عقيدة أهل السنة والجماعة 14

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الافتتاحية والصلاة على النبي ﷺ

استهل المتحدث الدرس بالحمد لله والصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ وآله وصحبه، وهي الافتتاحية المعتادة في الدروس والخطب الشرعية. تهيئ هذه المقدمة الحضور لاستقبال العلم الشرعي بالآداب المطلوبة.

إثبات معية الله لخلقه مع علوه على عرشه

يقرر المصنف أن الإيمان بالله يتضمن إثبات معيته لخلقه مع علوه على عرشه، مبيناً أن المعية الثابتة بالنصوص هي معية علم وإحاطة ونصرة لا معية اختلاط وامتزاج. استدل على ذلك بلغة العرب وآيات القرآن وأقوال السلف ومثال القمر الذي في السماء ومع المسافرين دون ممازجة.

أنواع المعية الإلهية في اللغة والشرع

يشرح المقطع المعنى اللغوي لكلمة "مع" في العربية موضحاً أنها لا تقتضي المصاحبة الذاتية بل قد تكون بالعقد أو التأييد، ثم يقسم المعية الإلهية إلى ثلاثة أنواع: عامة لجميع الخلق، خاصة للمتقين والصابرين، وأخص للأنبياء والرسل. ويرد على أهل الحلول والاتحاد مبيناً بطلان قولهم ومخالفته للعقل والنقل.

حقيقة معية الله عند أهل السنة والرد على الحلول

يبين المقطع بطلان عقيدة الحلول والاتحاد التي تزعم حلول الله في المخلوقات، ويوضح موقف أهل السنة المثبت لعلو الله ومعيته لخلقه على الوجه اللائق بمعية العلم والإحاطة لا بالاختلاط. يقرر أن قول شيخ الإسلام وابن عثيمين "الله مع خلقه حقيقة" لا يعني الحلول بل إثبات الصفة مع تفويض الكيفية، ويضرب المثل بالقمر، ويوضح أن قول العوام "الله في قلبي" يقصد به التعظيم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قال المصنف رحمه الله تعالى: ونؤمن بأنه تعالى مع خلقه، وهو على عرشه، يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويدبر أمورهم، يرزق الفقير، ويجبر الكسير، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. ومن كان هذا شأنه كان مع خلقه حقيقة، وإن كان فوقهم على عرشه حقيقة، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الموضع أن من الإيمان بالله جل وعلا الإيمان بأن الله جل وعلا مع خلقه، وإن كان هو على عرشه جل وعلا، فعلوه جل وعلا لا ينافي معيته لخلقه جل وعلا. فالله جل وعلا ليس كمثله شيء، ولا يقاس جل وعلا بخلقه. فالله جل وعلا يجتمع في حقه العلو والمعية: علوه جل وعلا على خلقه، وهكذا معيته جل وعلا لخلقه. كل ذلك ثابت لله جل وعلا في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فالله جل وعلا هو في العلو، وهكذا مع خلقه. فمن الإيمان بالله جل وعلا إثبات معية الله جل وعلا لخلقه، إثبات معية الله جل وعلا لخلقه؛ لأن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، فالله جل وعلا مع خلقه أينما كان، أي في أي مكان، في أي مكان كانوا، فالله جل وعلا مع خلقه. ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ في الآية الأخرى. فهذا يدلنا على أن الله جل وعلا مع خلقه. لكن ما معنى هذه المعية؟ وما هو مقتضى هذه المعية ولازم هذه المعية؟ المعية عند أهل الحلول والاتحاد، ومن ضل في هذا الباب من الجهمية أو الأشاعرة، جعلوا هذه المعية معية اختلاط وامتزاج، وأن الله جل وعلا مع خلقه أي مختلط بهم وممتزج بهم جل وعلا، وأنه في كل مكان، وأنه في كل مكان أي بذاته مع خلقه. وهذا باطل، وهذا باطل. فإن اللغة، لغة العرب التي أنزل بها القرآن، لا توجب أن معنى "مع" توجب الاختلاط والامتزاج، لا توجب ذلك. لغة العرب هي تقتضي ذلك؟ لأن المعية قد تقتضي الاختلاط والامتزاج، نعم، بالذوات، ولكن لا توجب ذلك؛ لأنها قد تقتضي ماذا؟ معية الأوصاف: معية العلم، والنصرة، والتأييد، نعم، إلى آخر ذلك، ومعية الإحاطة. فالمعية إنما تدل على مطلق المصاحبة والمقارنة. قد تكون هذه المصاحبة والمقارنة هي مصاحبة ذوات ومقارنة ذوات، وقد تكون هذه المصاحبة والمقارنة التي تفيدها المعية هي مصاحبة أوصاف ومقارنة أوصاف. من ذلك قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. كونوا مع الصادقين بذواتكم أو بأوصافكم؟ المعية هنا معية أوصاف، مصاحبة أوصاف، أي صاحبوهم بأوصافكم، صاحبوهم بأوصافهم التي كانوا عليها، والمراد به هنا الصدق، أي تكونوا معهم، يعني بذواتكم؟ لا، كونوا معهم بأوصافكم، نعم. فاجعلوا أوصافكم كأوصافهم، أي كونوا صادقين كما كانوا. وهكذا النصوص التي جاءت في المعية، وأن الله جل وعلا مع خلقه، هي من هذا النوع، هي من هذا النوع، ليست هي المعية التي هي بمعنى معية الاختلاط ومعية الامتزاج. وما الذي يدلنا على أنها لا تقتضي هذه المعية؟ الذي يدلنا على هذا: النصوص الكثيرة التي جاءت في كتاب الله، وفي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وما أجمع عليه السلف الصالح، وما دل عليه العقل والفطرة، من أن الله جل وعلا في العلو، من أن الله جل وعلا في العلو، وهو بائن من خلقه جل وعلا، غير مختلط بهم، تعالى الله جل وعلا عن ذلك. هذا الذي اعتقده السلف الصالح مما جاء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. كم واحد من السلف يقول: الله بائن من خلقه، كأبي زرعة الرازي، وعلي بن المديني، وغيرهم من أئمة الإسلام. يقولون: هو على العرش، وهو مع خلقه، بائن من خلقه. يعني: هو مع خلقه، ليس مختلطاً، فيبينون بقولهم "بائن" أي: لا تعتقد أنه مع خلقه أي مختلط بهم أو ممازج لهم، تعالى الله جل وعلا عن ذلك. بل هو جل وعلا في العلو. لذلك فسر السلف الصالح المعية بالعلم، فقالوا: معية العلم. ولذلك لما سئل بعض السلف عن معية الله جل وعلا، قال: انظر إلى أول الآية: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فالمعنى أن هذا هو تفسير المعية، وهي معية العلم والإحاطة، نعم، والكلاءة، والحفظ، وغير ذلك مما تقضيه ماذا؟ المعية في لغة العرب، مما تقضيه المعية في لغة العرب من المعاني. فلا تقضي المعية التي هي معية الاختلاط والامتزاج. ولذلك الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ضرب مثلاً عظيماً بالقمر، فقال: القمر هو من مخلوقات الله جل وعلا، وهو في السماء، وهو مع ذلك مع المسافر، ومع غير المسافر. فالمسافر يقول: القمر معي، وغير المسافر يقول: القمر معنا، وهو في السماء. هل معنى القمر معنا يعني مختلط بنا ممازج لنا؟ لا، هو في السماء، نعم، ومع هذا هو معنا. كيفية هذه المعية، كيفية هذه التي نشاهدها: هذه الكيفية، القمر في السماء وهو معنا، هذه الكيفية. لكن الله جل وعلا، معنى الكيفية غير معلومة، الكيفية غير معلومة. فيثبت المعنى من لغة العرب، أي الذي يقتضيه لفظ المعية، والكيفية تفوض، الله أعلم بكيفية معية الله جل وعلا لخلقه. لكن ليس معنى ذلك لا نعلم المعنى، معلوم لماذا؟ لأننا نعلم معنى "مع"، نعلم معنى "مع" من لغة العرب، وماذا تقتضي، وكما سمعتم من مقتضياتها: العلم، والسمع، والإحاطة، إلى آخر ذلك. وهكذا في لغة العرب يقولون: فلان مع زوجته، ويريدون أنه في ذمته، يعني في عقده، وربما يكون هو في حضرموت، وزوجته في السعودية أو في أمريكا، يقولون: فلان مع زوجته. هل يريدون مع زوجته يعني معه الآن مختلطة به ومصاحبة له، مصاحبة ذات؟ لا، يريدون أنها معه في عقده. وهذا في لغة العرب مما يدل على أن لفظ المعية لا يوجب المصاحبة والاقتران بالذات، وإنما يقتضي أيضاً المقارنة والمصاحبة بالأوصاف، نعم. وهكذا كذلك أيضاً ربما يعني يخطب الرئيس أو قائد الجيش من بعيد، نعم، ويقول: أنا معكم، أنا معكم، ليشجعهم. هل هو معهم، مخالط لهم، مخالط بالجيش؟ لا، بما يكون بعيداً، لكن ما معنى هو معهم؟ يعني معهم بتأييده، وبتحفيزه، وبمده لهم بما يحتاجون من عتاد وغير ذلك. ولله المثل الأعلى: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. هل ربنا عز وجل مع الملائكة بذاته مختلط بهم؟ لا، لكن أن معنى المعية هنا: المعية النصر والتأييد. إني معكم، أي ناصركم ومؤيدكم، نعم. فالمعية يفهم ويعرف معناه بحسب السياق، بحسب السياق، فهو الذي يبين ما معنى المعية. الله جل وعلا كما جاء في كتاب العزيز: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا. ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. الله جل وعلا مع نبيه، ومع الصديق رضي الله تعالى عنه، داخل الغار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، حاشا أن يحيط الغار برب العالمين جل وعلا. لكن ما معنى إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا؟ معنا بنصره وتأييده، نعم، وكلاءته. وهكذا. فالمعية كذلك على أنواع: معية عامة، ومعية خاصة، ومعية أخص. فالمعية العامة: هي معية الله جل وعلا لخلقه جميعاً، المؤمن والكافر، والبر والفاجر. هذه معية عامة، وهي التي مقتضاها: العلم، والسمع، والبصر، والإحاطة. ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، مع الجميع، مع جميع الخلق، معية عامة. معية خاصة: هي التي تقتضي النصر والتأييد والمحبة. وهذه المعية جعلها الله جل وعلا لأناس معينين، لأناس معينين، جعلها للمتقين، جعلها للمحسنين، جعلها للصابرين. فهذه معية خاصة، معية خاصة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. قد يقول قائل: كيف؟ أليس الله مع الجميع، مع الكل، المتقي وغير المتقي، والمحسن وغير المحسن؟ نقول: بلى، لكن تلك المعية معية عامة، إنما تقتضي فقط السمع والبصر والعلم والإحاطة، نعم. لكن هذه المعية، المعية الخاصة، تقتضي ذلك مع زيادة: تأييد، والنصر، والمحبة، نعم؛ لأن هؤلاء المتقين، المحسنين، المتوكلين، الصابرين، فالله جل وعلا معهم معية خاصة، يعني فيها زيادة، فيها زيادة على المعية العامة، زيادة النصر والتأييد والمحبة. هناك معية أخص من هذه المعية، وهي المعية التي جعلها الله عز وجل لأنبيائه، كما قال الله جل وعلا لهارون وموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، إنني معكما أسمع وأرى. هذه معية أخص من تلك المعية الخاصة. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فهذه معية خص كذلك. تثبت لله جل وعلا، وقد أثبتها الله جل وعلا لأخص عباده، لأخص عباده الذين هم من أنبيائه جل وعلا ورسله، كموسى وهارون، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فإذن، أهل السنة والجماعة حين يثبتون معية الله جل وعلا لخلقه سبحانه وتعالى، فهم يقولون: معية تقتضي العلم، والسمع، والبصر، والإحاطة، والكلاءة، إلى آخر ذلك. وهكذا أيضاً ما يتعلق بالمعية: أن أهل الحلول والاتحاد، كما تقدم، يجعلون هذه المعية معية اختلاط وامتزاج، فيقولون: أن الله جل وعلا في كل مكان. وهذا لا توجبه اللغة، وهذا لا توجبه اللغة، بل هذا باطل، وينزه الله جل وعلا عن الباطل. فكل باطل وجب تنزيه الله جل وعلا عنه. فقولهم: إن الله جل وعلا في كل مكان، وأن لخلق المعية في هذه النصوص يقتضي أن الله جل وعلا مع خلقه مختلط بهم، نقول: هذا تنقيص؛ لأن هذا يستلزم أن يحاط الله جل وعلا بخلقه، إذا كان معهم مصاحبا لهم، وتعالى الله جل وعلا عن ذلك علواً كبيراً. وهكذا إذا كان في كل مكان، معنى معنى ذلك أن الله جل وعلا، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، يكون في يعني الأمكن القذرة، لأنه ما معنى المكان؟ قالوا: في كل مكان. طيب، إذا قلنا لهم: الحمامات مكان، القاذورات مكان، المزابل مكان، ما يستطيعون يقولون: لا، هو مكان، لا شك. طيب، لما تقول: إن الله في كل مكان، يعني يكون في هذه الأمكن كذلك، وإلا ماذا ستقولون؟ لا، إلا المزابل، في كل مكان إلا المزابل، وإلا الحمامات. ما يستقيم: في كل مكان، ثم تقولون: إلا في مكان كذا، وفي مكان كذا، نعم. فهذا القول باطل؛ لأن فيه وصف الرب جل وعلا بالنقص والعيب، نعم، وهو كذلك ينافي ويخالف الأدلة الكثيرة الدالة على علو الله جل وعلا على عرشه، وأنه جل وعلا في العلو، أي في السماء، سبحانه وتعالى. ولذلك لزم أهل الحلول والاتحاد من هذا القول لوازم باطلة، والعياذ بالله، وأوصلهم إلى شناعات وقعوا فيها في رب العالمين جل وعلا. فصار هذا الحلول الذي يقول: إن الله جل وعلا في كل مكان، يقول: سبحاني، سبحاني، ما أعظم شاني، سبحاني، سبحاني، ما أعظم شاني. يعني لأنه ماذا يعتقد؟ أن الله قد حل فيه، أن الله جل وعلا قد حل فيه، نعم. بل وصل القول بابن عربي أن يقول: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، وما الكلب والخنزير إلا إلهنا. عندهم حتى أن الله جل وعلا حل في الكلب، وحل في الخنزير، تعالى الله جل وعلا عن ذلك علواً كبيراً. بل وصل بهم الحال لهذا الضال الضليل ابن عربي أن يجعل الله جل وعلا حل في الخراء، حتى الخراء. ولذلك لما قال له بعض طلابه: أريد الذهاب إلى الخلاء، أي لقضاء الحاجة، قال: اذهب، وماذا يضيرك؟ أي ماذا يضرك إذا كان الذي تريد أن تضعه هو ماذا يضيرك إن كان الذي تريد أن تضعه هو؟ حتى الخراء يعتقدون أن الله جل وعلا حل فيه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وهذا يعني فساد اعتقاد عقيدة الحلول والاتحاد. أما أهل السنة والجماعة، فإنهم يسيرون على ما جاء في كتاب الله جل وعلا، وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، من النصوص الثابتة والواردة في هذا. علموا النصوص الواردة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، الدالة على علو الله جل وعلا، فأثبتوها. ونظروا في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فوجدوا نصوصاً تدل على أن الله جل وعلا مع خلقه. لكنهم فهموا وفسروا هذه النصوص بمقتضى لغة العرب، فعلموا من لغة العرب أن لفظ المعية لا يوجب الاختلاط والامتزاج، كما ظن هؤلاء الضلال من أهل الحلول والاتحاد والأشاعرة وغيرهم. وإنما علموا أن مقتضى هذه المعية، كما فسر السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله تعالى، فمنهم من فسرها بالعلم، ومنهم من فسرها بالإحاطة، ومنهم من فسرها بالسمع والبصر، وهكذا. وكذلك نظروا في نصوص الله جل وعلا الكثيرة في لفظ "مع" الذي جاء في كتاب الله جل وعلا، فوجدوا المعية تكون بالأوصاف، لا يلزم أن تكون المعية معية مقارنة ومصاحبة ذوات، لا، وإنما المعية في لغة العرب كذلك تطلق على مصاحبة الأوصاف ومقارنة الأوصاف، كما سمعتم في النصوص: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، إلى آخر ذلك. فإذا علموا ووصلوا إلى الحق الذي أراده الله جل وعلا، والذي فهمه السلف الصالح، ففسروا المعية بما فسر السلف الصالح. هناك قول لبعض السلف الصالح، وهو زيادة كلمة "حقيقة"، زيادة كلمة "حقيقة". هذه الكلمة قالها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الله جل وعلا مع خلقه حقيقة، مع خلقه حقيقة. وقال ذلك أيضاً محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، وأيضاً قال هذا الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمة الله تعالى عليه. فقد يظن الظان أن هذا القول يخالف قول السلف، لا، هو لا يخالف. لماذا؟ لأن السلف الصالحين فسروا المعية بمعية العلم والإحاطة وغير ذلك، هم لا يعني ليس أنهم لا يثبتون معية الله جل وعلا حقيقة مع خلقه، لا. ولذلك الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أبرزها وبينها وضوحاً، وأن هذا أيضاً مراد السلف. حتى لماذا؟ لأن بعض الناس ظن أن السلف أولوا، كما يقول بعض الناس: السلف الصالح أولوا المعية، فلم يثبتوا المعية، وإنما قالوا: المراد العلم، والمراد السمع، والمراد كذا. وهذا ليس بصحيح. السلف الصالح أثبتوا المعية، معية حقيقية، نعم، على مقتضى لغة العرب، نعم، مفوضي الكيفية. ولكن فسروها بالمقتضى، فسروها بالمقتضى لحاجة في ذلكم الزمان. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لما ظهر من الناس من يزعم أن السلف الصالح أولوا المعية، وهم لم يثبتوا معية حقيقية لله جل وعلا مع خلقه، بين هذه الكلمة، وقال: الله جل وعلا مع خلقه حقيقة، يعني: لا تؤول هذه الصفة، تثبت على مقتضى لغة العرب، أي يثبت المعنى، وتفوض الكيفية. قال: ويصان الله، ويصان الله جل وعلا عن الظنون الكاذبة، أن يكون مثلاً في الأرض أو حالاً. ثم ضرب مثلاً بالقمر، قال: فهذا القمر هو مخلوق من مخلوقات الله جل وعلا، وهو في السماء، وهو مع ذلك معنى حقيقة، معنى حقيقة، يعني نثبت هذه المعية على حقيقتها، وهي ليست معية ذات، ليست معية ذات، لأن ذات الله جل وعلا في السماء، كما دلت عليه الأدلة الكثيرة. هذا مطلب عظيم فيما يتعلق بالمعية، على طالب العلم أن ينظر فيه، وأن يتأمل فيه، ويجمع بين النصوص الواردة فيه، فيتبين له الحق، والتفريق بين ما جاء من نصوص في إثبات العلو، وما جاء من نصوص من إثبات معية الله جل وعلا مع خلقه، وكيف التوفيق بين هذه النصوص، مع النظر والأخذ بتفاسير السلف الصالح رحمهم الله، ومن سار على نهجهم، فيهتدي في هذا الباب، ويبين له الأمر. الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، بعض الناس ظن أنه يعني يثبت الحلول والاتحاد، وهذا بعيد. ولذلك له تعقيب رحمه الله في كتابه العظيم "القواعد المثلى"، وقد نشر هذا في جريدة في بلاد السعودية، لما حصلت ضجة من كلامه رحمه الله، حين قال: الله معنا، مع خلقه حقيقة، الله مع خلقه حقيقة. ظنه أنه يعني يلزم من قوله أن الله جل وعلا مع خلقه مختلط بهم أو ممتزج بهم، وهذا باطل. وهنا رحمه الله ذكر هذا، وسيذكر هنا بعد ما ذكر: ولا نقول كما تقول الحلولية من الجهمية وغيرهم: إنه مع خلقه في الأرض. وهذا تفسير لكلامه السابق، وسيأتي إن شاء الله مزيد كلام في هذا المبحث. هذا السائل يقول: ما جوابكم لقول بعض العوام: إن الله في قلبي، يقصد ذكره عز وجل؟ هذا لا شيء فيه، الله في قلبي يعني معظم الله في قلبي، معظم. فأنت تعظم الله جل وعلا في قلبك، بل هذا واجب، واجب على كل مسلم أن يعظم الله جل وعلا في قلبه. والله جل وعلا في قلبي يعني معظم، وليس معنى أنه حال. فهذا لا، ليس هو الذي يريده القائل بهذا الكلام. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.