الدرس في رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المحور مفهوم الحسد لغةً وشرعاً كتمني زوال النعمة عن الغير، ويميزه عن الغبطة التي هي تمني مثل النعمة دون زوالها. يبين أن الغبطة مستحبة في أمور الدين ومكروهة في الدنيا، مستعرضاً أدلة القرآن والسنة التي تذم الحسد وتجعله من صفات الكافرين.
يتناول المحور الحسد كدافع رئيس لمواقف الكفار وأهل الكتاب تجاه النبي محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. يستشهد بآيات وأحاديث تبين أن الحسد من صفات المذمومين ولا يجتمع مع الإيمان، مع ذكر عواقبه الوخيمة بدءاً من إبليس وصولاً إلى قابيل وهابيل.
يستعرض المحور أسباب نشوء الحسد مثل العداوة والتقارب في النسب أو الجوار أو الحرفة، ضارباً أمثلة من قصص قابيل وهابيل ويوسف وإخوته. يبين عواقبه الوخيمة كالقتل والتهاجر، ويختم بذكر علاجه بالعلم النافع والعمل الصالح والمنافسة الشريفة.
يدعو المحور إلى مجاهدة النفس للابتعاد عن الحسد والتحول إلى الغبطة والمنافسة الإيجابية في الخيرات. يختم بالدعاء بتطهير القلوب من الحسد والحقد والغل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فمن الأخلاق السيئة التي يجب على المسلم أن يتخلص منها، ويجاهد نفسه على تركها، خلق الحسد. فالحسد خلق ذميم، وداء عضال، ابتليت به الأمم السابقة، وابتليت به كذلك هذه الأمة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، حيث قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، عند الحاكم، صحيح العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه: «سيصيب أمتي داء الأمم، سيصيب أمتي داء الأمم: البطر والأشر، والتكاثر والتنافس في الدنيا، والتحاسد والتباغض، حتى يكون البغي». هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن الحسد داء الأمم، ابتليت به الأمم السابقة، وأيضًا هذه الأمة. فلذلك على العبد أن يجاهد نفسه على الابتعاد عن الوقوع في هذا الداء العضال، ويأخذ بأسباب الوقاية والعلاج منه. الحسد: عُرف بتعريفات، خلاصتها تمني زوال النعمة عن المحسود. هذا الحسد: إذا حسد، فإنه يتمنى زوال تلك النعمة التي أنعم الله جل وعلا بها على ذلك الشخص، أن تزول عنه، تحصل له أو لا تحصل، إنما يتمنى زوالها. فهذا هو الحسد، والعياذ بالله. وأما إذا تمنى مثل ذلك الشخص من نعمة أنعم الله جل وعلا بها عليه له، من غير تمني زوالها، فهذا هو الغبطة. فالغبطة: أن يتمنى الشخص ما أنعم الله جل وعلا به على ذلك الشخص الآخر من نعم، من غير أن يتمنى زوالها. وهذا منه مكروه، ومستحب، أو مباح. فالمستحب والمباح: ما كان في أمر الدين. إذا أنعم الله جل وعلا على عبد بنعم هي تتعلق بأمر الدين، أنعم الله جل وعلا عليه بالاجتهاد في العبادة والطاعة، أو الصدقات، أو إلى آخر ذلك من الطاعات، فهو يتمنى أن يكون له مثل ذلك الذي أنعم الله سبحانه وتعالى به عليه. فهذا في أمر الخير، وهو محمود. وهذا الذي جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، جاء في حديث عبد الله بن عمر، وجاء في حديث عبد الله بن مسعود، والصحيحين وغيرهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق». وفي لفظ آخر: «رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار». فهذا هو الذي جاء مدحه في الشرع: أن يتمنى الشخص ما أنعم الله سبحانه وتعالى به على ذلك العبد، وعلى غيره مما هو من أمر الخير الذي يتنافس فيه. أما فيما يتعلق بأمر الدنيا، فهو مكروه. يعني: من أمر الدنيا المباح، أن يتمنى مثلاً تلك السيارة، شخص عنده سيارة ويتمنى تكون عنده سيارة مثل ما أنعم الله جل وعلا على ذلك الشخص بسيارة، أو ببيت، أو بكذا وكذا من زهرة الحياة الدنيا. فهذا مكروه؛ لأن هذا الأمر فيه الإيثار، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. فأمور الدنيا يكون فيها الإيثار: أن تؤثر غيرك على نفسك في أمر الدنيا. أما في أمر الآخرة، فهذا لا إيثار فيه؛ لأنه لا إيثار في القرب، لا إيثار في القرب، بل المسارعة والمنافسة في تحصيلها. وهذا الذي جاء في قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]. وهكذا جاء قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]. فهذا فيما يتعلق بأمر الدنيا، فالواجب فيه الإيثار. وأما أمر الآخرة، فالإنسان يتنافس ويتسابق في تحصيله، فهو الغبطة، وهو الحسد المباح الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «لا حسد إلا في اثنتين». منهما: العلم يجعله مباحًا، ومنها: العلم يجعله مستحبًا. ولعل الصحيح أنه مستحب؛ لأن جاء فيه الأمر بالمسارعة والمسابقة والتنافس فيه، وجاء الشرع كذلك بالثناء، وترتب الأجور لأصحابها الذين يسعون في تحصيل هذه الأمور المحمودة. والحسد جاء ذمه في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54]. هذه الآية فيها تهديد، وفيها زجر لمن يحسد غيره على ما فضله الله جل وعلا به عليه، وفيه اعتراض على قدر الله. ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. الواجب أن لا يحسد الناس؛ لأن الذي أنعم على أولئك هو رب العالمين جل وعلا، والذي يضع الأمور مواضعها سبحانه وتعالى، لأنه الحكيم جل وعلا، ومن صفاته الحكمة سبحانه وتعالى، فهو لا يضع الأمر إلا في موضعه. فلماذا الاعتراض؟ لماذا الحسد إذن؟ فهذه الآية تشير إلى هذا المعنى. وهكذا كذلك أخبر ربنا عز وجل في كتابه الكريم أن الحسد إنما هو من صفات الكافرين، ليس من صفات أهل الإيمان. الحسد من صفات الكافرين. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: 51]. هكذا أراد المشركون، وكاد الكفار، حسد النبي عليه الصلاة والسلام، وإلقاء أبصارهم التي تدل على الحسد والغيظ، والعياذ بالله، على ما أنعم الله جل وعلا به على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا كذلك قال الله عز وجل عن الكافرين: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]. لماذا قالوا هذا الكلام؟ لماذا لم ينزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم؟ لماذا نزل على محمد عليه الصلاة والسلام؟ هذا الكلام مبعثه الحسد، مبعثه ومنشأه الحسد؛ لأنهم حسدوا النبي عليه الصلاة والسلام، فلحسدهم للنبي عليه الصلاة والسلام قالوا هذا الكلام: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. وهكذا قالوا في حق المؤمنين: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: 53]. هذا الكلام ما مبعثه وما منشأه؟ إنما هو الحسد. حسد المؤمنين على ما أنعم الله جل وعلا به عليهم، فقالوا هذا الكلام الذي يدل على حسدهم على هؤلاء المؤمنين. وهكذا كذلك الحسد من صفات أهل الكتاب الذين ذمهم الله جل وعلا ولعنهم. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]. هكذا هو حال أهل الكتاب الذين لعنهم الله وذمهم الله سبحانه وتعالى، أكثرهم، كما أخبر الله عز وجل عنهم في هذه الآية. حسدوا أهل الإيمان، حسدوا النبي عليه الصلاة والسلام. ما منع اليهود من قبول رسالة النبي عليه الصلاة والسلام إلا الحسد، والعياذ بالله. أوصلهم ذلك الحسد إلى أن أرادوا أن يسحروا النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين: لبيد بن الأعصم اليهودي أراد سحر النبي عليه الصلاة والسلام بسبب الحسد، والعياذ بالله، لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام. صاروا يكيدون ويمكرون، حتى سحروا النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك الحسد، والعياذ بالله، اعتراض على قدر الله عز وجل، كما سمعتم في الآية السابقة. والأحاديث في ذم الحسد كذلك كثيرة. منها ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا». النبي عليه الصلاة والسلام ينهانا عن التدابر، وعن التقاطع، وعن التباغض، وعن التحاسد، وأن نكون عباد الله إخوانًا، كما أكرمنا الله جل وعلا بهذه الأخوة التي هي أخوة الإسلام. وهكذا جاء النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أبي هريرة عند النسائي، وصحح العلامة الألباني رحمه الله، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يجتمع في قلب عبد الإيمان والحسد، لا يجتمع في قلب عبد الإيمان والحسد». فهذا فيه ذم للحسد، وأنه لا يجتمع مع الإيمان؛ لأن المؤمن هو الذي يترك هذه الأخلاق السيئة، المؤمن هو الذي ينزه نفسه عن الحسد. فلذلك ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن الحسد لا يجتمع مع الإيمان. عواقب الحسد وخيمة. عواقب الحسد وخيمة. ما الذي طرد؟ ما السبب الذي طرد إبليس من الملكوت الأعلى، وكان مع الملائكة؟ إنه الحسد. كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]. في الآية الأخرى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50]. فحسد إبليس آبان آدم. إبليس حسد آبان آدم، وتكبر، جمع بين الحسد والكبر، والعياذ بالله. ولذلك ذكر بعض العلماء أن أول معصية عصي الله جل وعلا بها في السماء هي الحسد. الحسد أول معصية عصي الله جل وعلا بها في السماء، حين حسد آدم، حين حسد إبليس آبان آدم عليه الصلاة والسلام، فامتنع عن السجود له. مَنْ الذي أوقع قابيل في قتل هابيل، في قتل أخيه هابيل؟ إنه الحسد. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: 27-31]. هذا الذي ذكر ربنا عز وجل في قصة ابني آدم، كان بسبب ذلك، ومنشأ ذلك الحسد. حسد قابيل أخاه هابيل، فقد تقبل الله عز وجل القربان من أخيه هابيل، ولم يتقبله منه. وذكروا في ذلك أمورًا، وأنه كان يريد قابيل أن يتزوج بالبنت التي خرجت معه في البطن، وكان آدم لا يزوج من خرج مع الآخر في البطن، يعني الأنثى مع الذكر التي خرجت في بطن واحد، وإنما الذكر في هذا البطن مع الأنثى في البطن الآخر. نعم، ولا يزوج الذكر مع الأنثى التي خرجت معه في بطن واحد. فكانت جميلة كما يذكرون، التي خرجت مع قابيل في بطن واحد، أجمل من تلك الأخرى التي خرجت في البطن الأخرى. فهو أراد هذه التي خرجت معه في البطن، فنشأ بعد ذلك الحسد، كما سمعتم، وكما ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم. وهكذا كذلك إنما كان نزغ الشيطان بين يوسف وإخوته إلا من هذا الباب. نزغ الشيطان بين يوسف وإخوته من هذا الباب، كما قال الله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: 100]. كان نزغ من هذا الباب، يعني حصل الحسد، فحصل ما حصل من إلقاء يوسف في البئر، إلى آخر ما ذكر الله عز وجل في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام. وكذلك العواقب وخيمة في ضرر الحسد، فربما يؤدي إلى القتل، والعياذ بالله، ويؤدي إلى التقاطع، ويؤدي إلى التهاجر، إلى آخر ذلك من الأمور التي لا تحمد عقباها. ومنشأ الحسد وأسبابه كثيرة: منها العداوة والبغضاء. كون بين إنسان وشخص آخر عداوة، أو يعني شحناء، يختلف معه في أمر، أو في بيع وشراء، أو في كذا، فيحسده، والعياذ بالله. أو يؤذيه بشيء لا يستطيع أن يفرغ غضبه فيه، فيجعل ذلك في قلبه، فينمو ذلك ويصير حسدًا وحقدًا، والعياذ بالله. وأكثر ما ينشأ الحسد، كما ذكر أهل العلم، بين المتقاربين. بين المتقاربين: بين الإخوة، أو بني العم، أو الجيران، أو أصحاب الحرفة الواحدة، الصنعة الواحدة، إلى آخر ذلك. فتجد مثلاً: الصياد يحسد الصياد، والفلاح يحسد الفلاح، وسائق السيارة يحسد مثله صاحب السيارة، والجزار يحسد الجزار، وهكذا. والجار يحسد الجار. ولذلك جاء إلى رجل، وقيل له: قال له هذا الرجل: «إني لا أحبه». قال: «صدقت». قال: «وكيف علمت؟» قال: «لأنك لست جارًا لي، لا عم، ولا أخ، ولا ابن عم». يعني استشهد بهذا، يعني ما دام أنه بعيد، يعني صدق في قوله. ومراده أن القالب أن سبب الحسد أنه يحصل بين من يتقاربون، بين من يتقاربون. ولذلك قال رجل آخر: «لماذا يبغضك فلان؟» قال: «لأنه أخي في النسب، لأنه أخي في النسب، وجاري في البلد، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة». فذكر دواعي الحسد، يعني أنه أخ، وأنه جار، وأنه كذلك شريك في الصنعة. المعنى المراد: أن أكثر الحسد الذي يحصل بسبب ماذا؟ التقارب بين الناس في أمورهم، فينشأ الحسد. حتى يحصل بين العلماء، نعوذ بالله العافية والسلامة. فربما يدخل الشيطان من هذا الباب، ويحصل الحسد، الذي يكون معه سبب تفريق الكلمة، وسبب كذلك لأمور عظيمة لا تحمد عقباها، نعوذ بالله العافية والسلامة. فهذا أعظم أسباب الحسد، وأسباب منشأ الحسد. علاج الحسد: العلم النافع، والعمل الصالح. العلم النافع: الإنسان إذا علم في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن حسده لا ينفعه، مهما حسد، فلا يزال عن ذلك الذي حسده النعمة، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فلذلك لماذا يحسد هذا؟ وهكذا العمل، وهكذا الجد والاجتهاد. إذا أراد ما عند الناس، لا يحسدهم، وإنما يتنافس. فهذا باب، الميدان مفتوح، الميدان مفتوح للمنافسة الشريفة، وللجد والاجتهاد. لكن لأنه كسلان، ولأنه ليس صاحب همة، ما عنده همة، فما عنده إلا أن يحسد الناس. وإلا لو كانت عنده همة، لسعى في ما نعم الله جل وعلا به على غيره، لا، جد واجتهد. وصدق من قال: «الحسد آخر مراحل الفشل». يعني هذا الفاشل، آخر مرحلة معه أنه ماذا؟ يحسد. وقيل في الحسد، وفي الحاسد: «الحسود لا يسود، الحسود لا يسود». ويكتب بعض الناس مقالة أعجبتني، يقول فيها: «عضة أسد، ولا نظرة حسد». عضة أسد، ولا نظرة حسد. يعني: تحمل عضة الأسد، ولا نظرة حسد. هذا فيه ذم كذلك للنظرة التي بالحساد، بالعياذ بالله، هي نظرة حسد. أقوال العلماء في ذم الحسد كثيرة. قال ابن المعتز رحمه الله تعالى: «الحسد داء الجسد، الحسد داء الجسد». قال ابن حبان رحمه الله تعالى: «الحسد من خلق اللئام، وتركه من أفعال الكرام، وكل حريق يطفأ إلا نار الحسد لا تطفأ، وكل حريق يطفأ إلا نار الحسد لا تطفأ». قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: «ما حسدت أحدًا في شيء من أمر الدنيا، لأنه إذا كان من أهل الجنة وحسدته على أمره من أمر الدنيا، كيف أحسد شخصًا وهو مآله إلى الجنة؟ وإذا كان من أهل النار، فلِمَ أحسده؟ قد علمت أنه يصير إلى النار». فلذلك، عباد الله، علينا أن ندافع، وأن نجاهد أنفسنا من التخلص من هذا الداء العضال: الحسد. ونحن في هذا الشهر الكريم، الذي جعل الله فيه أعظم عون للتخلص من هذه الأخلاق السيئة. فالإنسان يجاهد نفسه، لا يقع في الحسد، يقع في الغبطة، ويتنافس ويجتهد، فالله سبحانه وتعالى ينعم عليه بكل خير. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يطهر قلوبنا من الحسد، ومن الحقد، ومن الغل، ومن غير ذلك مما لا يرضيه جل وعلا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.