رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 4

الدرس في رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام الغضب وضوابطه في الإسلام

يفصل المحور بين الغضب المذموم لأسباب دنيوية والغضب المحمود لانتهاك حرمات الله مستشهداً بمواقف النبي صلى الله عليه وسلم. ويؤكد أن الغضب لله يجب أن يكون مقيداً بضوابط الشرع محذراً من التجاوز بدعوى الغيرة كما في قصة العابد وأمثلة التخريب المعاصرة.

آثار الغضب وفضيلة كظم الغيظ

يستعرض المحور الفرق بين نوعي الغضب مستدلاً بآيات وأحاديث تحث على كظم الغيظ وتملك النفس. ويبين أن كظم الغيظ من أعظم القربات يورث الأمن والإيمان بينما يؤدي الغضب غير المضبوط إلى عواقب وخيمة كالقتل والطلاق.

أحكام الطلاق عند الغضب والعلاجات النبوية

يبيّن المحور خلاف العلماء في وقوع الطلاق حال الغضب مرجحاً عدم وقوعه إلا مع شدة تغلق العقل. كما يستعرض مخاطر الغضب في الظلم والفتن ويذكر العلاجات النبوية: الاستعاذة وتغيير الهيئة وذكر الله.

آداب الصيام وضبط النفس عند الإساءة

يسرد المحور توجيه النبي ﷺ للصائم بأن يقول إني صائم عند السب والشتم داعياً الله أن يجنب أسباب الغضب. ويختم بالدعاء بأن يكون الغضب لانتهاك محارم الله والاستعانة به على الشيطان والنفس الأمارة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فمن الأخلاق السيئة والصفات المدمومة التي يجب على المسلم أن يتركها وأن يتخلى عنها، لا سيما وهو في هذا الشهر المبارك الذي جعل الله عز وجل فيه أعظم الإعانات على تحصيل الأخلاق الفاضلة وتكميلها، واجتناب الأخلاق السيئة. من هذه الأخلاق السيئة والصفات المدمومة: خلق الغضب، والصفة الغضب. والمراد بالغضب: الغضب في غير مراضي الله جل وعلا، أي: الغضب لأجل حظ الدنيا، أو لحظ النفس، أو الشهوة. فهذا غضب مدموم، وخلق سيئ: أن يغضب الإنسان لأجل دنيا، أو يغضب لأجل حظ نفسه وشهوة نفسه. فهذا غضب مدموم، خلق سيئ. أما الغضب في مراضي الله جل وعلا، ولأجل انتهاك حرمات الله جل وعلا، فهذا غضب محمود ومأمور به. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله جل وعلا، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين: قال: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام لا ينتقم لنفسه، وإذا كره شيئا عرفناه في وجهه. فكان يغضب عليه الصلاة والسلام إذا انتهكت محارم الله جل وعلا. وهذا كثير في سنته عليه الصلاة والسلام. في حديث أبي مسعود الأنصاري في صحيح الإمام مسلم: لما أطال الإمام بالمصلين الصلاة، شكا أحدهم الإمام إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال أبو مسعود الأنصاري: فغضب النبي عليه الصلاة والسلام غضبا، وكانت موعظته موعظة شديدة. أي: أنه غضب عليه الصلاة والسلام. وكذلك لما كان يأمر الصحابة بما يستطيعونه، فكانوا يقولون له عليه الصلاة والسلام: «لسنا كهيئتك يا رسول الله، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، فيغضب النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: «إني أعلمكم بالله وأخشاكم له». وكذلك لما سمع رجلين يختصمان في آية، غضب النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «إنما أهلك من كان قبلكم حين تنازعوا في الكتاب». وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل على عائشة رضي الله تعالى عنها كما في الصحيح، ووجد تلك الستائر التي عليها تصاوير، غضب النبي عليه الصلاة والسلام غضبا شديدا، وهتك تلك الستر. وكذلك لما سمع الصحابة يتنازعون في القدر ويتخاصمون في القدر، كما جاء عند الترمذي، غضب النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلتم إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر». غضب النبي عليه الصلاة والسلام حتى قال الراوي: «كأنما فقئ في وجنتيه الرمان»، أي: حب الرمان الأحمر، من شدة غضبه عليه الصلاة والسلام. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام غضب في مواضع كثيرة، وذلك لانتهاك حرمات الله جل وعلا. وقد ألف في مغضبات النبي عليه الصلاة والسلام والمواضع التي غضب فيها النبي عليه الصلاة والسلام، وكلها مواضع فيها الغضب لأجل انتهاك محارم الله جل وعلا. فهذا هو الغضب المحمود والمأمور به. ولكن ينتبه هنا إلى أمر: وهو أن الغضب الذي لأجل انتهاك محارم الله جل وعلا يجب أن لا يكون معه مخالفة للشرع. بعض الناس يقول لك: أنا غضبت، ويغضب فيفعل شيئا مخالفا لشرع الله، هذا غضب مذموم والعياذ بالله. ولذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الإمام أحمد رحمه الله في المسند وغيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر رجلين من بني إسرائيل، أحدهما عابد والآخر مفرط مقصر. فالعابد يرى أخاه على تقصيره وتفريطه، فكان ينصحه ويستمر في النصيحة. فخرج ذات يوم وجده على ما هو عليه، فغضب وقال: «والله لا يغفر الله لفلان، والله لا يغفر الله لفلان». غضب بسبب ماذا؟ أنه رأى أخاه يقع في هذه المعصية، وهذا الذي لا يرضاه الله جل وعلا، فغضب. لكن قال قولا لا يجوز له أن يقوله، لا يجوز له أن يقوله. ولو غضب لانتهاك حرمات الله، لكن عليه أن يضبط ألفاظه. فقال قولا لا يرضي الله جل وعلا: «والله لا يغفر الله لفلان». فقال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فقد غفرت له وأحببطت عمله». جاء في بعض الروايات الأخرى: أن الله جل وعلا جمع بينهما، وقال لهذا المفرط: «ادخل الجنة برحمتي»، وقال للعابد: «ادخل النار». أمر الله جل وعلا بالعابد إلى النار بسبب كلمة قالها. قال أبو هريرة: «قال كلمة أوبقت دنياه وآخرته»، يعني: أهلكت دنياه وآخرته بسبب كلمة، وإن قالها في موضع غضب، لكنها مخالفة لشرع الله جل وعلا. من الناس اليوم، مثلاً: من يخرج في الأسواق، يسمع مثلاً الآن «استديوهات الغناء» - استديوهات الغناء في بلاد الإسلام - استديوهات الغناء مفتوحة. فبعض الناس يغضب، يقول: ما هذا؟ فيفجر استديوهات الغناء. هذا ما يجوز. هذا غضب مذموم، غضب فيه تعدٍ. من الذي قال لك هذا؟ عقاب هؤلاء الذين يفسدون بهذا الفساد؟ هذا غضب مذموم. يقول: أنا لأجلي... يعني: غضب لأجل الله سبحانه وتعالى، يقول: غضب لأجل الله عز وجل، يفجر يعني هذه المحلات. أو مثلاً: يرى إنسانا يشرب الخمر فيقتله، والعياذ بالله، ويعتدي عليه باعتداء عظيم. أو كذلك من يرى رجلا مثلاً مع امرأة مثلاً، فيقتل الرجل والمرأة، يقتل الرجل والمرأة، يقول: هؤلاء رأيتم يفعلون الفاحشة. ومن قال: اقتلهم؟ ربما هذه تكون المرأة غير محصنة، فهل عقابها القتل؟ ما الذي قال لك: اقتل؟ ومن الذي وكلّك بإقامة هذه الحدود؟ هل وكلّك الإمام؟ قال لك: من رأيت يفعل الفاحشة فأقم عليه الحد؟ فكل هذا مرفوض. أو الذين يفعلون يعني التخريب في بلاد الإسلام، يدمرون المنشآت ويفعلون الأفعال، لماذا؟ قالوا: فلت الوضع الأمني، نعم، المحاكم يعني فيها ظلم، ما في حكم بما أنزل الله، أخذوا علي كذا وذاك، يقول: الوظائف لبعض الناس مجاملات، في الوظائف ما تحصلت على حقي، وكم من الناس من يطالب بحقوق ما تحصل عليها، وكذا وكذا. فبزعمه أنه يغضب لهذا الشيء لأجل الله سبحانه وتعالى ولأجل الدين، ماذا يفعل؟ يدمر المنشآت ويخرب على المسلمين، يعني هذه الممتلكات، وربما يعتدي على المسلمين في متاجرهم، يحرق عليهم متاجرهم أو يدمرها. وهذا كله بزعمه أنه غضب يعني لأجل الله سبحانه وتعالى ولأجل انتهاك حرمات الله. لا، هذا ليس بصحيح. هذا غضب في غير موضعه، فيه تعدٍ، وفيه كذلك ظلم. وهكذا إلى آخر ذلك من هذه الأفعال التي تُحمل في هذا الموضع على أنه لأجل انتهاك حرمات الله سبحانه وتعالى، وهو ليس كذلك، بل هو ظلم وتعدٍ. فالغضب الذي هو محمود: هو لأجل انتهاك محارم الله جل وعلا، من غير تعدٍ، ومن غير وقوع في مخالفة شرع الله سبحانه وتعالى. هذا هو الغضب المحمود الذي كان يختص به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الغضب المحمود الذي كان يختص به أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام والتابعون لهم بإحسان. وجاء ذكر الغضب كثيراً في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: أن رجلا قال: يا رسول الله، أوصني. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تغضب». فردد الرجل مراراً، أي: كرر السؤال: أوصني. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تغضب». فهكذا وصية النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تغضب». فيه ذم الغضب والنهي عن الغضب. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري، نقلاً عن الخطابي رحمه الله: «لا تغضب» أي: اجتنب أسباب الغضب، اجتنب أسباب الغضب. لأن النهي عن الغضب لا يتأتى لأنه جبلة، الغضب جبلة في الإنسان. فالمراد أن الإنسان يجتنب أسباب الغضب، وإلا فهو بشر يغضب ومجبول على الغضب، لكن يجاهد نفسه على اجتناب الغضب والابتعاد عن ما يكون سبباً في وقوعه في الغضب. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى كما في شرحه لرياض الصالحين في هذا الحديث: معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام «لا تغضب»: أي لا تكن سريع الغضب، لا تكن سريع الغضب، يستثيرك كل شيء، يستثيرك كل شيء. بل كن آمناً مطمئناً، بل كن آمناً مطمئناً. بعض الناس سريع الغضب، يعني: أدنى إثارة يثيره شخص بكلمة، يثيره شخص بفعل، بقول، غضب وأقام الدنيا ولم يقعدها كما يقال. هذا خلق مذموم والعياذ بالله. وجاء كذلك في ذم الغضب: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في حديث أبي هريرة أيضاً في الصحيحين: قال عليه الصلاة والسلام: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». هذا الحديث فيه ثناء على الذي يملك نفسه عند الغضب، وفيه ذم لمن لا يملك نفسه عند الغضب، أن يوقع الغضب فلا يملك نفسه عند الغضب، هذا ليس بشديد. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وليس الشديد كذلك الذي يصرع الناس، الشديد حقا هو الذي يملك نفسه عند الغضب». هكذا يثني النبي عليه الصلاة والسلام على من امتلك نفسه ساعة الغضب، وذم النبي عليه الصلاة والسلام من لا يملك نفسه عند الغضب. بل ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أثنى على الذين يكظمون غيظهم وكذلك يكظمون غضبهم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، هؤلاء الكاظمون الغيظ هم الذين كظموا غيظهم، وكذلك كظموا غضبهم. فما غضبوا إلا لأجل انتهاك محارم الله سبحانه وتعالى، أما في أمر الدنيا وحظوظ النفس فهم كاظمون لغضبهم ولغيظهم. وقال جل وعلا أيضاً في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. وإذا ما غضبوا هم يغفرون، يعني: لا يوقعون غضبهم، وإنما يكظمون غيظهم، بل أعظم من ذلك أنهم يغفرون لمن أغضبهم، لأنهم يعلمون أن هذا الغضب في هذا الموضع لا يرضي الله سبحانه وتعالى. وقال النبي عليه الصلاة والسلام مثيباً كذلك على من كظم غيظه، وذاماً على من لم يكظم غيظه وغضبه. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث عبد الله بن عمر عند أحمد في المسند وابن ماجه رحمهما الله تعالى: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما تجرع عبد جرعة من كظم غيظ يكظمها، أو من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى». وجاء في لفظ آخر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ملأه الله أمناً وإيماناً». ملأه الله أمناً وإيماناً، أي: من كظم غضبه وكظم غيظه، ملأه الله جل وعلا أمناً وإيماناً. وهذا من أعظم الأعمال التي يتقرب بها إلى الله جل وعلا، وهو كظم الغيظ وتجرع هذا الغضب، مع أنه قادر على إيقاع هذا الغضب، ولكن ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى فإنه يتجرع هذا الغضب ويكظم هذا الغيظ، فيجزيه الله سبحانه وتعالى بهذا الجزاء العظيم. فهذه النصوص فيها ثناء على من يكظم غيظه وغضبه، وفيها ذم على من لم يكظم غيظه ولم يكظم كذلك غضبه. عواقب الغضب وخيمة، وله آثار سيئة. من آثار الغضب: أنه سبب، والعياذ بالله، للقتل. ربما الإنسان يغضب ويقتل بسبب غضبه. أو كذلك يطلق، كم من طلاقات التي تحصل بسبب ماذا؟ الغضب. بسبب الغضب يغضب فيطلق زوجته، نعم، ثم بعدها يقول: أنا غضبان، طلقت. أنا غضبان. وأهل العلم في هذه المسألة: منهم من لا يوقع طلاق الغضبان، إذا طلق الرجل وهو غضبان فلا يوقع هذا الطلاق، استدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا طلاق في إغلاق». لا طلاق في إغلاق. فسروا الإغلاق بالغضب، فسروا الإغلاق بالغضب. ومنهم العلماء من أوقع الطلاق، وهو قول الجمهور: يقع الطلاق ولو في حالة الغضب. وإنما لم يوقع الطلاق الذي يكون معه شدة الغضب الذي معه إغلاق، يعني: صار يخرج كلاما ما يعيه، ويقول كلاما لا يدري ماذا قال. إذا قيل له: ماذا قلت؟ قال: والله ما أدري ماذا قلت، وطلقت الآن. قال: والله ما طلقت. من قال: طلقت؟ قل: كيف قلت الطلاق؟ قال: والله ما أقول طلق، يعني: قال كلاما يعني في حالة إغلاق فكره. فهذا الذي صححه لم يقع. عما مجرد غضب، فالناس يغضبون، إذا كان لا يقع الطلاق مجرد الغضب. قال: سوت الغضاء؟ قالت: لا، عادة في النار. قال: أنت طالق. غضب الغضاء ما جهز. قال: انت طالق. قل: والله أنا غضبان. سبحان الله. نعم، فمثل هذه الأمور يعني لا يعذر فيها، يعني مجرد غضبه. لكن نعم، الغضب الذي يغلق عليه فكره، نعم، فهذا يحمل عليه هذا الحديث على يعني قول من حسنه، ومنهم الشيخ العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، يحسن هذا الحديث. كثير من الأمور تحصل بسبب ماذا؟ بسبب الغضب. الجور والظلم في المحاكم، يعني يكون بسبب الغضب. قال: إنسان يغضب فيقضي، والعياذ بالله، بالظلم وبالاعتداء في أموال الناس بسبب ماذا؟ بسبب الغضب. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام نهى الحاكم أن يقضي بين اثنين وهو غضبان، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان». لماذا؟ لأن الحاكم إذا حكم بين اثنين أو بين أكثر وهو غضبان، فهذا ما ظن الوقوع في الظلم والعياذ بالله، فيقول حكما ويصدر حكما في حالة غضب وهو في غير موافقة شرع الله جل وعلا. وكذلك الغضب، والعياذ بالله، سبب لوقوع يعني تدمير المنشآت كما تقدم. وذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الدجال أنه يخرج في غضبة يغضبها، كما في حديث عبد الله بن عمر، كما قالت عائشة: ابن عمر، ألم ترى وتسمع النبي عليه الصلاة والسلام؟ لما كان ابن عمر يغضب ابن صياد، يغضب ابن صياد، وكان يظنونه الدجال، قالت له: ألم تسمع ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الدجال يخرج في غضبة يغضبها»؟ الدجال إذا غضبه وأغضب، فإنه يخرج بهذه الفتنة العظيمة على هذه الأمة. وهذا من مساوي كذلك الغضب. والغضب آثاره كثيرة يعني سيئة. وعلاج الغضب جاء في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال بعض العلماء في تفسير هذه الآية: وإما يغضبنك الشيطان غضبا، وإنما يغضبنك الشيطان غضبا، فاستعد بالله، إنه هو السميع العليم. فالإنسان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن الغضب كما جاء في بعض الآثار، في بعض الأحاديث كان فيها كلام، قولها العلماء: بسبب جمرة يلقيها الشيطان في ابن آدم، يكون سببه هذا الغضب. فلذلك يستعيذ العبد بالله من الشيطان الرجيم، فالله سبحانه وتعالى يعيده. وهكذا عليه بذكر الله سبحانه وتعالى، من أعظم علاج الغضب ذكر الله عز وجل. قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾. فإذا هم مبصرون. وهذا الغضب إنما هو بسبب هذا الطائف من الشيطان الرجيم اللعين. وهكذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في علاج الغضب بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ما جاء في الصحيحين من حديث سليمان بن صرد رضي الله تعالى عنه، قال: استبّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه. فنظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا الرجل الذي غضب وأحمر وجهه، فقال: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». فقال الصحابة لهذا الرجل: ألا تسمع إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «إني لست بمجنون، إني لست بمجنون». انظروا الغضب كيف يصل بأصحابه، قال: «إني لست بمجنون». في هذا الحديث علاج الغضب بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. وكذلك علاج الغضب: أن الإنسان إذا كان قائماً عليه أن يجلس، وإذا غضب وهو جالس عليه أن يضطجع. ثبت في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه عند الإمام أحمد في المسند وغيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإذا ذهب عنه ذلك وإلا فليضطجع، وإلا فليضطجع». ويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي بكرة في صحيح إمام مسلم رحمه الله وغيره، في حديث الفتن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن المضطجع فيها خير من الجالس، وإن الجالس فيها خير من القائم، وإن القائم فيها خير من الماشي، وإن الماشي فيها خير من الساعي». فالإنسان كلما كان جالساً كان أبعد من الغضب ممن كان قائماً، والمضطجع أبعد من الوقوع في الغضب مما إذا كان جالساً. فهذا أيضا من العلاج الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء في بعض الحديث: الوضوء. ولكن في الحديث كلام، وضعفه جماعة من العلماء، بعضهم حسن ذلك الحديث، وهو أن يتوضأ. فخلاصة هذا الباب: أن الإنسان يبتعد عن أسباب الغضب وما يكون سبباً في وقوعه في غضب الله جل وعلا، وإنما يغضب إذا انتهكت محارم الله جل وعلا، بما يوافق شرع الله سبحانه وتعالى. والنبي عليه الصلاة والسلام قال عليه الصلاة والسلام: «وإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا أسباب الغضب، وأن يجعلنا ممن يغضب لانتهاك محارم الله سبحانه وتعالى، وأن يعيننا على الشيطان وعلى أنفسنا الأمارة بالسوء، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.