الدرس في شرح آيات الصيام 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول حكم من يأتي أهله في نهار رمضان، حيث يجب الامتناع عن الجماع، ومن يأتي أهله متعمدا يفسد صومه وتترتب عليه أربعة أحكام. الجماهير يوجبون القضاء والكفارة على من يأتي أهله متعمدًا.
يتناول أحكام الصيام والكفارة في حالة الجهل بها، ويحذر من استخدام الحيل للتهرب من أحكام الصيام، ويشرح بعض الأحكام المتعلقة بالاحتلام والجنابة أثناء الصيام.
يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الاعتماد على الله وتأكيد قدرته على كل شيء.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلْنَلْزَمَ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي ذِكْرِ الْمُفَطِرَاتِ، وَسَنَنْتَقِلُ بِإِذْنِ اللَّهِ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْمُفَطِرَاتِ. فَكَانَ الْكَلَامُ فِي دُرُوسٍ مَاضِيَةٍ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي وَالْخَوْضُ فِيهِ سَيَكُونُ عَنْ الْجِمَاعِ وَعَنْ مَسَائِلِهِ. فَأَوْلًا يَنْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنَّ الصَّائِمَ يَجِبُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الْجِمَاعِ، يَجِبُ عَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرَ بِتَرْكِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، وَأَمَّا مِنْ السُّنَّةِ فَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي». فَالشَّهْوَةُ مِنْ أَصْلِهَا الْجِمَاعُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ. وَعَلَى هَذَا قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْكَفِّ عَنْ الْجِمَاعِ لِلصَّائِمِ. هنا تَأْتِي مَسْأَلَةٌ: مَا حُكْمُ مَنْ يَأْتِي أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ؟ الْإِتْيَانُ يَكُونُ عَلَى حَالَاتٍ. الْحَالَةُ الْأُولَى: مَنْ يَأْتِي أَهْلَهُ مُتَعَمِّدًا. فَهَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ أَتَى أَهْلَهُ مُتَعَمِّدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَدْ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَذَلِكَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، وَأَمَّا مِنْ السُّنَّةِ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ ذَاكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَتَى أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. فَأَقَرَّهُ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى ذَلِكَ، أَقَرَّهُ عَلَى الْهَلَاكِ. فَمِنْ هَلَاكِهِ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ فَسَدَ. وَقَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ. قَامَ إجماعُ عُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَى أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ، فَقَدْ فَسَدَ صَوْمُهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. فَمَنْ أَتَى أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ، لَيْسَ الْعِبْرَةُ بِالْإِنْزَالِ. إِنَّمَا الْعِبْرَةُ فِي هَذَا الْوَصْفِ كَوْنُكَ تَأْتِي أَهْلَكَ أَيْ بِالْجِمَاعِ، وَمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَصْفُ الْجِمَاعِ. فَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَمْ يُنْزِلْ، لَكِنَّهُ جَامَعَ، فَإِنَّهُ مَاذَا؟ قَدْ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ. فَتَأْتِي هُنَا مَسْأَلَةٌ: عَلِمْنَا هَذِهِ الصُّورَةَ الْأُولَى مِنْ أَتَى أَهْلَهُ مُتَعَمِّدًا، فَقَدْ فَسَدَ صَوْمُهُ. هُنَا قَالَ عُلَمَاءُ: الَّذِي يَأْتِي أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ. بَعْضُهَا قَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا عَلَى خِلَافٍ. مِمَّا يَنْطَبِقُ عَلَى الَّذِي يَأْتِي أَهْلَهُ مُتَعَمِّدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ: أَوَّلًا فَسَادُ الصَّوْمِ، وَذَلِكَ قَدْ مَرَّ مَعَنَا، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ آثِمٌ، وَأَنَّهُ عَاصٍ، لِأَنَّهُ عَصَى اللَّهَ جَلَ وَعَلَا وَعَصَى رَسُولَهُ بِفِعْلِ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَهِيَ إتْيَانُ الْأَهْلِ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ فِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ هَذَا الَّذِي أَتَى أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، قَالَ نَبِيُّنَا: قَدْ احْتَرَقْت، قَدْ احْتَرَقْت. فَقَالَ لَهُ نَبِيُّنَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ؟ أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ؟». قَالَ عُلَمَاءُ: سَمَّاهُ نَبِيُّنَا الْمُحْتَرِقَ، أَيْ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْإِحْرَاقَ بِالنَّارِ بِهَذَا الْفِعْلِ. قَدْ اسْتَحَقَّ بِذَلِكَ لَوْلَا تَوْبَتُهُ. فَالَّذِي يَفْعَلُ هَذَا الْفِعْلَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَذَابَ. فَهُوَ إثْمٌ وَكَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، فَيَنْبَغِي الْكَفُّ عَنْهُ، وَلَا يَتَهَاوَنُ مُسْلِمٌ بِذَلِكَ. فَالْإِثْمُ، وَهَذَا أَمْرٌ كَذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ مَنْ يَأْتِي أَهْلَهُ فَهُوَ آثِمٌ. فَسَادُ الصَّوْمِ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ الْإِثْمُ بِالْإِجْمَاعِ. ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْكَفَارَةُ عَلَيْهِ، وَهِيَ الْكَفَارَةُ الْمُغَلَّظَةُ. وَسَيَأْتِي مَعَ الْكَلَامِ وَمَزِيدِ الْحَدِيثِ عَلَى الْكَفَارَةِ، لِأَنَّ تَحْتَهَا مَسَائِلَ يُتْرَكُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي دَرَسٍ مُسْتَقِلٍّ فِي ذِكْرِ مَسَائِلِهَا. لَكِنِ الْكَفَارَةُ تَجِبُ عَلَى الَّذِي أَتَى أَهْلَهُ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّ الْكَفَارَةَ تَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ. الْأَمْرُ الرَّابِعُ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. قَالُوا: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَهَذَا كَذَلِكَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. نُقِلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَهَبُوا إلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا بِرِوَايَةٍ فِي قِصَّةِ هَذَا الَّذِي أَتَى أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ: أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لَهُ: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ». قَالُوا: فَأَوْجَبَ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، أَوْجَبُوا عَلَى الَّذِي يَأْتِي أَهْلَهُ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَحَلَّ هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَهُ. فَسَأَتِي أَنَّ الْكَفَارَةَ مِنْهَا أَنْ يُصَامَ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ، وَهَذَا الْيَوْمُ زَائِدٌ عَنْ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْقَضَاءِ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى عَدَمِ إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الَّذِي يَأْتِي أَهْلَهُ. وَقَدْ مَرَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَوْ تَذَكُرُونَ، أَوْ مَاذَا تَعْلَمُونَ، فِي مَنْ يَتَعَمَّدُ أَنْ يُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ. فَعَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ: الَّذِي يَتَعَمَّدُ فِي فِطْرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، هَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، لَيْسَ رَحْمَةً بِهِ، لَكِنْ مِنْ بَابِ بَيَانِ عِظَمِ مَا فَعَلَهُ. فَهَكَذَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُجَامِعَ إنْ جَامَعَ، أَتَى أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، بَلْ يَبْقَى الْأَمْرُ فِي ذِمَّتِهِ، يَكْثُرُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ. وَهَذَا مَنْقُولٌ، نَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَيْ عَدَمَ الْقَضَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَهُوَ تَرْجِيحُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَأَنَّهُ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ: أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. فَشَاهَدْتُمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْخِلَافِيَةَ، وَالْجُمْهُورُ كَمَا سَمِعْتُمْ أَوْجَبُوا الْقَضَاءَ. فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ تَنْزِلُ فِي حَقِّ الَّذِي يَأْتِي أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ: أَوَّلًا الْإِثْمُ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ. فَسَادُ الصَّوْمِ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ. الْكَفَارَةُ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَالْقَضَاءُ عَلَى خِلَافٍ، الْجُمْهُورُ ذَهَبُوا إلَى إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَطَوَائِفُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ ذَهَبُوا إلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالصُّورَةِ الْأُولَى، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي أَهْلَهُ مُتَعَمِّدًا. الْمَثَلُ الثَّانِي، أَوْ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: مَنْ يَأْتِي أَهْلَهُ نَاسِيًا. وَهَذِهِ الْمَثَلَةُ قَدْ يُسْتَصْعَبُ مَا تُصَوَّرُهَا. وَلِهَذَا ذَهَبَ الطَّائِفَةُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى اسْتِشْكَالِ هَذِهِ الْمَثَلَةِ، وَأَنَّهَا غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ. وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ نَاسِيًا. لِمَاذَا يُسْتَصْعَبُ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْمَثَلَةَ لَا تَقُومُ عَلَى طَرَفٍ وَاحِدٍ. إنَّ هُنَاكَ أَطْرَافًا، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَاسِيًا وَتِلْكَ نَاسِيَةً. لَابُدَّ أَحَدُهُمَا ذَاكِرٌ. فَقَالُوا: لَا، لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَثَلَةُ مَوْجُودَةً. لَكِنْ أَقُولُ: هِيَ مَوْجُودَةٌ، وَهَذَا قَدْ يَقَعُ فِي أَوَائِلِ الصِّيَامِ مِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي أَهْلَهُ نَاسِيًا. لَكِنَّ فِي أَرْضِ الْوَاقِعِ إنْ وَقَعَ ذَلِكَ، مَا حُكْمُ الْمَثَلَةِ إنْ وَقَعَ ذَلِكَ؟ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، لَا كَفَارَةَ وَلَا شَيْءٌ. وَقَالَ بَلْ نَسَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ذَلِكَ إلَى الْجُمْهُورِ، حَيْثُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى: وَيَطَّرِدُ عَلَى هَذَا، لَهُ كَلَامٌ سَابِقٌ. وَيَطَّرِدُ فِي هَذَا الصَّائِمُ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلٌ، وَلَا كَفَارَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. فَنَسَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى الْكَثِيرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى عَدَمِ الْكَفَارَةِ عَلَى هَذَا الصِّنفِ، وَهُوَ مَنْ يَأْتِي أَهْلَهُ نَاسِيًا. وَأَدِلَّتُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ أَدِلَّةٌ عَامَّةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ أُمَّتِي: الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ». وَأَيْضًا بِمَا ثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَارَةَ». قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَارَةَ». وَالْحَدِيثُ يُحَسِّنُهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي الْإِرْوَاءِ. فَعَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَيَّ فِطْرٍ بِأَيِّ سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ مِنْ شَرَابٍ أَوْ مِنْ إتْيَانٍ، وَهُوَ عَلَى حَالِ النِّسْيَانِ، فَهَذَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَارَةَ. وَأَيْضًا مِمَّا يُذْكَرُ مِنْ الْمَثَلِ الْمُلْحَقَةِ بِهَذَا الْبَابِ: مَثَلٌ عَدِيدَةٌ مِنْهَا: لَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ هَذِهِ الْفِعْلَةَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، لَكِنَّهُ بَعْدَ فَتْرَةٍ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ جَاءَ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ. رَجُلٌ كَانَ مُعَافًى، فَتَعَمَّدَ أَتَى أَهْلَهُ، وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ جَاءَ عُذْرٌ، أُصِيبَ بِمَرَضٍ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ، أَوْ سَافَرَ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ. فَمَا حُكْمُ فِعْلَتِهِ الَّتِي فَعَلَهَا قَبْلَ سُوَيْعَاتٍ؟ هَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَارَةُ أَمْ تَبْقَى؟ بَلْ تَبْقَى، تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ. وَلَا يَتَعَذَّرُ بِأَنَّ هَذَا الْيَوْمَ جَاءَ الْعُذْرُ فِيمَا بَعْدُ، لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِمَا فِي الْحَالِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، الْحَالُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَعَمِّدًا، كَانَ صَائِمًا مُتَعَمِّدًا. فَالْكَفَارَةُ تَلْزَمُهُ. كَذَلِكَ مَثَلًا: لَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ هَذِهِ الْفِعْلَةَ، وَمَا دَرَى بِالْكَفَارَةِ. قَدْ يُوجَدُ بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ يَفْتَعِدُونَ عَنْ الْعِلْمِ وَعَنْ حَلَقِ الْعِلْمِ، يَجْهَلُ أَمْرَ الْكَفَارَةِ. يَعْلَمُ أَنَّ الصَّائِمَ يَبْتَعِدُ عَنْ الطَّعَامِ وَيَبْتَعِدُ عَنْ الشَّرَابِ وَيَبْتَعِدُ عَنْ الْأَهْلِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ. فَلَمَّا وَقَعَ فِي ذَلِكَ يَسْأَلُ: أَنَا وَقَعْت، هَلْ الْكَفَارَةُ تَلْزَمُنِي؟ وَهُوَ لَا يَدْرِي بِالْكَفَارَةِ، لَا يَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ الْكَفَارَةِ. لَكِنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا فِعْلٌ لَا يَجُوزُ. فَيَقَى الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ الْقَوِيِّ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْكَفَارَةَ تَلْزَمُهُ وَلَوْ كَانَ جَاهِلًا بِالْكَفَارَةِ. وَحَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي أَتَى أَهْلَهُ وَاضِحُ الدَّلَالَةِ. فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي أَتَى أَهْلَهُ عَلِمَ أَنَّهُ فَعَلَ أَمْرًا مُحَرَّمًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِوُجُودِ كَفَارَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلَى فِعْلِهِ. فَمَعَ جَهْلِهِ لَمْ يُسَامِحْهُ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلْ أَمَرَهُ بِالْكَفَارَةِ، وَمَرَّ مَاذَا؟ أَنْ يُخْرِجَهَا. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ وَلَوْ كَانَ جَاهِلًا بِأَمْرِ الْكَفَارَةِ، فَإِنَّ الْكَفَارَةَ تَلْزَمُهُ. كَذَلِكَ مَسْأَلَةٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَرَفَ مَسْأَلَةَ الْبَابِ، وَعَرَفَ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي أَهْلَهُ عَلَيْهِ فَسَادُ الصَّوْمِ، وَعَلَيْهِ كَفَارَةٌ، وَعَلَيْهِ إثْمٌ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ. فَفَكَّرَ بِحِيلَةٍ، وَكَانَ سِيَاسِيًّا، قَالَ: أَنَا صَعْبٌ، سَأَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ هَكَذَا مُبَاشَرَةً. سَأَتَذَرَّبُ عَلَيْهِ مَسَاءَةَ الْعِظَامِ، لَكِنْ أَقْتَصِرُ. فَمَاذَا فَعَلَ؟ سَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ أَفْطِرُ. أَنَا أَدْخُلُ فِي الْفِطْرِ، سَأُفْطِرُ. أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ، مَاذَا أَكُونُ؟ أَكُونُ مُفْطِرًا. مَاذَا عَلَيَّ؟ عَلَيَّ إثْمٌ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ. عَلَيَّ إثْمٌ. فَإِذَا أَكَلْتُ وَإِذَا شَرِبْتُ وَأَصْبَحْتُ مُفْطِرًا بَعْدَهَا، سَأَأْتِي أَهْلِي. مَا يَكُونُ عَلَيَّ كَفَارَةٌ، لِأَنِّي سَأَأْتِيهِمْ لَسْتُ بِصَائِمٍ، وَإِنَّمَا مُفْطِرٌ. هَلْ هَذَا يَسُوغُ لَهُ؟ قَالَ عُلَمَاءُ: مَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ، فَإِنَّ إِثْمَهُ يُضَاعَفُ. إثْمُ الْفِطْرِ وَإثْمُ الْحِيلَةِ. فَقَدْ قَالَ عُلَمَاءُ: أَنَّ الْحِيلَةَ لَا تَزِيدُ الْحَرَامَ إلَّا حُرْمَةً. الْحِيَلُ لَا تَزِيدُ الْحَرَامَ إلَّا حُرْمَةً. فَكُلُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَلَاعَبَ بِدِينِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا فِي أَيِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الدِّينِ، فَإِنَّ إِثْمَهُ يُضَاعَفُ. وَهَكَذَا مَثَلُهُ فِي حَقِّ الصَّائِمِ: رَجُلٌ صَائِمٌ مَثَلًا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. فَمَاذَا يَفْعَلُ؟ يَقُولُ: أَعْرِفُ إِنِّي أَفْطَرْت، إنْ أَفْطَرْت سَأَثَمُ. لَكِنْ أَبْحَثُ عَنْ عِلَّةٍ، حِيلَةٍ أُفْطِرُ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ. مَاذَا يَفْعَلُ؟ يَرْكَبُ السَّيَّارَةَ، يَذْهَبُ إلَى شَرْقِ الدُّنْيَا، شَرْقِ الْبِلَادِ، أَوْ غَرْبِهَا. يَذْهَبُ إلَى مَسَافَةِ سَفَرٍ، يَصِلُ إلَى حُدُودِ الْمَهْرَةِ. إيش أَنَا الْآنَ؟ أَنَا لَسْتُ مُقِيمًا، أَنَا مُسَافِرٌ. مُسَافِرٌ، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَرْجِعُ. يَقُولُ: إيش أَنَا الْآنَ؟ مُسَافِرٌ، قَدْ سَافَرْتُ إلَى حُدُودِ الْمَهْرَةِ وَرَجَعْتُ. فَأَنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَ وَعَلَا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. أَنَا الْآنَ مُسَافِرٌ، سَأَأْكُلُ وَأَشْرَبُ وَأَأْتِيَ أَهْلِي. مُوَافِقٌ، بِهَذِهِ الصُّورَةِ قَدْ أَصْبَحَ مَاذَا؟ صَاحِبَ عُذْرٍ. لَكِنْ بِمَاذَا؟ بِحِيلَةٍ. هَذَا إثْمُهُ يُضَاعَفُ. إثْمُهُ يُضَاعَفُ. لَوْ أَنَّهُ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مُبَاشَرَةً، لَكَانَ إثْمُهُ أَخَفَّ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ إثْمِ هَذِهِ الْحِيلَةِ. فَإِنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَجُوزُ، حَيْثُ لَاعَبَ دِينَ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا. فَهَذَا الَّذِي يَأْتِي أَهْلَهُ مَثَلًا بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ، لَكِنَّهُ يَتَّخِذُ حِيلَةً. كَانَ يُفْطِرُ، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَشْبَعُ ثُمَّ يَأْتِي. فَهَذَا إِثْمُهُ يُضَاعَفُ. كَذَلِكَ الْمَثَلُ مُتَعَلِّقٌ بِهَذَا الْبَابِ: مَثَلًا مَا لَوْ أَنَّهُ رَجُلًا أَصْبَحَ مُحْتَلِمًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. نَامَ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَقَامَ فَإِذَا بِهِ مُحْتَلِمٌ، أَوْ نَامَ بَعْدَ الظُّهْرِ فَقَامَ بِاحْتِلَامِهِ. مَا حُكْمُهُ؟ حُكْمُ الصَّوْمِ صَحِيحٌ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ. بِالْإِجْمَاعِ لَا خِلَافَ: أَنَّ الَّذِي يَحْتَلِمُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ احْتِلَامًا، يَنَامُ فَيَحْتَلِمُ فِي أَثْنَاءِ نَوْمِهِ، فَاسْتَيْقَظَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَصَوْمُهُ صَحِيحٌ. لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ. كَذَلِكَ مَثَلًا مَا لَوْ أَنَّهُ رَجُلًا أَصْبَحَ مِنْ جِمَاعٍ مِنْ لَيْلٍ، أَتَى أَهْلَهُ ثُمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ فِي صَبَاحِ اسْتَيْقَظَ فِي يَوْمِ الصِّيَامِ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ جَنَابَةِ جِمَاعٍ. مَا حُكْمُهُ؟ هَذَا كَذَلِكَ لَا يُفْطِرُ، صَوْمُهُ صَحِيحٌ. بَلْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ لَا عَنْ احْتِلَامٍ، مِنْ جِمَاعٍ لَا عَنْ احْتِلَامٍ، فَيُكَمِّلُ صَوْمَهُ. فَالَّذِي يَسْتَيْقِظُ يُصْبِحُ مِنْ نَهَارِهِ مِنْ أَثَرِ جِمَاعٍ كَانَ بِاللَّيْلِ، فَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي صِيَامِهِ. وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُصَلِّيَ، وَيُصَلِّيَ الْفَجْرَ. بِذِكْرِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْإِجْمَاعُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. هَذِهِ أَهَمُّ الْمَسَائِلِ. بَقِيَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذَا الْبَابِ، تُتْرَكُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي دَرَسِ غَدٍ. فَأَسْأَلُ مَوْلَانَا جَلَ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.