الدرس في شرح مختصر السيرة 109، الدرس التاسع بعد المائة:من( نفع الله طيئاً بعدي بن حاتم ... أسلمت إذ كفروا ووفيت إذ غدروا وأقبلت إذ أدبروا وأيم الله أعرفك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبرز هذا الفصل وفاء عدي بن حاتم لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنفيذ أوامر الصدقات رغم الاضطرابات. يُظهر درسًا في الثبات على الحق.
نصح النبي عدي بن حاتم وأخبره بوجود خليفة من بعده، وحذره من الغدر. أسلم عدي بعد ذلك، ويبرز المقطع فضل الصحابة ومعرفتهم لبعضهم.
يُشدد هذا الفصل على أهمية الثبات في وجه الفتن والابتلاءات، ويبرز دور الصحابة في مواجهة الردة. يُظهر أن الابتلاء سنة إلهية وأن الثبات يؤدي إلى النصر.
يشير هذا الفصل إلى ضرورة نصرة الحق ووعود الله بنصر من ينصره، ويستشهد بذلك في الزمن الحالي. يُظهر أهمية الأخذ بالدرس والعبرة من النصرة الإلهية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال نافع، عن ابن عمر، عن حاتم، قال: فلما بلغهم وفات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا، فمنهم من رجع، ومنهم من أدى إلى أبي بكر، ومنهم عدي بن حاتم. كانت عنده إبل عظيمة من صدقات قومه، فلما ارتد من ارتد وارتدت بنو أسد، وهم جيرانهم، اجتمع الطيء إلى عدي، فقالوا: إن هذا الرجل قد مات، وقد انتقض الناس بعده، وقبض كل قوم ما كان في أيديهم من صدقات، فنحن أحق بأموالنا من شذاذ الناس. ومعنى شذاذ الناس: أي من تفرق منهم وضعف، وكانوا يرون أنفسهم طائفة قوية مجتمعة. فقالوا: لم تعطوا العهد طائعين غير مكرهين؟ قالوا: بلى، ولكن حدث ما ترى، وقد ترى ما صنع الناس. وفيه دليل أن بعض الناس لقلة علمهم وغيره قد يبتلى بكثرة من ينجر في الباطل فينجر معهم. ولهذا فإن في هذا درسا عظيما فيما ينبغي أن يساكن المسلم، فيساكن الأخيار الذين يعينوه على الخير إذا فسد الناس. قال: فقالوا: لم تعطوا العهد طائعين غير مكرهين؟ قالوا: بلى، ولكن حدث ما ترى، وقد ترى ما صنع الناس. فقال: والذي نفس عدي بيده، لا أخيس بها أبدا. ومعنى لا أخيس: يعني لا أنقض العهد، وأكون امرأ سوء في عهدي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن أبيتم، فوالله لأقاتلنكم، فليكونن أول قتيل يقتل على وفاء ذمته عدي بن حاتم، أو يسلمها فلا تطمعوا أن يسب حاتم في قبره وعدي ابنه من بعده، فلا يدعونكم غدر غادر إلى أن تغدروا. فإن للشيطان قادة عند موت كل نبي يستخف بها أهل الجهل حتى يحملهم على قلائص الفتنة، وإنما هي عجاجة لا ثبات لها ولا ثبات فيها. إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم خليفة من بعده يلي هذا الأمر، وإن لدين الله أقواما سينهضون ويقومون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذؤابتيه في السماء، لئن فعلتم لا يقار عنكم عن أموالكم ونسائكم بعد قتل عدي وغدركم، فأي قوم أنتم عند ذلك؟ فلما رأوا منه الجد كفوا عنه وأسلموا له. وهذه وصية ونصيحة عظيمة فيها ما فيها من الترغيب والترهيب، فإنه بيّن لهم أن ما يريدون ليس هو فعل الأخيار، وإنما هو فعل أهل السوء الأشرار، وأن كذلك ما يطمعون به إن وصلوا فيه إلى خير فهو خير مؤقت لا يدوم، وسرعان ما يزول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف بخليفة يحمل ويواصل هذا الخير. فإذا كان كذلك، فكيف هم صانعون حين يستتب الأمر لأهل الإسلام؟ فسيكونون في شر حال، وزادهم واحدة بأن بيّن لهم أن أول من يعترض عليهم هو نفسه، وهو عندهم بمثابة الملك والأمير وشيخ القبيلة، فإن كان من يفتخرون به سيكون أول من يقاتلهم، وإن قتلوه فتتكون لهم المذمة في الحالين في غدرهم لأميرهم. وهكذا كذلك ما يكون عليهم من المذلة بعد تغلب جيش الله وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن غلبوا فهم في شر حال لما لهم من نقض العهد الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام الذي أسلموا، وكذلك مع أميرهم وكبيرهم، وهي تعتبر من أعظم المناقص عند العرب فضلا عن الإسلام. وهكذا ما ذكره فيه كذلك ما سمعنا من ترغيب وترهيب وعض وبيان لخير هذا الدين وأنه سيبقى ويبقى له من يحميه وينصره. قال: فلما كان زمن عمر، رأى من عمر جفوة، فقال له عدي: ما أراك تعرفني. قال عمر: بلى، والله والله يعرفك في السماء أعرفك، والله أسلمت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، وأيم الله أعرفك. وفي هذا فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومعرفة بعضهم لبعض فضلهم، فإنه كان لهم من الفضل ليس فقط ما تكوم به فضائلهم، بل ما يشهد بعضهم لبعض بفضائل بعض لبعض. وفيه كذلك أن الشيطان قد ينزغ، فإذا نزغ الشيطان فلا ينبغي أن ينسي الشيطان أهل الفضل فضلهم، بل ينبغي أن يبقى فضل ذوي الفضل. وأن كذلك يستغلب صاحب الحق على وساوس الشيطان ونزغاته، وهكذا كذلك فيه فضل عدي بن حاتم وعمر رضي الله عنه وسائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين ثبتهم الله في هذه الفتنة في وقت الردة، وفيه درس عظيم. ولعله الشاهد من إيراد الشيخ رحمه الله أن أهل الحق مهما بلغوا من الفضل ومن القوة فإنهم لن يعدموا من ابتلاء يبتليهم الله عز وجل به، ومثل ذلك الابتلاء كسحابة تمر ثم تزول. وهكذا في هذه القصة مثل لذلك كانت أياما شديدة على الصحابة كون الناس ينقضون العهد ويرتدون عن الدين ويقاتلون أهل الحق وأهل الإسلام وخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك صبروا وثبتوا فثبتهم الله وأعانهم، وإذا كان هذا لمثل هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم على ما لا يخفى من فضلهم وتأييد الله عز وجل لهم ونصر الدين بهم، فمن دونهم من باب أولى ألا يتحسر ولا يتأثر بما يكون من ابتلاء، بل يعلم أنه من سنة الله سبحانه وتعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. وهكذا كذلك فيه درس أن لا يغتر أحد بمثل هذه الفتن العارضة التي يكون لمعض أهل الباطل فيها صولة وجولة ويكون فيها فترة مهما طالت، فهي قصيرة بالنسبة لثبات أهل الحق ورفعتهم. فكون الباطل يرتفع ويكون له أتباع مهما كثروا، فإن ذلك لا يغير الثوابت، ولا ينبغي أن يكون سببا للاغترار. فوهكذا الزمان يدور، بدورانه تكون فيه عبر وعضات، فينبغي أن يتعظ ويعتبر بمثل هذا كل من نظر في الأدلة الشرعية واعتبر بمثل هذه القصص والأخبار. وهكذا في زمن الشيخ رحمه الله ابتلي ببعض أهل الباطل، كانت لهم بعض الصولات على أهل الحق. وكما تعرفون كان الشيخ ومن معه ممن نصر دعوته رحمه الله يقاتل أهل الباطل، فربما كانت في بعض الأيام شدة على أهل الحق، سواء من معارك السيف والسنان أو معارك الحج والبرهان، بما يكون من بث الشبه ونشر الذائعات والإشاعات وغير ذلك. لكن في النهاية هل نصر لأهل الحق؟ ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز. وهكذا نحن، وكذلك في زماننا هذا ينبغي أن يكون في هذا الدرس عظيم لنا. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.