الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 36، الدرس السادس والثلاثون:من( باب الشفاعة ... وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح معنى الشفاعة لغة وشرعا وأنواعها، ويفرق بين الشفاعة المثبتة والمنفية. يُبين أن الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله تعالى ولأهل التوحيد.
يتناول الرد على من أثبتوا الشفاعة بدون شروط مستدلين بآيات قرآنية، ويبين شروط الشفاعة الثلاثة: الإذن، الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع له.
يشرح شروط قبول الشفاعة ويبين أنها خاصة لأهل التوحيد والإخلاص، وأنها لا تنفع إلا بإذن الله وبرضاه عن الشافع والمشفوع له.
يشير إلى الاكتفاء ببعض الأدلة لاختصار الوقت مع وجود أدلة أخرى، ويعتزم استكمال الموضوع في درس لاحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد"، قال: "باب الشفاعة". وقول الله عز وجل: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾، وقوله: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين، يعني من سورة سبأ. قال: "قال أبو العباس، يعني شيخ الإسلام ابن تيمية: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو أن يكون لغيره قصط منه -أي نصيب من الملك- أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. فهذه الشفاعة التي يظن المشركون أنها منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال له: ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعطى، واشفع شفع. والحديث في الصحيحين. قال: "وقال أبو هريرة له صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه»". وهو في البخاري وغيره. قال: "فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقتها أن الله سبحانه والذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود". فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. قال: "وفيه مسائل: الأولى تفسير الآيات، والثانية صفة الشفاعة المنفية، والثالثة صفة الشفاعة المثبتة، والرابعة ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود، الخامسة صفة ما يفعله صلى الله عليه وسلم وأنه لا يبدأ بالشفاعة بل يسجد، فإذا أذن له شفع". قال: "السادسة من أسعد الناس بها، السابعة أنها لا تكون لمن أشرك بالله، الثامنة بيان حقيقتها". أورد رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره لأبواب التوحيد، أو الأبواب المتعلقة بمسائل التوحيد وما ينافيها والتحذير منها. فقال: "باب الشفاعة"، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام الشفاعة. ومناسبة ذكر هذا الباب ها هنا أنه لما ذكر الباب الذي قبله والذي قبله ما يتعلق بوجوب التعلق بالله عز وجل، وأن ما سوى الله لا يملك شيئا، ولا ينبغي التعلق به حتى ولو كان نبيا مرسلا أو ملكا مقربا. فمعنى ذلك كان في الأبواب السابقة ناسب أن يذكر ها هنا أن من لوازم ذاك الذي سبق أن الشفاعة كذلك لا تطلب إلا من الله، فلا تطلب لا من ملك مقرب ولا من نبي مرسل، حتى لا يظن أن المنهي عنه فقط الدعاء، فيقال: ليس الدعاء فحسب، بل حتى الشفاعة لا تطلب إلا من الله سبحانه وتعالى وحده. وهذا باب عظيم يقع فيه الشرك، ويتساقط فيه الكثير من الجهلة بسبب جهلهم بمباحثه، فلهذا ذكره وبين شيئا من مسائله. فقوله: "باب الشفاعة" هذا مدخل لمعرفة أحكام الشفاعة. والشفاعة لغة مأخوذة من معنى الشفع، والشفع ضد الوتر، وهو ضم طلب إلى طلب. وهي بمعنى الوساطة، فكأن السائل الذي أراد أن يسأل وخشي أن يرد سؤله ضم قوله مع قول من شفع له، فصار قولان. وهذا هو وجه تسمية شفاعة من شفع قول الشافع والمشفوع له. ويروى من شعر العرب: "فرض الإله زكاة ما ملكت يدي وزكاة جاه أنعمن وأشفع". فصار معنى الشفاعة هنا بمعنى التوسط أو الوساطة. والشفاعة شفاعتان: شفاعة مثبتة، وهي ما سيأتي الكلام عليها إن شاء الله، الشفاعة التي تثبت لأهل الإيمان والتوحيد بالشروط التي دلت عليها الأدلة من الكتاب والسنة. وشفاعة منفية، وهي الشفاعة التي اعتقدها المشركون، فظنوا أن شأن الرب تعالى وعز سبحانه وتعالى وتقدس عن قول الظالمين علوا كبيرا وكثيرا، ظنوا أي ظن هؤلاء المشركون أن شأنه كشأن الملوك، يشفع عنده من يشفع، فلا يستطيع الملك رد سؤال الشافع إما رغبة وإما رهبة. فما من ملك من الملوك مهما كبر إلا وله من يشفع عنده، ولا يستطيع رد سؤله إما رغبة فيما عند هذا الشافع، وإما رهبة مما يخافه الملك من ذاك الشافع أو ما خلفه. فلذلك توجه المشركون بشفاعاتهم إلى غير الله، ظنا منهم أن شأن الرب كذلك كشأن الملوك، تعالى الله عن قولهم واعتقادهم الفاسد. فزعموا أنهم أهل ذنوب ومعاصي، وأنهم لو سألوا لم يقبل سؤالهم، فتوجهوا إلى غير الله يشفعون، وظنوا أنها لا بد أن تقع. فجاءت أدلة القرآن تبين أن هذا الاعتقاد الذي يعتقده المشركون اعتقاد فاسد، بل الشفاعة لله عز وجل وحده. وهذه الآيات التي أوردها والأدلة تدل على هذا المعنى العظيم. فإذا علمنا ذلك علمنا أن الناس في الشفاعة طرفان ووسط. طرف نفاها كما صنع طوائف من اليهود والنصارى والوعيدية، فإن هذه الطوائف من اليهود والنصارى ومن تبعهم ممن ضل من المسلمين كالمعتزلة والخوارج من الوعيدية نفوا الشفاعة المثبتة، وزعموا أن ذلك ينافي العدل. وألزموا أن كل من فعل كبيرة ولم يتب منها أن يدخل النار، وأنه لا تنفع معه شفاعة الشافعين، وذهبوا يستدلون بأدلة الشفاعة المنفية. وبينما أدلة الشفاعة المنفية لم تنفي وقوع الشفاعة مطلقا، وإنما نفتها إذا تخلفت شروطها، وأما إذا توفرت شروطها فإنها تقع ولو مع عصاة المسلمين، ولو مع من لم يتب. وقد دلت أدلة السنة على ذلك، أي إثبات الشفاعة. ولكن لما كان المقام ها هنا ليس في الرد على هؤلاء، وإنما في الرد على الطائفة الأخرى، أورد المؤلف رحمه الله الأدلة التي تدل على المعنى الثاني، وهم أهل الطرف الثاني الذين غلوا في باب الشفاعة حتى صار عندهم عقيدة كعقيدة المشركين، يثبتون شفاعة بلا شروط، وهذا باطل. بل هذه عقيدة المشركين، فعباد القبور ومن سلك مسلكهم عندهم من الاعتقاد ما عند أهل الشرك الأولين، إذ ظنوا أن من شفع أو من ظن به الصلاح واستشفع فإنه يشفع ولو كان المشفوع له لا يستحق الشفاعة. وهذا باطل ردته أدلة الكتاب والسنة الكثير منها ما أورده المؤلف رحمه الله. وقد تكلم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه العظيم "كشف الشبهات" على الكثير من شبهات المشركين فيما يتعلق بالشفاعة، فهو مهم وعظيم ينبغي الرجوع إليه. قال: "وقول الله عز وجل: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾". ووجه الشاهد قوله: ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾، وفي هذا رد على من غلا في باب الشفاعة وأثبتها من دون شروط، فبين أن الله عز وجل نفى مثل هذا النوع من الشفاعة. قال: "وقوله: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وقبل هذه الآية: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾. ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، فقول الله عز وجل: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ بعد قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾، بيان أن من عقيدة المشركين عباد الأصنام أنهم يعتقدون أن الشفاعة يملكها كل من ظن فيه الصلاح من ملك أو نبي أو صالح أو حتى صنم وثن. فبين الله عز وجل نفي ذلك فقال: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾، وهذا في الأصنام خاصة. فإذا كانت الأصنام لا تملك شيئا -يعني مما يمكن ملكه- وهي لا تعقل شيئا، كيف يمكنها أن تشفع؟ كيف يمكنها أن تشفع؟ ثم قال الله عز وجل بعدها: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، لفظة "جميعا" جاءت هنا لمعنى، جاءت لزيادة معنى، هذا المعنى هو أنه ليس فقط المنفي هنا شفاعة الأصنام، بل كل ما سوى الله من المخلوقات لا تملك شيئا من الشفاعة. والاستثناء معيار العموم، فلما قال: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾، هنا تقديم تأخير أفاد الحصر، تقديم حقه التأخير، التأخير وهو الجار المجرور للفظ الجلالة أفاد الحصر. فعلم به أن الشفاعة محصورة في من في الله سبحانه وتعالى، فلما قال بعده: "جميعا"، علم أن لفظ "جميع" قصد به تأكيد هذا العموم المستفاد من هذا الحصر. والحصر معيار العموم كما علمنا، فعلم أن المقصود منه تأكيد هذا النفي المذكور في الآية قبله، فليس المنفي فقط شفاعة الأصنام، بل المنفي هو شفاعة كل مخل، ولو كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا. فلهذا لا تستغرب إذا قرأت في بعض كتب التفسير في تفسير هذه الآية: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، تجد فيه: "أي ليست لنبي ولا ملك ولا غيره". من أين جاء "نبي ولا ملك"؟ جاء من قوله: "جميعا". فالآية الأولى فيها نفي الشفاعة عن الأصنام، والآية الثانية فيها نفي الشفاعة عن الأنبياء والملائكة ومن دونهم من باب أولى. فإذا كان كذلك، علم أن طلب الشفاعة من دون الأنبياء والملائكة من باب أولى أنه لا يجوز ويمنع. وقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، فيه بيان إلى شرط من شروط الشفاعة. أولا علمنا في الآيتين السابقتين أن الشفاعة لله وحده لا يملكها أحد، وهذا هو أصل هذا الأصل. ثم بين رحمه الله في هذه الآية وأراد أن يشير بها إلى شرط من شروط الشفاعة. وشروط الشفاعة ثلاثة: الإذن بالشفاعة، والرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع له. فقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، فيه هذا الشرط، أن الشفاعة لا تقع إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، إذن لا تطلب إلا منه سبحانه. وقوله: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، هذه الآية فيها ذكر الشرطين المكملين لشروط الشفاعة. فلابد من الرضا عن الشافع، وهكذا لابد من الرضا عن المشفوع له. مر معنا في الباب الذي قبله أن الملائكة من أعظم عباد الله عبودية لله سبحانه وتعالى، فهم الذين لا يعصون الله ما أمرهم، يفعلون ما يؤمرون. وهم الذين من الفزع والخوف من الله والتعظيم والإجلال تضرب بأجنحتها خضعانا، وتصعب وتخر ساجدة. ومع ذلك قال الله عز وجل عنها في هذه الآية: ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾، فإذا كانت الملائكة التي هي على ذلك الوصف العظيم لا تغني شفاعتها شيئا، فكيف بمن دون الملائكة؟ فهم من باب أولى لا تغني شفاعتهم شيئا. لكن هل لا تغني شفاعتهم شيئا من في بدون ما يلحقه من معنى؟ فيبين استثناء في ذلك. والجواب: وجد، وذلك في قوله: ﴿إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ﴾، فإذا الأصل هو أن شفاعة الشافعين لا تقبل إلا أن يأذن الله. وكذلك أن من عباد الله من يشفع وتقبل شفاعته إذا أذن الله، ولكن إذا كان هذا الشافع مرضي عنه، وكان المشفوع له مرضي عنه، وهذا قوله: ﴿لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، أي الرضا عن الشافع والمشفوع له، والإذن بالشفاعة. وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، يشير إلى الآيتين من سورة سبأ. وذلك أن إذا كان ما سوى الله لا يملك مثقال ذرة، ومعروفنا الذرة الصغر ما يمكن أن يرى ويحس من مخلوقات الله. ومع ذلك لا يملك هذا المخلوق، فإذا كان لا يملكها فكيف تطلب منه الشفاعة؟ ولهذا بعده نفى الله عز وجل عنهم الاستغلال بالملك والمشاركة له، وثلث بكذلك عدم وجود الظهير. ﴿مَا لَهُمْ فِيهَا مِن شِرْكٍ﴾، أي لا استقلالا ولا شركة، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ﴾، فإذا نفي ذلك كله بقيت الشفاعة، فبين سبحانه أن الشفاعة لله عز وجل وحده: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. وذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكلامه في تفسير هذه الآية، فقد ذكر هذا الكلام في مواضع من كتبه، ومنه ما ذكره في رسالته "الواسطة بين الحق والخلق"، وهي على آية سورة سبأ التي ذكرها هنا المؤلف رحمه الله. وكلامه في الدلالة على المقصود ظاهرة. قال: "نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قصط منه -أي من الملك- أو يكون عونا لله". فالملك والقصط من الملك: ﴿مَا لَهُمْ فِيهَا مِن شِرْكٍ﴾، وقبله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، والعون: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ﴾. قال: "ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وكما قال في سورة الزمر: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وقال في سورة النجم: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾". ثم قال: "فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن". لماذا؟ لأنها شفاعة تخلفت عنها شروطها. ثم قال: "وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولا". وهذا يدل أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك الشفاعة، بل يطلبها من الله أن يأذن له، فيبدأ بالثناء على الله بما هو أهله. حتى قال عليه الصلاة والسلام: «فيلهمني ربي محامدة لم أكن أعلمها» -يعني ثناء على الله بما هو أهله- بشيء ما كان يعرفه النبي عليه الصلاة والسلام. حتى يقال له: «ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعطى، واشفع شفع». وهذا هو الإذن بالشفاعة. فعلم أن الشفاعة لا تطلب إلا من الله، فلا تقل: يا رسول الله اشفع لي، ولكن قل: يا الله شفع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيا. انظر: لا تقل: يا رسول الله اشفع لي، ولكن قل: يا الله شفع فيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأول ممنوع والثاني جائز ومشروع. ورسالة شيخ الإسلام "الواسطة بين الحق والخلق" رسالة عظيمة فيها بيان الواسطة الممنوعة والواسطة المشروعة. فالواسطة المشروعة بين الحق والخلق هي واسطة التبليغ، كإرسال الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والواسطة الممنوعة هي الواسطة في العبادة والدعاء والسؤال، فإنها لا تطلب إلا من الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه دلالة ظاهرة أن الشفاعة لا ينالها إلا أهل التوحيد. فمن فعل الشرك فلا يظن أن أحدا يستطيع أن يشفع له، وهو قد تخلف عنه سبب رضا الرب سبحانه وتعالى. فهنا سأل أبو هريرة رضي الله عنه: «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه»». بل قال بعض أهل العلم: ومن علامة لا إله إلا الله التي ينتفع بها صاحبها أن يكون لها أثر على أعمال هذا القائل. فمن ليس له عمل لم يقلها خالصا من قلبه، وإلا فبرهان هذا الإخلاص في كلمة التوحيد وجود العمل فيها أو بمقتضاها. ثم قال: "فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله". وهذا ظاهر. فيه بيان المعنى المتقدم من شرط الرضا عن المشفوع له. وقوله: "وحقيقتها أن الله سبحانه والذي يتفضل على أهل الإخلاص، ويغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود". هذا الكلام في حق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام خاصة، وهكذا كذلك شفاعة ذوي الشفاعات من الصديقين والشهداء والصالحين، ومنهم حفظة القرآن وأهل العلم وغيرهم. فشفاعة هؤلاء حقيقتها هو تفضل الرب سبحانه وتعالى على أهل الإخلاص، فأهل الإخلاص قد يحصل منهم تغيرات من ذنوب ومعاصي، فيشفع ربنا جل وعلا فيهم من يأذن من عباده. ثم قال: "فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك كما تقدم النوع الأول، وهي التي تخلف فيها أحد شروط الشفاعة". قالوا: "لهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع". والشفاعة المثبتة هي التي توفرت فيها الشروط. قال: "وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص". لهذا الحديث الذي جاء وأشار إليه حديث أبي هريرة. وهناك أدلة أخرى، لكن المقام مقام تمثيل وذكر بعض الأدلة للاختصار. طيب نقف إلى هنا ونكمل الباقي إن شاء الله في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.