الدرس في نصائح وتوجيهات تربوية 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المتحدث على ضرورة اقتناء طالب العلم للكتب المقررة لتسهيل المتابعة والمراجعة، وبناء مكتبة نافعة. كما ينصح بالاستعداد المسبق بمراجعة المسائل الإشكالية وتدوين الأسئلة للشيخ لتحقيق الفهم العميق.
يشدد المقطع على وجوب تدوين الفوائد في دفتر خاص لتثبيت العلم، مستدلاً بحديث «قيد العلم بالكتاب» وفعل عبدالله بن عمرو. ويبين أن النهي المبكر عن الكتابة كان مخافة اختلاط القرآن بالسنة ثم نسخ.
يوضح المقطع أن الكتابة وحدها لا تكفي بل يجب أن تكون عوناً للحفظ، لأن العالم الحق يحفظ العلم في صدره. وينصح بالبدء بحفظ القرآن ثم المتون الحديثية وعلوم الآلة لضبط الفهم.
يشير المقطع إلى أن العلم لا يُنال إلا بالاجتهاد وتخصيص الوقت، وأن الكتابة تعين على الحفظ. ويختم بالنصيحة بالمثابرة والاهتمام بالحفظ مع الاستمرار في الدروس.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فنأخذ إن شاء الله تعالى تكملة لبعض التوجيهات التي يحتاجها طلاب العلم، لا سيما ونحن في هذه الأيام نعيش هذه الدورة العلمية النافعة. من هذه التوجيهات التي يوجه بها طالب العلم: اقتناء الكتب التي تدرس في هذه الدورات من أجل المراجعة والبحث والتعليق والتقييد. فهذا أمر مهم جدًا، أن طالب العلم إذا علم من شيخه أو من مدرسه أنه سيفتح درسًا في كتاب ما، ينبغي عليه أن يقتني هذا الكتاب، أي أن يتحصل على هذا الكتاب حتى يقص مع المدرس، وحتى كذلك يكون أكثر انتباها وأكثر استيعابًا. فهذا أمر مهم جدًا في الدروس التي تفتح فيها الكتب، كتب أهل العلم. وفي اقتناء هذه الكتب فائدة أخرى، وهي جمع مكتبة طيبة لطالب العلم. فأنت تشتري هذا الكتاب وتدرسه ويكون في مكتبتك، فانظر لو كنت مستمرًا في طلب العلم: كم كتابًا درست، وكم كتابًا اقتنيت؟ كتب كثيرة، فتتكون عندك مكتبة طيبة نافعة تستفيد منها في المستقبل، وهكذا تفيد منها. فأنت اليوم طالب، وغدًا مدرس، فعليك أن تحرص على اقتناء الكتب، خصوصًا التي تدرس، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. ومن فوائد اقتناء الكتب: المراجعة. لو أنك ما معك كتاب، كيف تراجع الدرس المتقدم، الدرس الماضي؟ كيف تراجعه وأنت لا يوجد معك كتاب؟ ومن فوائد أيضًا اقتناء الكتاب عند الدرس: التعليق على الغامض وعلى المشكل من ألفاظ هذا الكتاب. فأنت تعلق على ما أشكل عليك وما صعب عليك، ولا يكون هذا إلا بوجود الكتاب. أما إذا لم يوجد معك كتاب، فستمر عليك العبارات المشكلة وما تستطيع أن تفكها، وأن تعلق عليها. ومن هذه التوجيهات التي أيضًا يوجه بها طالب العلم: الاستعداد للدرس قبل إلقائه من المدرس أو من الشيخ، وذلك بتحضير هذا الدرس والنظر في الأمور المشكلة ليسأل عنها الشيخ بعد الدرس. وهذه طريقة نافعة مجربة في الاستفادة من الدروس العلمية. مثلًا: اليوم عندك درس في الفقه، وفي مسألة مثلًا: قراءة المأموم خلف الإمام، قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام، هل هي واجبة على المأموم في الصلاة السرية والصلاة الجهرية، أم في الصلاة السرية فقط؟ فأنت تراجع هذه المسألة، وتقرأ هذه المسألة من الكتاب، وتعرف دليل هذه المسألة، فلا شك أنه ستبقى عندك بعض الإشكالات، وبعض كذلك الأدلة التي تحتاج إلى تبيين وإلى وجه استدلال. فلما تراجع، تبقى هذه الأمور المشكلة في ذهنك، فأنت متشوق إلى أن يفكها المدرس. فإذا فكها، فهذا الذي تريد، وإذا لم يبينها سألته وطلبت منه فك هذا الإشكال. فبهذا ينمو علمك، وبهذا كذلك تستطيع أن تحتوي علمًا غزيرًا بهذه الطريقة، لأن هذه الطريقة ستجعلك في جد واجتهاد، وفي بحث ومراجعة. فاحرص على هذه الطريقة، أن تستعد للدرس قبل إلقائه. أيضًا عندك درس مثلًا في النحو، اليوم في «كان وأخواتها» مثلًا، فأنت تقرأ هذا الباب، لا شك أنك ستفهم منه شيئًا، ولو شيئًا يسيرًا، وما لم تفهمه فأنت متشوق إلى أن يفهمك الشيخ أو المدرس. فإذا فهمك، وكذلك شرح لك ما تريد، فهذا الذي تبغي، وإلا سألته عما أشكل عليك. فهذا أيضًا مما ينبغي أن يهتم به. ومن كذلك التوجيهات التي يوجه بها طالب العلم: أن يقيد الفوائد والشوارد، وإذا كان له سجل خاص، يعني دفتر خاص للمعلومات والفوائد، فهو أمر حسن. فهذا لا بد منه لطالب العلم. لماذا؟ لأن الإنسان لا سيما في هذه الأزمان، مع كثرة المشاغل، ومع قلة الحفظ، ينسى كثيرًا. ما يستطيع طالب العلم أن يحفظ كل الفوائد التي تلقى في الدرس، فالكتابة والتقييد يعينه على حفظ العلم. فأنت تكتب هذه الفوائد ثم تراجعها وتذاكرها، فبالمذاكرة تثبت عندك هذه الفوائد وتكون من محفوظاتك. ولقد حسن العلامة الألباني في «الصحيحة» حديثًا جاء عن جمع من الصحابة، منهم ابن عباس، ومنهم كذلك ابن عمر، وغيره وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قيد العلم بالكتاب». وهذا الحديث اختلف فيه الحفاظ، فمنهم من رجح فيه الوقف، وأنه موقوف على عمر، جاء موقوفًا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. والشيخ الألباني قال: ما يمنع يكون الحديث روية بالوجهين، بالوقف وبالرفع، فحسنه مرفوعًا: «قيد العلم بالكتاب». وهكذا كان عبد الله بن عمرو بن العاص يقيد ويكتب، وأكثر من ذلك، حتى قال رضي الله تعالى عنه: «نهاني أو نهتني قريش عن ذلك، وقالوا: أنت تكتب عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كل شيء، وهو عليه الصلاة والسلام في حال الغضب وفي حال الرضا». فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اكتب، فوالذي نفسي بيده لا يخرج من هذا» - وأشار إلى فيه عليه الصلاة والسلام - «لا يخرج من هذا إلا حقًا»، يعني في حال الرضا وفي حال الغضب، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يقول إلا الحق، لا يقول إلا الحق. فهذا أيضًا من أدلة الكتابة. وجاء عن السلف النهي عن الكتابة، وحمل ذلك كما ذكر ذلك بعض أهل العلم على أن هذا النهي كان في أول الأمر، وفي وقت نزول الوحي من السماء. وقالوا: إن الحكمة من ذلك حتى لا يختلط القرآن بالسنة، حتى لا يختلط القرآن بالسنة، لأن الوحي في ذلك الوقت ينزل، فمن أجل ذلك جاء النهي في بعض الأحاديث وفي بعض كلام السلف، فحمل على هذا. فبعد انتفاء هذه العلة، لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يكتبون، حتى أن أبا هريرة رضي الله عنه قال - رحمه الله، رضي الله عنه -: «لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكثر مني حديثًا إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مني حديثًا إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كتب ولم أكتب، فإنه كتب ولم أكتب». فكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب من النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك عد من المكثرين من حديث النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن لنعلم أيها طلاب العلم، أن طالب العلم لا يعتمد على هذه الكتابة فقط ويترك الحفظ، لأن بعض طلاب العلم تجده يكتب ويدون، وما من شاردة ولا واردة إلا وقيدها، ولكنه لا يحفظها، ولا يجعل هذا التقييد عونًا له في الحفظ، فهذا ليس بصحيح. ينبغي عليك أن تجعل الكتابة عونًا لك في حفظ هذه الفوائد، في حفظ هذه الفوائد. لأن الله سبحانه وتعالى امتدح العلماء بكونهم يحفظون هذا القرآن في صدورهم، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، في صدور الذين أوتوا العلم. فالعالم الحق هو الذي يحفظ العلم، فهو معه أينما كان، فهو معه أينما كان، ويستطيع أن يستحضر في كل حال. أما إذا كان الطالب يكتب ولا يعتمد على الحفظ، فإنه إذا سئل يجد نفسه خاليًا خاويًا، فلربما قال للسائل: «انتظر، سأراجع هذه المسألة وسأنظرها في كتابي». ولقد أحسن من قال: «جامع العلم تراه أبدًا، ليس ذا حفظ، ولكن ذا غلط، وتراه حسن الخط إذا كتب، الخط بصيرا بالنقط، وإذا فتشته عن علمه قال: علمي يا أخي في الصفط، يعني في الأوراق، في كراريس جياد أحكمت، وبخط أي خط، أي خط. وإذا قيل له: هاتي لنا، حك لحييه جميعا وامتخط». يعني إذا قيل له: هاتي لنا من هذا العلم الذي كتبته في كراريس، ما يحفظه، جلس هكذا يحك لحييه ويمتخط، وهكذا يماطل من طلب منه هذا العلم، لأنه لا يحفظه. ولقد أحسن أيضًا من قال: «فاحفظ، فكل حافظ إمام». فاحفظ، فكل حافظ إمام. فينبغي لطالب العلم أن يهتم بمسألة الحفظ. وفي أول ما ينبغي أن يعتنى به في الحفظ: هو كتاب الله، القرآن الكريم. ينبغي على طالب العلم أن يجد وأن يجتهد في حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك يحفظ ما يسر الله له من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، شيئًا فشيئًا: يبدأ بالأربعين النووية، ثم هكذا ينتقل إلى «عمدة الأحكام»، وهكذا بعد ذلك ينتقل إلى «بلوغ المرام»، وهكذا إن وجد من نفسه نشاطًا وانطلاقًا يحفظ في الصحيحين أو في أحدهما، وهكذا في غيرها من كتب السنة. وهكذا يحفظ من علوم الآلة ما يعينه على ضبط العلم وعلى فهم العلم، كعلم النحو وعلم المصطلح، وغيرها من العلوم. فالعلم: إن أعطيته كل وقتك أعطاك بعضه. إن أعطيت العلم كل وقتك أعطاك بعضه. فما عليك إلا أن تجد وتجتهد، وأن تعتني بهذا الأمر، ألا وهو مسألة الحفظ، وأن تجعل الكتابة وتقييد الفوائد والشوارد عونًا لك على حفظ هذه الفوائد، عونًا لك على حفظ هذه الفوائد. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر