء الله في هذه الرواية: حديث النعمان بن بشير: «ما يرى أن أحداً من الناس أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً». قال: لم ينفع ذلك في إخراجه من النار، فلا يتعارض هذا مع قوله تعالى عن الكفر: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ [المدثر: 48]، إنما نفعه في التخفيف عنه من العذاب فقط. فهذا النفع ليس نفعاً كاملاً، وليس نفعاً فيه الخروج من النار، وإنما هو نفع جزئي، فلذلك لا تعارض، لا تعارض بين الآية ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ وبين هذا الحديث الذي فيه أن أبا طالب خفف عنه من عذاب جهنم؛ لما كان يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويناصر النبي عليه الصلاة والسلام، فلا معارضة في ذلك. وانظر في هذا الحديث: «ما يرى أن أحداً من الناس أشد منه عذاباً، وهو أهونهم عذاباً»، فهذا يدل على شدة عذاب نار جهنم. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ثم مع قرابته ونصرته، استغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [التوبة: 113]. قال الشارح: نستفيد من هذا أنه لا يكفي الإقرار بأن الإسلام حق، ولا يكفي المدافعة عن الإسلام، ولا يكفي ذم الشرك والمشركين. كل هذا لا يكفي إلا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. فمن لم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فإن هذه الأمور لا تنفعه. وهذا قد تقدم مفصلاً. قال: وبناء على ذلك فإن هؤلاء الذين يصلون ويصومون، ويشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وقد يجاهدون الكفار، ولكنهم لا يتركون الشرك حول الأضرحة والقبور، ويستغيثون بالأموات، ويذبحون للقبور، فهؤلاء لا ينفعهم ذلك؛ لأن الشرك لا ينفع معه عمل، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر: 65]. فما دام أنه لم يتبرأ من المشركين، ولم يقاطعهم في الدين، فإنه لا ينفعه ذلك. ومهما كان ظاهره نصرة الإسلام، ونصرة المسلمين، والدفاع عن الإسلام، والدفاع عن المسلمين، وهو على الشرك، وهو يدعو غير الله، ويذبح لغير الله، ويستغيث بغير الله، فلا ينفعه ذلك. لا تنفعه النصر هذه، وكذلك لا ينفعه ادعاء الجهاد، وأنه مجاهد، وأنه يريد إعلاء كلمة الله. هذا كله لا ينفعه، كله لا ينفعه. ماذا سيبلغ؟ ماذا سيبلغ دفاعه عن الإسلام مع دفاع أبي طالب، وحماية أبي طالب للنبي عليه الصلاة والسلام؟ لا شيء. فهل نفع أبا طالب هذا الدفاع شيئاً؟ ما نفعه شيئاً أبداً. فمات على الكفر، والعياذ بالله، لأنه لم يتبع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يزال على الشرك الذي كان عليه آباؤه. فهكذا كل من ادعى نصرة الإسلام، وكل من ادعى الجهاد في سبيل الله، إن لم يكن متبعاً للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا ينفعه ذلك. ولذلك كم صرخ أهل السنة، وكم بحت أصواتهم من التحذير من الشرك، ومن كذلك الدعوة إلى التصفية، وإلى التربية؛ لأنهم علموا وأيقنوا أنه لا نصرة للإسلام ولا المسلمين إلا بالتصفية، إلا بتجريد التوحيد لله سبحانه وتعالى، إلا بإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى. فانظر على سبيل المثال: الجهاد الذي كان في أفغانستان، في جهاد أو في مقاتلة الشيوعيين الروس. قاتلوا وجاهدوا، وخرج العدو، ثم بعد ذلك ماذا؟ ثم بعد ذلك الذل والهوان لهؤلاء؛ لأنهم تناحروا، ولأنهم كذلك تعادوا فيما بينهم. ما هو السبب؟ لأن في أوساطهم الشرك، في أوساطهم من يتعلق بالحروز والتمائم، في أوساطهم من يتضرع إلى القبور، ويدعوها من دون الله عز وجل، في صفوفهم من يذبح لغير الله. فكانت هذه العاقبة. لم يمكنهم الله سبحانه وتعالى، ولم كذلك يكون على كلمة سواء. لماذا؟ لأنهم لم يتبعوا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا في أمر التوحيد، ولا في أمر العبادة، ولا في أمر السلوك والطريق. فكانت هذه العاقبة. وهكذا كل من ادعى نصرة الإسلام من الفرق الضالة والأحزاب المنحرفة، كالإخوان المسلمين، وكذلك جماعة الجهاد وغيرهم، لن يستطيعوا أن يصلوا إلى شيء. لماذا؟ لأنهم لم يتبعوا الرسول. انظر إلى جماعة الجهاد: منهم من عنده خلل في جانب العقيدة، ومنهم من عنده كذلك من المعاصي والكبائر والذنوب، ومنهم من عنده من البدع والخرافات، ثم يدعون الجهاد، والجهاد، والجهاد. لا يمكن أن يكون هناك نصر هكذا. هذه الأحزاب التي ترفع هذا الشعار: «شعار نصرة الإسلام»، و«لا حاكمية إلا لله»، و«أن الحكم إلا لله»، و«الإصلاح، الإصلاح، الإصلاح»، وهم في صفوفهم الشيعي، والصوفي، وعباد القبور، وأهل الخرافة، وأهل الشعوذة. يزعمون أن لهم النصر، وأن لهؤلاء أن يصلحوا غيرهم، وهم ما صلحوا في أنفسهم، ما صلحوا في أنفسهم. فكيف يصلح هذا؟ لا يصلح هذا. فإذا نستفيد هذا الدرس: أنه لا ينفع من يدعي نصرة الإسلام والمسلمين، إن لم يكن متبعاً للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا ينفعه ذلك. وقد يتحقق على يديه شيء، لكن لا ينفعه ذلك. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر»، لكن لا ينفع ذلكم الرجل هذا النصر شيئاً، لا ينفعه شيء؛ لأنه لم يتبع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. الله تعالى عنه شكراً.