شرح آيات الصيام 18

شرح آيات الصيام 18

الدرس في شرح آيات الصيام 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

توقيت السحور ومشروعية تأخيره

يبدأ وقت السحور من منتصف الليل ويمتد حتى قبيل الفجر، ويستحب تأخيره لما فيه من بركة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر سحوره حتى يكون بين سحوره وإقامة الصلاة قدر خمسين آية.

انتهاء وقت الصيام وتفسير معنى الليل

ينتهي وقت الصيام عند أول الليل، أي غروب الشمس، كما هو المفهوم من الآية "وَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ". يُشرع الفطر عند غروب الشمس.

استحباب تعجيل الفطر وضوابطه

يستحب تعجيل الفطر عند غروب الشمس، وهو من سنن النبي صلى الله عليه وسلم التي تحافظ على خيرية الأمة. نهى النبي عن تأخير الفطر مثل اليهود والنصارى.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، ففي الدرس الماضي، إخْوَانِي في اللَّهِ، كان الحديث عن السحور، أو السحور وما يتضمنه من مسائل، وَكَذَلِكَ مِمَّا يَلْحَقُ بِهَذَا الْبَابِ: مَتَى يَبْتَدِئُ السَّحُورُ؟ وَقْتُ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَقْتًا يَبْتَدِئُ بِهِ السَّحُورُ وَبِهِ يَنْتَهِي، فَقَالُوا: يَبْتَدِئُ مِنْ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، يَبْتَدِئُ السَّحُورُ مِنْ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ وَيَنْتَهِي إلَى قَبِيلِ الْفَجْرِ، فَهَذِهِ الْمُدَّةُ مَنْ تَنَاوَلَ فِيهَا طَعَامًا أَوْ شَرَابًا؛ كَمَا مَرَّ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّحَرِ أَوْ اسْمُ السَّحُورِ مَعَ النِّيَةِ إذَا نَوَى بِذَلِكَ السَّحُورَ. وَبِهَذَا يُعْلَمُ خَطَأُ مَنْ يَتَسَحَّرُ قَبْلَ ذَاكَ، بَعْضُ النَّاسِ لَرُبَّمَا يَتَعَجَّلُ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ ثُمَّ يَذْهَبُ إلَى بَيْتِهِ فَيَتَنَاوَلُ طَعَامًا وَيَنْوِي بِهِ السَّحُورَ ثُمَّ يَنَامُ بَعْدَهُ، فَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ حَدَّدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يُسَمَّى هَذَا السَّحُورَ، فَلَا يَدْخُلُ فِي تِلْكَ الْأَجْرِ الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا لِلْمُتَسَحِّرِينَ. وَكَذَلِكَ نَاهِيكَ عَمَّا فِي هَذَا السُّلُوكِ مِنْ الِاسْتِعْجَالِ بِالسَّحُورِ قَبْلَ وَقْتِهِ، كَانَ يُؤَدِّي فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فِيهِ حِرْمَانٌ لِكَثِيرٍ مِنْ هَؤُلَاءِ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَيَظْهَرُ وَمِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى أَنَّ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَ بِسَحُورِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُحْرَمُونَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، يَنَامُونَ إلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ، بِخِلَافِ الَّذِي يَتَأَخَّرُ. وَلِهَذَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ عِنْدَمَا يَذْكُرُونَ وَقْتَ السَّحُورِ بِأَنَّهُ مِنْ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ إلَى قَبِيلِ الْفَجْرِ، يَقُولُونَ: وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السَّحُورِ كُلَّمَا تَأَخَّرَ كُلَّمَا كَانَ أَفْضَلَ، كُلَّمَا كَانَ أَفْضَلَ؛ وَذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى الْجَسَدِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا تَأَخَّرَ فِي إدْخَالِ الطَّعَامِ إلَى الْجَسَدِ كَانَ ذَلِكَ أَعْوَنَ لَهُ فِي إتْمَامِ الصَّوْمِ بِالنَّهَارِ بِكُلِّ قُوَّةٍ، بِخِلَافِ الَّذِي يَتَسَحَّرُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَلَرُبَّمَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَقَدْ نَفِدَ مَا فِي بَطْنِهِ مِنْ الزَّادِ وَالطَّعَامِ، فَيَضْعُفُ فِي النَّهَارِ. وَهَكَذَا التَّأْخِيرُ فِي السَّحُورِ فِيهِ بَرَكَةٌ مِنْ بَرَكَةِ حُضُورِ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَذَلِكَ مِنْ بَرَكَةِ نُزُولِ الْإِلَهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا يَنْزِلُ فِي ثُلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ، فَذَاكَ الَّذِي يَتَنَاوَلُ هَذَا الطَّعَامَ فَيَحْمَدُ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا عَلَى هَذِهِ اللُّقْمَةِ، وَكَذَلِكَ يَدْعُو اللَّهَ جَلّ وَعَلَا، فَهَذَا الدُّعَاءُ حَرِيٌّ أَنْ يُسْتَجَابَ لِصَاحِبِهِ، فَلَا يَتَأَتَّى هَذَا الْبَابُ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ أَخَّرَ السَّحُورَ. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ هَدْيِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّادِ وَالسَّلَامُ ذَاكَ، فَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا يُؤَخِّرُ فِي سَحُورِهِ، بَلْ كَانَ يَقُولُ الرَّاوِي كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: سُئِلَ حَوْلَ مَا كَانَ بَيْنَ السَّحُورِ وَبَيْنَ الْأَذَانِ، قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً، كَانَ مَا بَيْنَ سَحُورِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَيْنَ الْأَذَانِ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ بِالِاتِّفَاقِ: الْأَذَانُ هُنَا يُرَادُ بِهِ الْإِقَامَةُ، الْإِقَامَةُ لَيْسَ الْأَذَانُ الْفَجْرَ، بَلْ إقَامَةُ الصَّلَاةِ، كَانَ بَيْنَ السَّحُورِ وَبَيْنَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. يَعْنِي يُؤَخِّرُ نَبِيُّنَا مِنْ سَحُورِهِ لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ، يُؤَخِّرُ لِدَرَجَةِ يَقُومُ مِنْ سَحُورِهِ فَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ ثُمَّ تَقُومُ الصَّلَاةُ. انْظُرْ لِهَذِهِ الْفَتْرَةِ بَيْنَ السَّحُورِ وَالْإِقَامَةِ الصَّلَاةِ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. وَعَلَى هَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ يُؤَخِّرُونَ فِي سَحُورِهِمْ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ، عُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْجَلَهُمْ فِطْرًا وَأَبْطَأَهُمْ سَحُورًا، كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْجَلَهُمْ فِطْرًا وَأَبْطَأَهُمْ سَحُورًا. فَكَانَ مِنْ هَدْيِهِمْ أَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ فِي أَكْلَةِ السَّحَرِ. وَكَذَلِكَ مِمَّا يُذْكَرُ مِنْ مَسْأَلَةِ السَّحُورِ مَسْأَلَةٌ: مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَامَ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ امْرَأَةً طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ قَبِيلَ الْفَجْرِ، عَلَى مَا يَبَادِرُونَ؟ هَلْ يَبَادِرُونَ إلَى الِاغْتِسَالِ أَمْ يَبَادِرُونَ إلَى السَّحُورِ؟ الصَّحِيحُ: يَبَادِرُونَ إلَى السَّحُورِ إنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَبَادِرُونَ إلَى السَّحُورِ ثُمَّ الِاغْتِسَالِ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَوْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَهُمْ لَمْ يَقْتَسِلُوا، فَهَذَا لَا يَضُرُّهُمْ، فَهَذَا لَا يَضُرُّهُمْ؛ وَالسَّحُورُ وَقْتُهُمْ مُضَيَّقٌ، فَلَوْ قَامَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْفَجْرِ بِرُبْعِ سَاعَةٍ، نِصْفِ سَاعَةٍ، وَيَعْلَمُ أَنَّ بِاغْتِسَالِهِ سَيَأْخُذُ عَلَيْهِ وَقْتًا وَمَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ السَّحُورَ عَلَى وَقْتِهِ، فَلَا تُضَيِّقْ عَلَى نَفْسِكَ، أَخِّرْ الِاغْتِسَالَ إلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، تَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضِهَا، وَهَكَذَا يَغْتَسِلُ الرَّجُلُ مِنْ جَنَابَتِهِ. ثُمَّ نَرْجِعُ كَذَلِكَ إلَى التَّعْرِيفِ إلَى وَقْتِ الْإِمْسَاكِ أَوْ وَقْتِ الصِّيَامِ، يَبْتَدِئُ الصِّيَامُ، قُلْنَا: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فِي تَعْرِيفِ الصِّيَامِ: هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مَعَ النِّيَةِ. نَأْتِي الْآنَ إلَى انْتِهَاءِ وَقْتِ الصِّيَامِ، الْمَسَاءُ الْمَاضِيَةُ بَيَّنَّا عَلَى أَنَّ الْفَجْرَ إذَا طَلَعَ، وَإِذَا ظَهَرَ أَمْسَكَ الصَّائِمُ وَيُمْسِكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ، وَكَانَ الْكَلَامُ فِي الدُّرُوسِ الْمَاضِيَةِ: مَا هِيَ الْمُفْطِرَاتُ؟ يُمْسِكُ إلَى مَتَى؟ يُمْسِكُ كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿وَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، إذَا دَخَلَ اللَّيْلُ أَمْسَكَ الصَّائِمُ؟ مَاذَا عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إذَا دَخَلَ اللَّيْلُ؟ أَفْطَرَ، وَمَاذَا تَنَاوَلَ الْمُفْطِرَاتِ؟ وَالْمَقْصُودُ هُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: مَا هُوَ اللَّيْلُ؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ: اللَّيْلُ هُنَا أَوَّلُهُ، أَوَّلُ اللَّيْلِ إذَا دَخَلَ أَوَّلُ اللَّيْلِ حِينَهَا يُفْطِرُ، يَرْتَفِعُ عَنْكَ أَمْرُ الْإِمْسَاكِ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ السُّنَّةُ، فَإِنَّ السُّنَّةَ بَيَّنَتْ مَا هُوَ اللَّيْلُ، فَقَدْ قَالَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا فِي الصَّحِيحِ قَالَ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْهَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْهَا هُنَا، وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّيْلَ الْمَقْصُودَ فِي الْآيَةِ هُوَ أَوَّلُ اللَّيْلِ، لَيْسَ مَقْصُودٌ دُخُولُ جُنْحِ اللَّيْلِ أَوْ مَاذَا؟ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، بَلْ يَكْفِي ظُهُورُ أَوَّلِهِ، «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْهَا هُنَا» أَيْ: ظَهَرَ مِنْ جِهَةِ الْغُرُوبِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، فَحِينَهَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ. وَكَذَلِكَ مِثَالٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِفْطَارِ وَدُخُولِ وَقْتِ الْفِطْرِ: مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَدَخَلَ وَقْتُ الْفِطْرِ، لَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُمْسِكَ، أَرَادَ أَنْ يُمْسِكَ، أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ دَلَالَةً عَلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَعَلَى دُخُولِ اللَّيْلِ، لَكِنَّ الرَّجُلَ مَا أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ، قَالَ: أَنَا سَأُوَاصِلُ، أَجِدُ هِمَّةً، أَجِدُ قُوَّةً، أَجِدُ لَذَّةً فِي تَعَبُّدِي لِلَّهِ جَلّ وَعَلَا فِي صِيَامِي أَكْثَرَ مِمَّا أَجِدُهُ فِي صَوْمِي أَوْ مَاذَا فِي فِطْرِي؟ فَأَوْلَى أَنَا أَتَعَبَّدُ اللَّهَ سَأُوَاصِلُ وَأُفْطِرُ فِيمَا بَعْدُ، هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى الْمَنْعِ، وَأَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَاصِلَ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ. «إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَدَخَلَ اللَّيْلُ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تُفْطِرَ»، هَذَا قَوْلُ جُمْهُورٍ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إلَى جَوَازِ الْمُوَاصَلَةِ، قَالَ: لَا بَأْسَ، عِنْدَهُ هِمَّةٌ وَأَحَبَّ أَنْ يَزِيدَ فِي سَاعَاتِ صَوْمِهِ فَلْيَزِدْ، لَكِنْ إلَى مَتَى؟ قَالُوا: إلَى السَّحَرِ، إلَى السَّحَرِ. وَدِيلُهُمْ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تُوَاصِلُوا»، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تُوَاصِلُوا»، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ، مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ. وَالسَّحَرُ هُوَ قَبِيلَ الْفَجْرِ، قَبِيلَ الْفَجْرِ. وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ، رِوَايَةٌ عَنْ إمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَنْ غَيْرِهِ. فَلِصِحَةِ هَذِهِ الدِلَالَةِ وَلِصِحَةِ الْحَدِيثِ فَعَمِلُوا بِمُضْمُونِهِ. فَعَلَى هَذَا: مَنْ رَأَى مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً وَجَلَدَهُ، وَأَحَبَّ أَنْ يُوَاصِلَ فِي صِيَامِهِ؛ كَمَا قُلْنَا: يَرَى لَذَّةَ التَّعَبُّدِ فِي تَسْبِيحِهِ، فِي اسْتِغْفَارِهِ، فِي تَنَفُّلِهِ، أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلَا بَأْسَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَاصِلَ إلَى السَّحَرِ، قَبِيلَ الْفَجْرِ. وَجَبَ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا لِيَكْسِرُوا الْوِصَالَ. وَبِهَذَا نَعْلَمُ قَوْلَ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ يَقُولُونَ بِأَنَّ السَّحُورَ وَاجِبٌ، قَدْ يَجِدُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ يُعَارِضُ ذِكْرٌ فِي مَقَامَاتٍ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ يَذْكُرُونَ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، فَذَكَرَ ابْنُ النُّوَوِيِّ وَابْنُ قُدَامَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَذْكُرُونَ اسْتِحْبَابَ السَّحُورِ، لَكِنْ يَجِدُ مِنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مِنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ السَّحُورِ. فَحَمَلَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْوُجُوبَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فِي حَقِّ مَنْ يُوَاصِلُ، إذَا وَاصَلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ يَوْمًا بِيَوْمٍ وَهُوَ فِي وِصَالٍ، وَهُوَ فِي صِيَامٍ، لَا يُكْسَرُ بِمَاذَا؟ يُكْسَرُ بِأَيِّ شَيْءٍ يُكْسَرُهُ، فَهَذَا الْكَسْرُ يَكُونُ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ، الْأَصْلُ أَنَّ السَّحُورَ مُسْتَحَبٌّ إلَّا فِي حَقِّ الْمُوَاصِلِ. فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَثَلًا وَاصَلَ، أَذَّنَ الْمَغْرِبُ وَوَاصَلَ وَهُوَ صَائِمٌ، مَا يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، أَذَّنَ الْعِشَاءُ وَوَاصَلَ، صَلَّى لِلتَّرَاوِيحِ أَوْ الْقِيَامِ وَوَاصَلَ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى بَقِيَ مِنْ الْفَجْرِ سُوَيْعَاتٍ أَوْ دَقَائِقَ مُعَدُودَةٍ، وَيُقْمِعُ فِي الْمَزِيدِ هُنَا لَا يَجُوزُ، بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَهُنَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا، لِمَاذَا؟ لِأَنَّ وِصَالَ الْيَوْمِ بِيَوْمٍ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَاصَلَ الْأَيَّامِ كُلَّ الْأَيَّامِ، هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ وَمِنْ شَمَائِلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَمْ يُعْطِهَا أَحَدًا، فَلَا أَحَدَ يُوَاصِلُ إلَّا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. أَمَّا الْإِنْسَانُ الَّذِي مَاذَا؟ مِنْ طَبِيعَةِ الْبَشَرِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَمِنْ الْمُحَقِّقِينَ. كَذَلِكَ مِنْ الْمَسَاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفِطْرِ: مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ، قَدْ يَكُونُ هَذَا فِي حَقِّ مُسَافِرٍ أَوْ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ فِي طَرِيقٍ مَا وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَتَفَطَّرُ بِهِ أَوْ يَتَفَطَّرُ عَلَيْهِ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَمَاذَا يَفْعَلُ هُنَا؟ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَأْتِي بِغُتْرَتِهِ وَيَمْصُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَأْتِي بِـ «مَاذَا؟» يَمْصُ إصْبَعَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دِلَالَةٌ. لَكِنْ قَالَ: «عَفَقَهَا»، مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ وَأَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ، يَكْفِيهِ النِّيَّةُ، يَنْوِي مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ، وَبِهَذَا يَدْخُلُ فِي عِدَادِ الْمُفْطِرِينَ، تَكْفِيهِ النِّيَّةُ. ثُمَّ تَأْتِي كَذَلِكَ مَسْأَلَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفِطْرِ: أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُعَجِّلَ فِي فِطْرِهِ، الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُعَجِّلَ فِي فِطْرِهِ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي بَيَانِ فَضْلِ مَنْ يُعَجِّلُ فِي فِطْرِهِ، مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ»، «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ»، الْخَيْرِيَةُ تَبْقَى فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بِتَطْبِيقِهَا لِلسُّنَنِ، بِتَطْبِيقِهَا لِلسُّنَنِ. وَمِنْ السُّنَنِ الْمَأْثُورَةِ الَّتِي بِهَا تَسْتَجْلِبُ الْخَيْرِيَةُ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ، «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ». وَفِي هَذَا بَيَانٌ وَرَدٌّ عَلَى مَنْ يَهُونُونَ مِنْ شَأْنِ السُّنَنِ، بَعْضُ النَّاسِ، بَلْ أَقُولُ: لَا أَقُولُ عَامَّةً، بَلْ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ لِلدَّعْوَةِ وَالْجَمَاعَاتِ: أَنَّهُ يَحْتَقِرُ مِنْ أَمْرِ السُّنَنِ، وَأَنَّ السُّنَنَ لَا تُقَدَّمُ وَلَا تُؤَخَّرُ، سَوَاءٌ كَانُوا سُنَنًا فِي الصَّلَاةِ أَوْ سُنَنًا فِي الصِّيَامِ أَوْ سُنَنًا فِي الْعِبَادَاتِ وَالنَّوَافِلِ. فَبَعْضٌ يَحْقِرُهَا، يَقُولُ: هَذِهِ قُشُورٌ، لَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَيْسَ فِي دِينِ اللَّهِ قُشُورٌ، انْظُرْ لِهَذَا الْقِشْرِ عِنْدَكَ وَهُوَ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ، انْظُرْ إلَى ثَمَرَتِهِ: خَيْرِيَّةٌ، خَيْرِيَّةُ الْأُمَّةِ، مُعَقَّدَةٌ بِهَذِهِ السُّنَّةِ، تَعْجِيلُ الْفِطْرِ، دَقَائِقُ تَتَقَدَّمُهَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، يُبَارِكُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ. وَلِهَذَا ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرْنَا عَنْهُ تِلْكَ الْعِبَارَةَ فِي «فَتْحِ الْبَارِي» عِنْدَمَا أَنْكَرَ عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ حَيْثُ أَنَّهُمْ يُؤَذِّنُونَ قَبْلَ الْوَقْتِ، ثُمَّ عَرَجَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ الْبِدْعَةَ أَنَّهُمْ يُؤَذِّنُونَ قَبْلَ الْوَقْتِ، قَالَ: «يُؤَخِّرُونَ فِي الْفِطْرِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَبِهَذَا كَثُرَ الشَّرُّ»، «وَبِهَذَا كَثُرَ الشَّرُّ»، كَثُرَ الشَّرُّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لِتَرْكِهِمْ السُّنَنَ. فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ «مَاذَا؟» أَنْ يَتْرُكَ هَذِهِ السُّنَّةَ، بَلْ يَحَاوِلُ أَنْ يُعَجِّلَ بِهَا، عَمَلًا بِأَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلْ لَيْسَ النَّاسُ بِخَيْرٍ، بَلْ الدِّينُ، ثَبَتَ فِي السُّنَنِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ»، «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ»، «فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ»، انْظُرْ لِهَذِهِ الْخَيْرِيَّةِ، خَيْرِيَّةٌ كَذَلِكَ فِي الدِّينِ، يَبْقَى الدِّينُ ظَاهِرًا لَا يَنْدَرِسُ وَلَا يَكُونُ مَطْمُوسًا بِتَطْبِيقِ الْأُمَّةِ لِهَذِهِ السُّنَّةِ، «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ»، «فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ». وَهُنَا تَأْتِي مِثَالٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ، التَّعْجِيلُ مَا هُوَ ضَابِطُهُ؟ مَا هُوَ ضَابِطُ التَّعْجِيلِ؟ ضَابِطُ التَّعْجِيلِ هُوَ سُقُوطُ قُرْصِ الشَّمْسِ، هَذِهِ الشَّمْسِ بِقُرْصِهَا يُرَاقِبُ، فَمَتَى مَا سَقَطَ عَنْ الْأُفُقِ وَغَابَ بِكَمَالِهِ وَتَمَامِهِ عَنْ الْأُفُقِ وَعَنْ سَطْحِ الْأُفُقِ، هَذِهِ عَلَامَةٌ عَلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَعَلَى دُخُولِ اللَّيْلِ عَلَى الصَّائِمِ، فَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَجِّلَ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَجِّلَ فِي فِطْرِهِ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْهَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْهَا هُنَا، وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»، فَهَذَا هُوَ الضَّابِطُ فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ إذَا سَقَطَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ، يَقُولُ حَافِظُ بْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ قَامَ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ إذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ، إذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ. إذَا تَحَقَّقَتْ «أَنْ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ عَنْ الْأُفُقِ»، هَذَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ مَحَلُّ اسْتِحْبَابٍ لِلتَّعْجِيلِ، مَحَلُّ اسْتِحْبَابٍ لِلتَّعْجِيلِ. ثُمَّ تَأْتِي مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذَا التَّعْجِيلِ: وَهِيَ أَنَّ الْعِبْرَةَ كَمَا سَمِعْتُمْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، بِغُرُوبِ الْقُرْصِ، فَلَا مُشَاحَّةَ أَوْ لَا يَضُرُّك يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا تَرَاهُ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْحُمْرَةِ، الْحُمْرَةُ الَّتِي تَتْبَعُ غُرُوبَ الشَّمْسِ، هَذَا لَا عِبْرَةَ بِهِ،