نصائح وتوجيهات تربوية 2

نصائح وتوجيهات تربوية 2

الدرس في نصائح وتوجيهات تربوية 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفريغ النفس من الشواغل الحسية والمعنوية لطلب العلم

يشدد الدرس على وجوب خلو نفس طالب العلم من الشواغل الدنيوية الحسية كجمع المال، والمعنوية كالمعاصي وأمراض القلوب، لأن المعاصي تورث الران الذي يحول دون قبول نور العلم النافع، فيجب على الطالب مجاهدة النفس وتقديم العلم على الدنيا.

أثر المعاصي على قلب طالب العلم ووجوب التوبة النصوح

يبيّن المقطع أن المعاصي تحدث نكتة سوداء ورانًا على القلب يمنع وصول نور العلم، مستدلاً بالحديث النبوي وآية الران وقول الشافعي: «العلم نور ونور الله لا يؤتى عاصي»، ويؤكد لزوم المبادرة بالتوبة والاستغفار لتصفية القلب والانتفاع بالعلم.

أهمية حضور الدروس من أولها والقرب من المدرس

يؤكد المقطع ضرورة حرص طالب العلم على حضور الدروس منذ بدايتها لضمان السياق الكامل للفوائد، وعلى القرب الجسدي من المدرس لضمان السماع الجيد والرؤية الواضحة، مستشهداً بمنهج المحدثين في ترجيح رواية الأقرب لاستيعابه الأتم.

ختام الجلسة والتوجيه بالتقرب من المدرس للاستزادة

يختتم المتحدث الدرس بالتأكيد على أن التقرب من المدرس هو الأسلوب الأمثل والأكمل لاستيعاب الفائدة، معلناً انتهاء الجلسة الحالية على أن يُكمل الباقي في درس قادم، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: فقد تقدم في الدرس الماضي الإشارة إلى حاجة طالب العلم إلى إخلاص النية، وهو أول ما يوجه به طالب العلم وينصح به في طريقه في طلب العلم. ثانيًا: مما يوجه به طالب العلم في سيره في هذا التزود من العلم: تفريغ النفس وتقليل شواغلها عن العلم. وتفريغ النفس المراد به: التفريغ الحسي والتفريغ المعنوي. فإن النفس إذا شغلت بغير العلم أخذت منها تلك الشواغل حيزًا كبيرًا، فصرفت هذه النفس عن طلب العلم، فمنعت الشواغل الحسية ك الاشتغال بأمور الدنيا التي هي ليست أساسيات وإنما هي كماليات، والاغترار بزينة هذه الحياة الدنيا. فينبغي لطالب العلم أن يؤثر العلم على المال، وقد ذكر ابن القيم عليه رحمة الله أوجهًا كثيرة في كتاب «مفتاح دار السعادة» هذه الأوجه فيها تفضيل العلم على المال، وقد قرئت - يسر الله - في هذا المسجد المبارك أن قرئت هذه الأوجه، وهي أوجه كثيرة، وقرئ منها ما تيسر. فينبغي لطالب العلم أن يفرغ نفسه، وأن لا ينشغل بهذه الدنيا وزخارفها. قد يكون الانشغال ليس بجمع المال، بل قد يكون الانشغال كما هو حال بعض طلبة العلم بالنظر في زينة هذه الحياة الدنيا: إما بالرحلات، وإما كذلك بالتسكع في الشوارع والأسواق، وإما بالجلوس على الطرق وعلى كذلك الشوارع، وإلى غير ذلك. فما ينبغي لطالب العلم أن يضيع وقته في مثل هذه الشواغل الحسية التي هي ملموسة ومشاهدة، يقع فيها بعض طلبة العلم، فينبغي عليه أن يفرغ نفسه لهذا العلم النافع، وأن يشغل جل وقته في طلب العلم. وأما الشواغل المعنوية فهي كثيرة، وقل ما يسلم منها طالب علم، ولكن ينبغي لطالب العلم أن يجاهد نفسه من هذه الشواغل المعنوية. مثالها: المعاصي والذنوب، فإن المعاصي والذنوب تشغل القلب وتصرف القلب عن طلب العلم. فاحذر يا طالب العلم من الحسد، ومن الخصومات، ومن كذلك الشحناء والبغضاء بينك وبين إخوانك، واحذر كذلك من الحقد، ومن كذلك الغل، ومن كذلك المشاكل التي ربما تنسيك كثيرًا من المعلومات. هذه أمراض القلوب. واحذر من المعاصي جميعًا، فإن المعاصي تشغل القلب وتصرفه عن طلب العلم. فإن المعاصي تورث الران الذي يقع على القلب فيحول بينه وبين قبول هذا العلم وهذا النور، لأن العلم النافع نور من الله سبحانه وتعالى. ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾. فهذا العلم نور من الله عز وجل، فإذا وجد هذا النور حاجزًا ومانعًا أن يصل إلى القلب لا يصل إلى القلب. فاحذر من المعاصي جميعًا، احذر من النظر المحرم إلى النساء أو إلى المردان، واحذر من السماع المحرم: سماع الأغاني والغيبة والنميمة والشتم والسب والقيل والقال. اجتنب هذه المجالس، فإنك إن وقعت فيها يخشى أن يكون على قلبك ران، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة عند أحمد، وهو في الصحيح المسند ما ليس في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أذنب العبد ذنبًا نُكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر سُقِل قلبه، وإن عاد زيدت فيه حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله عز وجل: ﴿ كَلَّا ۖ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾». فمعصية بعد معصية بعد معصية تساوي نكتة بعد نكتة بعد نكتة، أو نقطة بعد نقطة بعد نقطة، حتى يتكون ذلك الران وذلك الغلاف الذي يحول بين القلب وبين الانتفاع بالعلم، وبين الانتفاع بالعلم. فينبغي لطالب العلم أن يبعد نفسه عن تلك الأمور الصارفة له والمشغلة له عن طلب العلم، فالعلم يحتاج إلى قلب نقي، إلى قلب صاف، إلى قلب بعيد من المشاغل والمشاكل، ومن الهموم والغموم. فينبغي للمسلم أن يبتعد عن كل ما يعكر عليه صفوة هذا القلب، سواء أكانت هذه الشواغل كما تقدم حسية أو معنوية. ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول - وبعضهم أثبت سماع الشافعي من وكيع بن الجراح عليه رحمة الله - يقول الإمام الشافعي: «شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ الْعِلْمَ نُورٌ وَنُورُ اللَّهِ لَا يُؤْتَى عَاصِي». نور الله لا يؤتاه عاصي. فهذا النور يحتاج إلى قلب نقي، قلب صاف. ولذلك ذكر ابن القيم في عدة كتبه، ومنها «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»، ذكر من آثار المعاصي ومن عقوبة المعاصي: حرمان العلم، حرمان العلم. فهكذا ينبغي لطالب العلم أن يبتعد عن المعاصي، وأن يجاهد نفسه. وليس معنى هذا أن يكون طالب العلم معصومًا، فليس أحد من البشر غير الأنبياء معصومًا. لكن إذا استزله الشيطان ووقع في معصية فليبادر إلى التوبة وإلى الاستغفار حتى يصفو قلبه، وحتى تذهب تلك النقطة التي هي من آثار هذه المعصية، من آثار هذه المعصية، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. فاحذر من الإصرار، فليس الشأن كل الشأن ألا تعصي، ولكن الشأن كل الشأن أن إذا عصيت بادرت بالتوبة والاستغفار. يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي ذر في مسلم، الحديث الطويل: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ». فالله عز وجل دعانا إلى التوبة وإلى الاستغفار. فالإنسان يجاهد نفسه، وإذا استزله الشيطان وأوقعه في شيء من العصيان فليبادر بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. قال: ومن هذه التوجهات التي يوجه بها طالب العلم: الحرص على حضور الدروس من أولها، وعدم التغيب أو التأخر. فهذا أمر مهم جدًا لطالب العلم. لماذا؟ لأن الطالب إذا حضر المجلس والدرس من أوله كان أكثر إنصاتًا وسماعًا، وكان أقرب إلى المدرس أو إلى الشيخ، وكان أكثر احتواءً للفائدة. وربما إذا تأخر عن الدرس يأتي وقد شرع المدرس في شرح المسألة. فانظر مثلاً: أنت حضرت إلى درس، فإذا بالمدرس قد تكلم عن مسألة وهو في أثناء شرح وتقرير هذه المسألة، فأنت تجلس، وإذا به يقول: والقول الثاني قول الجمهور وهو قول ضعيف. ماذا ستستفيد من هذا الكلام وأنت ما حضرت؟ ما هي هذه المسألة؟ وما هو القول الثاني؟ وما هي أدلة القائلين بالقول الأول؟ ما تدري. هذا لأنك حضرت في أثناء الدرس، فتفوت كهذه المسألة. ولربما توسع الشيخ في هذه المسألة أو المدرس فاستغرق الدرس كله، فتخرج بدون فائدة. لماذا؟ لأنك ما حضرت من أول الدرس، ما حضرت من أول الدرس، فما استطعت أن تستفيد من هذا الدرس. وهذا من عواقب التأخر عن الدروس. وكذلك من عواقبها: تفوتك فوائد ربما قبل أن تحضر قد ذكر فوائد تشد لها الرحال، فاتتك لماذا؟ لأنك تأخرت عن هذه الحلقة أو عن هذا الدرس. فينبغي لطالب العلم أن يحرص أن يحضر الدرس من أوله، وأن كذلك يقرب من المدرس. لأن الذي يقرب من المدرس ويلي المدرس يكون أكثر فائدة، يكون أكثر فائدة. أولاً: إن كان المدرس صوته ضعيفًا يسمع. وكذلك إذا كان المجلس واسعًا يستطيع القريب من النظر في تمثيل الشيخ، وفي كذلك كتابة الشيخ إن كان يكتب في سبورة أو نحوها. فمثلاً: أحياناً يحتاج الشيخ أن يشرح شيئًا بالتمثيل باليد، التمثيل باليد، أو التمثيل كذلك بالعمامة، أو التمثيل كذلك بذكر بعض مواضع الجسد الذي ربما ما تعلمها. فإن كنت بعيداً أن لك أن تنظر الشيخ، ما تستطيع أن تنظر الشيخ. فالقريب يكون أكثر استيعاباً من البعيد، أكثر استيعاباً من البعيد. وقد ذكر الحافظ العراقي في بعض كتب أصول الحديث أن من المرجحات ومن أسباب الترجيح عند المحدثين: إذا اختلف الراويان، هذا مثلاً يثبت وذاك ينكر، أو هذا يزيد وهذا ينقص. اختلف راويان كلاهما يدرسان عند شيخ واحد، اختلفا في لفظ حديث أو في زيادة أو في نقصان. فمن المرجحات أن يؤخذ بكلام القريب الذي عرف عنه أنه قريب من الشيخ، يؤخذ قوله لأنه أكثر استيعاباً وأكثر كذلك احتواءً للفائدة، فيرجحون حديثه على حديث البعيد. فهذا يدلك على ماذا؟ يدلك على أهمية القرب من المدرس أو من الشيخ أو من المعلم. فهكذا إن استطعت أن تقرب من المدرس فهذا هو الأفضل، وهذا هو الأكمل، وهذا هو الأكثر استيعاباً واحتواءً للفائدة. نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي في درس قادم. إلى هنا والله أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر