رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 5

الدرس في رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الهوى وتحذير الأنبياء منه في القرآن

يستهل المحور بتعريف اتباع الهوى بأنه إيثار شهوات النفس على مرضاة الله، مستشهداً بقول ابن تيمية في عمى صاحبه عن الحق. ثم يسوق الآيات القرآنية التي نهى الله فيها أنبياءه -ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم- عن اتباع الهوى، وشبّه من اتخذه إلهاً بمن يعبد غير الله محذراً من عاقبته.

أصناف المتبعين للهوى وآثاره المدمرة على القلب

يستعرض هذا المحور أدلة القرآن والسنة التي تجعل اتباع الهوى سمة للمشركين وأهل الكتاب والظالمين، مبيناً آثاره الوخيمة في ظلمة القلب وجهل المعروف وإنكار المنكر. كما يذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الهوى وتحذيره منه كأحد المهلكات.

الهوى سبب الفرقة والضلال ووجوب تحرير القصد

ينقل المحور أحاديث نبوية وأقوالاً سلفية تصنف اتباع الهوى من المهلكات، وتجعله سبباً رئيسياً في فرقة الأمم وضلال الفرق المختلفة. ويؤكد في ختامه على واجب المسلم في تحرير قصده لله والتمسك بالحق الوارد في الكتاب والسنة دون هوى أو تقليد أعمى.

الدعاء بالوقاية من الهوى وخاتمة المجلس

يختتم الدرس بدعاء المتحدث ربه أن يقيه والمستمعين شر اتباع الهوى، وأن يجعلهم من العباد المنقادين لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ويختم المجلس بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فمن الأخلاق السيئة والصفات المذمومة التي يجب على كل مسلم أن يتخلى عنها وأن يجتنبها: خلق اتباع الهوى. فاتباع الهوى خلق ذميم، وصفة ذميمة لا تليق بالمسلم أن يتصف بها. وتبع الهوى عُرِّف بتعريفات خلاصتها: إيثار ميل النفس إلى الشهوة، والانقياد لها فيما تدعو إليه من معاصي الله عز وجل. فمن آثر ميل نفسه إلى الشهوة، وانقاد لذلك، واستجاب لنداءاتها وهي تدعو إلى معاصي الله عز وجل، فقد اتبع الهوى. ويقال كذلك: إيثار وتقديم دواعي مراض النفس والشهوة على مراض الله جل وعلا. فالإنسان إذا صار همه أن ينظر فيما يوافق شهوته وفيما يوافق هواه فيركبه، فهذا متبع لهواه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «صاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا قصد له في طلب أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، وإنما قصده ما يوافق هواه، فيغضب إذا فات ما أراد، وكذلك يغضب إذا لم يجد ما يوافق هواه». بمعنى: أن همه هو ما يوافق شهوته ويلبي رغبته، فإذا وجد ذلك ركب ذلك، ونصر ذلك، وسعى لأجل تحصيل ذلك، فهذا متبع للهوى، والعياذ بالله. والهوى قد جاء ذم اتباعه في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، في نصوص كثيرة. نهى الله جل وعلا الأنبياء مع عصمتهم من اتباع الهوى، ومع هذا ربنا عز وجل نهاهم عن اتباع الهوى. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقال الله جل وعلا لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾. وقال الله سبحانه وتعالى خاطباً نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام، الذي قال الله جل وعلا فيه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ومع هذا قال الله سبحانه وتعالى له في كتابه الكريم: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. وقال الله سبحانه وتعالى أيضاً لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. وقال جل وعلا أيضاً في كتابه الكريم لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿وَجَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم أيضاً مخاطباً نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. وقال الله جل وعلا أيضاً لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وهكذا في آيات كثيرات ينهى ربنا عز وجل نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام، الذي لا ينطق عن الهوى، أن لا يتبع أهواء هؤلاء أهل الأهواء. وقال الله عز وجل ذاماً للهوى واتباع الهوى في كتابه الكريم، حيث مثله بالإله الذي عبد من دونه، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾. فمثله الله جل وعلا بالإله الذي عبد مع الله جل وعلا. ولذلك قال بعض السلف: «شر إله عبد في الأرض الهوى، شر إله عبد في الأرض الهوى». وهذا من أعظم الذم للهوى ولاتباع الهوى. وتبع الهوى من صفات المشركين الذين قال عنهم ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾. فالمشركون من صفاتهم اتباع الهوى، والعياذ بالله. وهو أيضاً من صفات أهل الكتاب الذين لعنهم الله سبحانه وتعالى وذمهم، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. في الآية الأخرى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾. فاتباع الهوى من صفات اليهود، ومن صفات النصارى الضالين الذين ذمهم الله سبحانه وتعالى وغضب عليهم ولعنهم. وهكذا أيضاً قال الله عز وجل حاثاً المؤمنين على الحذر من اتباع الهوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. وحذّر الله جل وعلا أهل الكتاب من اتباع الهوى، قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. هكذا يحدّ ربنا عز وجل من الهوى ومن اتباع الهوى. وهكذا جاءت الأحاديث الكثيرة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، بل في كتاب الله عز وجل أن من صفات الظالمين اتباع الهوى، كما قال جل وعلا: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم﴾. وهي من صفات المعرضين الذين لم يستجيبوا لشرع الله جل وعلا، قال سبحانه: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾. واتبع الهوى من صفات الذين زين لهم سوء عملهم، قال جل وعلا: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. في صفة ذميمة من صفات الظالمين المعرضين الزائغين: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. ألا وأحاديث سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة في ذم اتباع الهوى. جاء عنه عليه الصلاة والسلام كما في حديث قطبة بن مالك رضي الله تعالى عنه عند أصحاب السنن، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى: كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعوذ من الهوى، كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء». وهذا جاء في حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه، وهو في سنة ابن أبي عاصم، صححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما يخشى عليكم، أو إنما أتخوف عليكم: اتباع الهوى». وقال عليه الصلاة والسلام: «شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الهوى». هكذا الحديث: «إنما أتخوف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الهوى». وجاء في حديث حذيفة، حديث حذيفة الطويل، أليس جاء في الصحيحين وغيرهما في ذكر الفتن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّمَا قَلْبٍ أَشْرَبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّمَا قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: أَبْيَضُ مِثْلُ الصَّفَا لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَأَسْوَدُ مُرْبَادٌ مُجَخِّيًا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». وجاء في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عند البزار وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث كفارات، وثلاث درجات، وثلاث منجيات، وثلاث مهلكات. فأما الكفارات: فإسباغ الوضوء في السبرات - يعني في أوقات البرد - وانتظار الصلوات بعد الصلوات، ونقل الأقدام إلى الجمعات. وأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام. وأما المنجيات: فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية. وأما المهلكات: فهوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه». ففي هذا الحديث بيان أن من المهلكات: الهوى المتبع، والعياذ بالله. وفي حديث معاوية عند أحمد وغيره في حديث الافتراق العظيم، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن أهل الكتاب قد افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة»، قال عليه الصلاة والسلام: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وَسَيَخْرُجُ أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمُ الْأَهْوَاءُ»، وَسَيَخْرُجُ أَقْوَامٌ تَجَارَى - يعني تتجارى، أي تتسابق - تَجَارَى بِهِمُ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ. وهذا فيه ذم كذلك للهوى ولمتبع الهوى. وجاء كذلك في الصحيحين حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا فَهُوَ مُدْرِكُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَرُ، وَالْيَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْلَّمْسُ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ». جاء في بعض الألفاظ خارج الصحيحين: «وَالْقَلْبُ يَهْوَى ذَلِكَ أَوْ يُحَدِّثُ بِهِ»، في بعض الألفاظ الصحيح: «وَالْقَلْبُ يَهْوَى أَوِ الْقَلْبُ يَشْتَهِي وَيَتَمَنَّى». فهذا أيضاً فيه ذم للهوى ولاتباع الهوى. أقوال السلف الصالح في ذم الهوى واتباع الهوى كثيرة. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «ما ذكر الله الهوى في موضع من كتابه إلا ذمه، ما ذكر الله الهوى في موضع من كتابه إلا ذمه». وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «الهوى شِرْذِذَةٌ خَالَطَ قَلْبًا». وقال الحسن البصري رحمه الله: «لا تجالس أهل الأهواء». وقال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: «لا تجالسوا أهل الأهواء، فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضاء في قلوب المؤمنين». قال مالك رحمه الله تعالى: «لا يأخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، والذي يكذب في حديث الناس - وإن كنت أتهمه في الحديث - وعابد فاضل صالح لكن لا يدري ما يحدث به، لكن ما يدري ما يحدث به». وهكذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان يكتب إلى الأمصار ويحذر: «إياكم والهوى والزيغ البعيد، إياكم والهوى والزيغ البعيد». قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «أهل الهوى أضل الضلال، أهل الهوى وأهل اتباع الظن». وهكذا كذلك قال الشافعي رحمه الله تعالى: «لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك، خير له من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء». قال مجاهد رحمه الله تعالى: «والله لا أدري أي النعمتين هي علي أفضل: أن هدانا الله للإسلام، أم عافاني من هذه الأهواء، أم عافاني من هذه الأهواء». والنقولات كثيرة في ذم أهل الهوى واتباع الهوى. فع علينا عباد الله أن نتحرر من اتباع الهوى. كثير من الناس اليوم همه شهوته، يعرف الحق، ومع هذا يلبي رغبة نفسه وشهوة نفسه، يقدم ويؤثر المزاملة - أي المصاحبة - أو يؤثر كذلك المال وشيئاً من حطام الدنيا على الحق، فيعرف الحق، مع هذا يؤيد الباطل، أو يجامل، أو يبتعد عن أهل الحق ولا ينصرهم. لماذا؟ كثير من الناس اليوم يعرف أين الحق، وما هو الواجب، وما الذي عليه، لكن يتحصل شهرياً كذا وكذا من بعض الناس، أو على كذا من المال، أو على كذا من الحوائج، أو كذا وكذا، فلأجل هذا السبب يؤثر ذلك على الحق، وعلى اتباع الحق في كثير من الأمور. الناس يتبعون هواهم، بل ما ضلت الفرق التي ضلت إلا بسبب الهوى واتباع الهوى. فالإنسان يجعل هواه تبعاً لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. جاء في ذلك الحديث، وحسن بعضه، وإن كان فيه ضعف، ولكن معناه صحيح: «الحق ضالة المسلم، أينما وجده أخذه». هكذا ينبغي للمسلم أن يتحرر من الهوى، من التعصب، من التقاليد، فيكون قصده وهمه الحق، واتباع الحق الذي جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. نسأل الله جل وعلا أن يقينا وإياكم الهوى واتباع الهوى، وأن يجعلنا من عباده المنقادين المستجيبين لأمره وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. والحمد لله رب العالمين.