الدرس في وجوب التوكل على الله والحذر من التشاؤم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 صفر 1431هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح الخطبة أن التوكل على الله من أعظم صفات المؤمنين والمحققين للتوحيد، وتعّرفه بأنه صدق الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة. وتستعرض أمثلة عملية من حياة الأنبياء والصحابة كإبراهيم وموسى والنبي محمد وأبي بكر وعمر بن عبد العزيز، مؤكدة أن التوكل الحقيقي يجمع بين الثقة بالله والعمل بالأسباب.
يبيّن المقطع أن التشاؤم والتطير منافٍ للتوحيد والتوكل على الله، وهو من صفات الكفار كآل فرعون وأهل القرية وكفار قريش. ويستدل بأدلة من القرآن والسنة النبوية التي أبطلت هذه الاعتقادات، مؤكداً أن الطيرة شرك، وأن من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، مع ذكر كفارة ذلك بالدعاء المأثور.
يتناول المقطع بقاء الاعتقادات الجاهلية كالتطير بالطيور والتشاؤم بشهر صفر بين بعض المسلمين، مع أن الإسلام أبطلها بقوله «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة». ويحذر الخطيب من أن هذه الممارسات شركية، ويؤكد على وجوب التوكل على الله وحده، وينبه إلى مظاهر أخرى من الشرك كالسحر والتنجيم ومحاكاة القرآن.
يختتم المتحدث بالدعاء بأن يجعلهم الله من المتوكلين الصادقين المتقين، وأن يوفقهم لكل خير ويرضى عنهم. كما يصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن التوكل على الله جل وعلا من أعظم صفات أهل الإيمان. يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. بل إن التوكل على الله جل وعلا من أعظم صفات المحققين لتوحيد الله جل وعلا، السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. فقد جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين في وصف السبعين ألفًا الذين وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام لتلك الصفات العظيمة، والذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قال عليه الصلاة والسلام: «هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون». فجعل الصفة الجامعة لهذه الصفات العظيمة توكلهم على ربهم جل وعلا. بل إن التوكل على الله عز وجل عباد الله هو حقيقة الإيمان، وهو حقيقة الإسلام. فقد قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقال الله جل وعلا على لسان موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. والله عز وجل قد بيّن حال عباده الصالحين المتوكلين عليه جل وعلا حق توكله في نصوص كثيرة في كتابه العزيز. والتوكل عباد الله هو الصدق الاعتماد على الله جل وعلا بتفويض الأمر في جلب المنافع ودفع المضار مع الأخذ بالأسباب المأذون بها شرعًا. فحقيقة التوكل جمع بين أمرين: بين صدق الاعتماد على الله جل وعلا في تفويض الأمر في جلب المنافع ودفع المضار، وجمع بين الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب. فلا بد من الاعتماد على الله جل وعلا والأخذ بالأسباب، هذا هو حقيقة التوكل. فترك الأسباب قدح في الشرع، والاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد. ولقد ضرب أنبياء الله جل وعلا وأتباع الأنبياء أروع الأمثلة في توكلهم على ربهم جل وعلا. فهذا موسى عليه الصلاة والسلام يخبر عنه ربنا عز وجل في كتابه الكريم حيث قال جل وعلا: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. وهذا هود عليه الصلاة والسلام قال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي على الله سبحانه وتعالى. وهذا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام كان آخر ما قال وهو في تلك النار التي أشعلها قومه عليه: «حسبي الله ونعم الوكيل». كما جاء في البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان آخر ما قال إبراهيم وهو في النار: «حسبي الله ونعم الوكيل». فنجاه الله سبحانه وتعالى من هذه النار كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾. وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال الله عز وجل عنه في كتابه الكريم: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. وثبت في الصحيحين من حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام وهو في الغار: «يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟». وهكذا حين خوفهم المشركون بجمع المشركين لهم، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. هكذا توكلوا واعتمدوا على الله سبحانه وتعالى، لم يتوانوا ولم يتخلفوا عن أمر الله سبحانه وتعالى. وهكذا هم أتباع الأنبياء من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام والتابعين لهم بإحسان. فهذا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما لما سمع رجلًا قال: «خير، خير» حين سمع طائرًا يصيح، قال: «وأي خير عند هذا؟ وأي خير عند هذا؟». وهذا كذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لما أراد سفرًا وقصد سفرًا، وكان القمر في منزلة الدبران، منزلة يتشاءمون بها، فقال أحد الذين قصدوا السفر: «ما عمر يا أمير المؤمنين؟ انظر إلى القمر، انظر إلى القمر، ما أجمله وما أحسنه!». وهو يريد أن ينبه عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن القمر في منزلة الدبران، وهذه منزلة شؤم. فتفطن عمر رضي الله تعالى عنه ورحمه الله لمقصده وقال له: «يا هذا، إنا لا نخرج لشمس ولا لقمر، إنا لا نخرج لشمس ولا لقمر، وإنما نخرج متوكلين على الله سبحانه وتعالى». وهذا طاوس رحمه الله تعالى لما سمع رجلًا قال: «خير، خير» عندما سمع صائرًا وهو الغراب يصيح، قال: «خير، خير». قالوا: «أي خير عند هذا؟ لا تصحبني، لا تصحبني». أي: ما دمت على هذا الاعتقاد الشركي وهو الشؤم بالله عز وجل وعدم التوكل على الله سبحانه وتعالى. فهكذا كان أنبياء الله، وهكذا كان أتباع الأنبياء في توكلهم على الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المتوكلين عليه، المقتدين بأنبياء الله جل وعلا، التابعين لهم بإحسان. إنه جواد كريم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى من سار على نهجهم إلى يوم الدين. أيها المسلمون، ألا وإن مما ينافي التوكل على الله جل وعلا، وينافي التوحيد، وينافي الإيمان والإسلام: التشاؤم والتطير. التشاؤم والتطير بشيء من المرئيات، أو بشيء من المسموعات، أو بشيء من المعلومات. كمن يتشاءم بحركات الطيور ورؤيتها، أو حركة الحيوانات وسماع أصواتها، فيجعل ذلك علامة لحصول خير وسبب شؤم، فيقوم ويقعد من سفر أو أي مقصد آخر. وذلك من التشاؤم عباد الله، ومن التطير. بل إن هذا الخلق الرديء وهذا الاعتقاد الشركي عباد الله إنما هو من خلق الكافرين أعداء الرسالات والمرسلين، كما حكى الله جل وعلا عنهم في كتابه الكريم عن آل فرعون الذين وقعوا في مثل هذا الاعتقاد الشركي. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فهم إذا جاءتهم السعة وجاءهم الخصب في مزرعهم وفي مأكلهم وكثرة أموالهم قالوا: نحن الحقيقون بهذا والمستحقون لهذا. ولكن إذا أصيبوا بالابتلاءات من جدب أو قحط أو غير ذلك نسبوا ذلك إلى موسى وأتباعه وما جاءوا به من هذا الدين العظيم. وأسفًا أن مثل هذا الاعتقاد لا يزال موجودًا عند طوائف من أهل الإسلام. فنسمع من بعض الناس أنهم يقولون: كثرت المحاضرات، وكثر العلم، وكثرت المراكز، وكثرت الكلمات والوعظ، وكثرت المطاوعة، وما رأينا إلا جدبًا، وما رأينا إلا قحطًا. كنا قبل وجود هذه المراكز وقبل وجود هذا الانتشار من العلم والنصيحة في دين الله جل وعلا على سعة وعلى خصب. فنقول: ما أشبه الليلة بالبارحة! ما أشبه الليلة بالبارحة! والله رب العالمين، إن هذا هو الاعتقاد الذي كان عليه آل فرعون الذي قالوه لنبيهم موسى عليه الصلاة والسلام، حين قال عنهم ربنا عز وجل: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾. وكذلك حكى الله سبحانه وتعالى عن أهل القرية المتطيرين الذين تشاءموا برسل الله جل وعلا: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَانُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. هكذا قالوا لرسل الله عليه الصلاة والسلام: تطيروا بهم وتشاءموا بهم. فهذه قولتهم وهذا هو اعتقادهم، والعياذ بالله. وهذا الاعتقاد أيضًا الذي كان عليه كفار قريش. فقد جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، وإنا منا أناس يتطيرون». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم». وكما أخبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما جاء في الصحيحين قال رضي الله تعالى عنهما: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، وكانوا يجعلون المحرم صفرًا، وكانوا يقولون: إذا عفا الأثر وبرأ الدبر وانسلخ صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر. فهذه الاعتقادات يا عباد الله الشركية، وهذه الأقوال الدنيئة إنما هي أقوال المشركين واعتقادات المشركين الذي جاء الإسلام بإبطالها ببعثة إمام المتوكلين محمد عليه الصلاة والسلام. فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». زاد مسلم: «ولا نوء ولا غول». وثبت من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه عند أبي داود والترمذي وابن ماجه، وصححه العلامتان الألباني والواثق وغيرهما رحمة الله تعالى عليهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك». قال ابن مسعود: «وما منا إلا»، ولكن يذهبه الله بالتوكل. «وما منا إلا أن يقع في قلبه شيء من ذلك ولكن يذهبه الله بالتوكل». وثبت من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عند أحمد في مسنده، وصححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، وحسنه الألباني رحمة الله تعالى عليه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». قال: «وما كفارة ذلك يا رسول الله؟» قال: «أن تقول: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. لا طير إلا طيرك، ولا إله إلا غيرك، ولا إله غيرك، ولا خير إلا خيرك. لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك». هكذا بين النبي عليه الصلاة والسلام. فهكذا عباد الله أبطل الإسلام هذه الاعتقادات الشركية التي كان عليها المشركون. كان يتشاءمون بالطيور وحركاتها، فإذا رأوا الطيور قد جاءتهم من خلفهم تشاءموا ورجعوا، فرجعوا عن سفرهم أو عقد صفقة تجارة أو عقد نكاح وغير ذلك. وإذا رأوا الطيور قد جاءتهم كذلك من جهة الشمال تراجعوا عن سفرهم أو مقاصدهم الأخرى. وإذا رأوها قد جاءتهم من جهة الأمام أو جاءتهم من جهة اليمين تفاءلوا بذلك، وجعلوا ذلك علامة للخير، فقدموا على ما أرادوا من سفر أو تجارة أو عقد نكاح أو غير ذلك من مقاصدهم. أبطل ذلك الإسلام، أبطل ذلك كله الإسلام ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام. و كانوا يتشاءمون بطائر الهامة إذا حط على بيوتهم ظنوا أن ذلك سبب شؤم، وأن هذا نذير شر، وأنه ينذرهم وينعيهم بموت أحد من أقاربهم أو بأحد من البيت. وللأسف الشديد أن هذا الاعتقاد الجاهلي لا زال موجودًا عند بعض أهل الإسلام. فإذا رأى مثل هذا الطائر ما يسمى بالبومة قد حط على بيته ظن أن هذا نذير شر، وأن أحدًا من أهل البيت سيموت أو سيصيبهم شيء من هذه الشرور، فقاموا يصردون هذا الطائر من سطوح بيوتهم، وربما قتلوه، وربما رموه. لماذا؟ ما دخل هذا الطائر في حصول شر أو تسبب ذلك عليهم؟ إنه الاعتقاد الشركي الذي لا زال موجودًا عند بعض الناس، والعياذ بالله. وربما تفاءلوا إذا جاءتهم مثل هذه الحشرة الصغيرة السوداء إذا جاءت إلى بيوتهم، قالوا: «ما شاء الله، هذا خير، خير، خير». ماذا عندك؟ عندك كذا وكذا؟ قال: كذا وحرك رأسه. عندك كذا وكذا؟ قال: كذا وحرك رأسه. يعتقدون أن مثل هذه الحشرة سبب حصول خير لهم، فيتفاعلون بهذا. وما هذا إلا مثل تلك الاعتقادات الشركية التي كان على أهل الجاهلية، التي أبطلها الإسلام بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة». وقد فسرت الهامة في أحد تفاسيرها بأنه ذلك الطائر الذي يأتي على بيوتهم فيعتقدون فيه الشؤم، والعياذ بالله. وغير ذلك من الاعتقادات الشركية. وللأسف الشديد يا عباد الله، إننا نجد في مجتمعات أهل الإسلام أن التشاؤم والتطير لا زال موجودًا. فها نحن في شهر صفر، فها نحن في شهر صفر، ما بالنا رأينا الزواجات قد قلت؟ ما بالنا رأينا لأجل الزواجات قد قلت قبل هذا الشهر؟ قبل شهر صفر الزواجات كثيرة، ربما في اليوم الواحد زواجان أو ثلاثة أو أكثر، لكن في شهر صفر تتقلل الزواجات إلا من رحم الله جل وعلا ووفقه الله سبحانه وتعالى. أتدري ما السبب؟ إنه الاعتقاد والتشاؤم بشهر صفر. يعتقدون أن الزواج غير مبارك في هذا الشهر، وأن الزواج في هذا الشهر ليس فيه خير، فيتوقفون عن الزواج في هذا الشهر بسبب التشاؤم. فنقول لهم: أإله مع الله؟ أإله مع الله يدبر مع الله جل وعلا الخير والشر ويقدره مثل هذه الأشهر والأزمنة، أو مثل هذه الطيور والحيوانات؟ الخير يا عباد الله والشر يقدره الله سبحانه وتعالى، لا دخل لشمس ولا لقمر، ولا دخل لطائر ولا لغراب، ولا نبح كلب، ولا غير ذلك من هذه المسموعات أو المرئيات أو المعلومات. فالأمر لله جل وعلا أولًا وآخرًا. وإلى الأسف الشديد عباد الله، كذلك ما نراه يقع في آخر أربعاء من هذا الشهر، نجد بعض الناس يصنعون الحلوى في بيوتهم، ويصنعون المشروبات، ويصنعون الكيكات، فيخرجون في آخر أربعاء. منهم من يخرج إلى السواحل، ومنهم من يخرج إلى كذلك المنتزهات، فرحين بقرب رحيل شهر صفر. ولسان حالهم يقولون: «آل لك يا صفر أن تخرج، آل لك يا صفر أن تخرج، يا من أهممتنا، يا من أخرتنا عن زواجنا، يا من أخرتنا عن مقاصدنا، آل لك الرحيل وآل لك الزوال». فيسعدون يفرحون. ما أشبه الليلة بالبارحة يا عباد الله! مصداق ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: «يا رسول الله، اليهود والنصارى؟» قال: «فمن؟». وفي لفظ: «فمن القوم إلا هم؟». هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة تتكلف متابعة المشركين وتتقصد ذلك في اعتقادها وفي أفعالها وفي أخلاقها وفي مناهج هداها وفي أمورها كلها، إلا من رحم الله جل وعلا. ومنهم الذين أخبر عنهم النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». على ذلك الاعتقاد المطابق لكتاب الله ولسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي كان عليه السلف الصالحون ومشوا عليه واخذوا أثره، فهم على هذا ثابتون لا يتزعزعون، لا يبالون، يعتمدون على ربهم سبحانه وتعالى، ويسيرون في هذه الدنيا وفي هذه الطرق على ما يرضي الله وما وافق سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فعلينا يا عباد الله أن نتقي الله سبحانه وتعالى، وأن نتوكل على الله جل وعلا حق توكله، كما توكلت تلك المخلوقات التي أثنى عليها نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله في حديث عمر: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا، تغدو خماصًا معتمدة على ربها عز وجل، آخذة بالأسباب، فتخرج في أول النهار طالبة للرزق من الله عز وجل، وتروح بطانًا، ترجع في آخر المساء وقد ملأ الله جل وعلا بطونها». صدقت في اعتمادها على الله جل وعلا وأخذت بالأسباب، فلا يخيبها ربنا سبحانه وتعالى. فهكذا عباد الله، الله الله في التوكل على الله عز وجل. وكنت أحب بهذا المقام أن أنبه على أمور تحصل كذلك في مجتمعات أهل الإسلام مما يبث في بعض الجرائد من دعوة إلى الشرك والوثنيات، أو دعوة كذلك إلى العصبيات، أو دعوة إلى السحر أو التنجيم أو الشعوذة أو الكهنة، أو ما فيه عدم تعظيم شعائر الله جل وعلا، من محاكاة لكلام الله جل وعلا وربط ذلك الكلام بكلام البشر، محاكاة لكلام الله تعالى من سورة من سور القرآن. ولا يتسع المقام لذكر هذه المواضيع في هذا المقام، إن شاء الله سنبين على ذلك بعد صلاة الجمعة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المتوكلين، وأن يوفقنا لكل خير، وأن يرضى عنا، وأن يجعلنا من عباده الصادقين المتقين على شرعه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.