الدرس في التعليق على شرح تفسير كلمة التوحيد 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أن المنافقين كانوا يعلنون الشهادتين بألسنتهم لكن قلوبهم كافرة، فلم تنفعهم الكلمة بل كانوا في الدرك الأسفل من النار. مما يدل على أن مجرد النطق بلا إله إلا الله لا يكفي للنجاة بل لا بد من تصديق القلب وعمل الجوارح، كما يبين خطورة النفاق على الأمة لكون المنافقين يكيدون للإسلام من داخله.
يبيّن المقطع أن مجرد النطق بالشهادتين لا ينفع دون العمل بمقتضاهما، مستدلاً بحال المنافقين الذين صلوا وتصدقوا وقالوا لا إله إلا الله لكنهم في الدرك الأسفل من النار. ويوضح أن كلمة التوحيد تتطلب سبعة شروط (العلم، اليقين، الإخلاص، الصدق، المحبة، الانقياد، القبول) وشرطاً ثامناً هو الكفر بالطاغوت، وأن ركنيها النفي والإثبات.
يبيّن المقطع أن مجرد النطق بالشهادة لا يكفي دون إخلاص وصدق وكفر بالطاغوت، موضحاً أن مطابقة القول للعمل شرط لقبولها. وينبه إلى واقع جهل معظم الناس وكثير من المنتسبين للعلم بمعنى "لا إله إلا الله" الصحيح، حيث يقصرونها على توحيد الربوبية ويغفلون توحيد الألوهية.
يوضح المقطع أن بعض الناس يقتصرون في فهمهم لـ "لا إله إلا الله" على توحيد الربوبية فقط، دون التعرض لتوحيد الألوهية الذي هو المقصود الحقيقي من هذه الكلمة. ويختتم المتحدث الدرس على أن يستكمل في اللقاء القادم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فما زلنا في شرح الشارح على قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار". يريد بهذا أن "لا إله إلا الله" لا يكفي التلفظ بها، ولو كان الأمر كذلك لما كان المنافقون في هذه المنزلة في الدرك الأسفل من النار، وهي أشد في العذاب والنكال تحت الكفار. وقرأنا شيئًا مما ذكره الشارح حفظه الله تعالى، الشيخ الفوزان، قال حفظه الله في شرحه: "وقالوا أي المنافقين: وقالوا لا إله إلا الله، وشهدوا للرسول بالرسالة ظاهرًا، كما قال الله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾. هذه الشهادة بألسنتهم: ﴿ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾. ﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ فكذبهم الله عز وجل". المسألة ليست مسألة ادعاء، فما أسهل الادعاء! أن تقول: "أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، هذا أمر سهل، كل إنسان يستطيع أن يقول ذلك، ولكن العبرة بالعمل، وبكذلك تصديق هذا القول، وبرهان هذا القول بالعمل. فانظر إلى المنافقين: يقولون "لا إله إلا الله"، ويقولون إنهم يشهدون أن محمدًا رسول الله، ومع هذا لم ينفعهم هذا القول، لم ينفعهم هذا القول، فكذبهم الله عز وجل وفضحهم. ثم قال: ﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾. قال الشارح: "جُنَّة" يعني سترة يستترون بها، لأن مادة الجيم والنون تدل على الاستتار والخفاء، ولذلك سموا الجن بالجن لاستتارهم، وسميت الجنة بالجنة لاستتارها بما حولها من الأشجار. فالمنافقون اتخذوا هذه الكلمة جُنَّة، يعني وقاية، حتى لا يحاربهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا كذلك يجري عليهم أحكام أهل الكفر. فاتخذوا هذه الأقوال جُنَّة، يعني وقاية يستترون بها من الكفر. قال: "فالمنافقون دخلوا في الإسلام لما رأوا قوة المسلمين ظاهرًا، يعني دخلوا ظاهرًا وبقوا على الكفر باطنًا، والعياذ بالله، وهذا أخطر على الإسلام وعلى أهل الإسلام، ولذلك كانت عقوبتهم هذه العقوبة التي سمعت: في الدرك الأسفل من النار". ولذلك في أول سورة البقرة: ﴿ الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ إلى آخر الآيات، ذكر قرابة خمس آيات في المؤمنين، وآيتين في الكفار: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾، آيتين. وأما المنافقون فذكر في شأنهم ثلاثة عشر آية، لخطرهم على الإسلام والمسلمين. من أين هذا الخطر؟ الخطر لأنهم يعيشون بين أوساط المسلمين، فهم ينخرون في الإسلام والمسلمين من الداخل، باعتبار أنهم مسلمون، وهم في الحقيقة يبطنون الكفر، فهم يعادون أهل الإسلام في عقر ديارهم، أو من عقر ديارهم، وهذا أخطر على الإسلام وعلى المسلمين. ولذلك تأذى الصحابة، بل ورسول الله صلى الله عليه وسلم، من المنافقين الذين هم في المدينة، فهم الذين يشيعون الشائعات، وهم الذين يثبطون أهل الإسلام، وقالوا: ﴿ لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ﴾، وقالوا: ﴿ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾، هذا يقول أهل النفاق لأهل الإيمان، يثبطون، ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ﴾، وغيرها من الآيات. فأهل النفاق خطرهم عظيم بين أوساط المسلمين، أخطر من الكفار، أخطر من الكفار؛ لأن الكافر واضح، هذا أمامي كافر، سأحذره وسأنتبه له، لكن المنافق كيف تعرفه؟ ما تستطيع تجزم، وربما يعمل بخفاء، يعمل لكيد الإسلام والمسلمين بخفاء، وفي الظاهر مسلم، يصلي معك، وربما يجلس معك في حلقات العلم، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ﴾، يجلسون ويستمعون لكن ما يفقهون ولا يفهمون، ﴿ مَا يُفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. فدل ذلك على أن المنافقين ربما جلسوا واستمعوا، فهم يكونون معك في الصلاة، وربما في بعض المجالس، وربما يكونون من جيرانك، وهم يكيدون لك لأنك مسلم حق، فخطرهم عظيم. قال: "ولذلك جعلهم الله في الدرك الأسفل من النار تحت المشركين، عبدت الأوثان، تحت الملاحدة، تحت الملاحدة، لعظيم جرمهم وخداعهم ومكرهم". قال تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾. فدل ذلك على أن من قال "لا إله إلا الله" لا يكفي هذا التلفظ حتى يعمل بمقتضى هذه الكلمة ظاهرًا وباطنًا. قال: "قال: فالمنافق يقول لا إله إلا الله وهو في الدرك الأسفل من النار، فكيف تقولون إن لا إله إلا الله يكفي مجرد التلفظ بها، وهؤلاء المنافقون في الدرك الأسفل من النار وهم يقولون لا إله إلا الله؟ فدل أن مجرد النطق بها لا يكفي، إلا باعتقاد القلب وعمل الجوارح". فهذه حجة واضحة بينة يحتج بها على هؤلاء عباد القبور، الذين همهم أن يدعوا غير الله، وأن يستغيثوا بغير الله، وأن ينذروا لغير الله، فإذا أنكر عليهم وقيل: "إن هذا شرك"، قالوا: "اتهمتمونا بالشرك، نحن نقول لا إله إلا الله، نحن نقول لا إله إلا الله". أما أهل الشرك فما قالوا "لا إله إلا الله". فنقول لهم: "إن كان أهل الشرك ما قالوا لا إله إلا الله لأنهم يعلمون معنى لا إله إلا الله، فأهل النفاق قالوا لا إله إلا الله، وهل نفعهم هذا القول؟ ما نفعهم هذا القول لما خالفوا مقتضى هذه الكلمة". فهذه حجة واضحة بينة على أن من قال "لا إله إلا الله" بلسانه ولم يعمل بمقتضى هذه الكلمة، فلا تنفعه هذه الكلمة، وليست دليلًا على إيمانه وعلى إسلامه. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "قال: مع كونهم يصلون ويتصدقون"، يعني في الدرك الأسفل من النار تحت الكفار، وتحت الملاحدة، ومع هذا يصلون ويتصدقون، لأن ظاهرهم الإسلام، وهذه الأمور من مظاهر الإسلام الظاهرة، ومع هذا هم في الدرك الأسفل من النار. قال الشارح: "المنافقون يصلون ويتصدقون، ويخرجون للجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الظاهر، ولكنهم منافقون في قلوبهم، وهم يقولون لا إله إلا الله، ولم تنفعهم". وهذا واضح. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "قال: ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب، ومحبتها، ومحبة أهلها، وبغض من خالفها ومعاداته". أو "ومعاداته". نعم. قال الشارح: "المراد من لا إله إلا الله: قولها باللسان مع اعتقاد القلب بها، والعمل بمقتضاها، وموالات أهلها، ومعاداة من خالفها". هذا أيضًا من مقتضى "لا إله إلا الله": أن تحب أهلها أهل التوحيد، وأن تعادي من خالفها، ومن عاد هذه الكلمة وعاد أهلها. فانظر إلى أولئك الذين تلفظوا بـ "لا إله إلا الله" وهم من أشد الأعداء لأهل التوحيد، ربما يرمونهم بأقذع الأوصاف وبأسوأ الألقاب، بل ربما كفروهم، لأنهم يعتقدون الاعتقاد الصحيح والمعنى الصحيح في هذه الكلمة "لا إله إلا الله". فأنت إن كنت موحدًا حقًا، وجب عليك أن تحب أهل هذه الكلمة، تحب أهل التوحيد، وتوالي أهل التوحيد، وفي المقابل تعادي من خالف هذه الكلمة من أهل الشرك، من أهل الشرك. قال: "وهذا هو الحب في الله والبغض في الله، وهو من أوثق عرى الإيمان، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله»". تحب أهل التوحيد وأهل الطاعة وأهل الاستقامة، وتواليهم، وتعاونهم، وتؤازرهم، وتكره أهل الشرك وأهل البدع وأهل المعاصي، فتنكر عليهم وتخالفهم وتبغضهم. كل هذا من معنى "لا إله إلا الله". فإذن "لا إله إلا الله" ليست كلمة تُقال باللسان فحسب، بل كل هذا الذي تقدم من مقتضى "لا إله إلا الله". قال: "هذه كلها من مقتضى لا إله إلا الله، ولهذا قالوا: لا إله إلا الله لها سبعة شروط، يعني العلماء، العلماء ذكروا لهذه الكلمة سبعة شروط، استنبطوها من أدلة الكتاب والسنة، استنبطوها من أدلة الكتاب والسنة، وكل هذه الشروط لها أدلتها من الكتاب والسنة". قال: "نظمها بعض العلماء بقوله: عِلمٌ يَقِينٌ وَإِخْلَاصٌ وَصِدْقُكَ مَعَ مَحَبَّةٍ وَانْقِيَادٍ وَالْقَبُولِ لَهَا". زاد الشيخ سعد بن عتيق رحمه الله شرطًا ثامنًا، فقال: "وَزِيدَ ثَامِنُهَا الْكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا سِوَى الْإِلَهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ". قد أولها، يعني الثامن: الكفر بكل ما عُبد من دون الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ». فإذا هذه الكلمة كلمة عظيمة، كلمة عظيمة، من شروطها العلم: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾، أن تعلم المعنى الصحيح لهذه الكلمة، لأنك بالعلم تعبد الله عز وجل وحده سبحانه وتعالى. وهكذا اليقين المنافي للشك: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾، ما يكون عندك تردد، وعندك شك فيما تدل عليه هذه الكلمة، فليكن عندك يقين. وهكذا الإخلاص المنافي للشرك، والصدق المنافي للكذب، وهكذا المحبة المنافية للبغض والكراهية، إلى غير ذلك. فهذه شروط عظيمة، ينبغي لأجل هذه الكلمة أن يعمل بها، وأن يعتقدها، وأن يعتقد هذه الشروط، وأن يعمل بها. قال: "وركني لا إله إلا الله هما النفي والإثبات، فلا يكفي النفي، ولا يكفي الإثبات، بل لا بد من الإثنين: لا إله نفي، إلا الله إثبات". ففيها إثبات الألوهية لله عز وجل وحده، ونفيها عما سواه. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا»، وفي رواية: «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»، وفي رواية: «صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ»، وفي حديث آخر: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ»". يريد الشيخ بهذا أن هذه الكلمة جاءت مقيدة بشروط عظيمة، وبقيود مهمة، لا بد من تحقيقها، ومن العمل بها. فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله" ولم يقيدها بهذه الشروط، وهذه القيود العظيمة. فإذن "لا إله إلا الله" ليست كلمة فقط تُقال باللسان، بل لها شروط. فانظروا في هذا الحديث: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا»، فهذا فيه الإخلاص. وفي رواية: «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»، أيضًا فيه الإخلاص. وفي رواية: «صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ»، هذا فيه الصدق، أن تكون صادقًا في قول هذه الكلمة. ومن صدقك بهذه الكلمة أن تعمل بما تدل عليه، لا بد أن يطابق القول العمل، أن يطابق القول العمل. فإذا قلت ولم تعمل بهذه الكلمة فأنت كاذب. الذي يقول "لا إله إلا الله" ويدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، هذا كاذب في قوله "لا إله إلا الله"، لأنه لو كان صادقًا لما دعا غير الله، ولم يستغث بغير الله، وهذا واضح. وأيضًا: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ»، تكفر بكل ما يعبد من دون الله، من القبور والأضرحة والجن، وإلى غير تلك المعبودات الباطلة التي تعبد من دون الله سبحانه وتعالى. فإذا "لا إله إلا الله" أمرها عظيم، وشأنها عظيم، ينبغي للمسلم أن يحقق هذه الكلمة بما جاءت به من شروط. قال الشارح حفظه الله تعالى: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا، قال: هذا قيد، لم يقتصر على قوله: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، بل قال: «مُخْلِصًا»، «مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ»". لا يكفي أنه يقول "لا إله إلا الله" حتى يكون ذلك خالصًا من قلبه، لألا يكون من المنافقين الذين يقولونها بألسنتهم ولكن لا يقولونها بقلوبهم. فالقول يكون باللسان، وكذلك يكون بالقلب فيما يعتقده المسلم من الاعتقاد الصحيح بمعنى هذه الكلمة، وهو "لا إله إلا الله". وكذلك الصدق يشمل الأعمال. قال: "وَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، هذا قيد عظيم، وهو قوله: «وَكَفَرَ بِمَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ»؛ لأن كثيرًا يقولون لا إله إلا الله، ولا يتركون عبادة القبور، ودعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وطلب الحاجات من غير الله. هؤلاء لا تنفعهم لا إله إلا الله، لأنهم لم يكفروا بما يعبد من دون الله". وهذا واضح. فانظروا إلى عظم هذه الكلمة العظيمة. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "قال: إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة، وهذا واقع إلى يومنا هذا، كثير من الناس في جهل عظيم لمعنى هذه الكلمة العظيمة، وهذا مصداق قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، إلى غير تلكم الآيات التي فيها أن أهل الحق هم قلة مقابل أهل الباطل وأهل الجهل والضلال. فلذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على أن يفهم ويعلم المعنى الصحيح لهذه الكلمة العظيمة: لا إله إلا الله". قال الشارح حفظه الله، شيخ الفوزان: "أكثر الناس يجهلون هذه الشهادة، يحسبونها مجرد لفظ يقال باللسان". قال: "وكثير من العلماء لا يفهمون معنى لا إله إلا الله، وهم علماء في الفقه، علماء في النحو، علماء في الحديث، ولكن أكثرهم ليس له عناية بالتوحيد، أو يتعلم عقيدة الأشاعرة وعلماء الكلام التي تقتصر على توحيد الربوبية، وهذا حق". يريد بالعلماء هنا علماء الضلال، تجد أحدهم دكتوراه في الحديث، أو في اللغة، في النحو، أو في الفقه، وإذا سألته: "أين الله؟" يجيب بقوله: "في كل مكان"، وربما تجده يخشع، وكذلك يدعو غير الله، يدعو غير الله سبحانه وتعالى. وهذا واقع في كثير ممن يدعي العلم، وربما عنده في هذه علوم، علوم الآلة التي ذكرها الشيخ: النحو والحديث، وربما بعضهم في الفقه والفرائض، في غيرها من العلوم الشرعية، ومع هذا لا يعتني بأمر التوحيد، لا يعتني بأمر التوحيد. فهؤلاء هم العلماء الذين يريدهم الشيخ حفظه الله تعالى، حفظه الله تعالى. وهكذا أولئك العلماء الذين يظهرون على شاشات التلفاز، كثير منهم ممن قد انحرف في باب العقيدة، وفي فهم معنى "لا إله إلا الله"، وربما يفسرون هذه الكلمة بتفسير قاصر، ويحصرون تفسير هذه الكلمة بتوحيد الربوبية، بتوحيد الربوبية. وهكذا عندهم في الأسماء والصفات التعطيل والتحريف، وإلى غير ذلك. فهذا واقع إلى يومنا هذا، وقليل هم علماء السنة الذين يبينون للناس التوحيد الصحيح والمعنى الصحيح لهذه الكلمة العظيمة. قال الشارح: "ويقولون: لا إله إلا الله، ويفسرونها: لا خالق إلا الله، لا يقدر على الاختراع إلا الله، هذا تفسيرهم لها. بل بعضهم من يدعي الإصلاح يكتب كتاب التوحيد، فإذا بكتاب التوحيد كله في إثبات توحيد الربوبية، ولم يتطرق البتة إلى توحيد الألوهية". وهذا واقع في عصرنا هذا، ومن يشار إليه بالبنان، ويقال عنه أنه كذا وكذا، وهو خاوٍ في أمر معرفة المعنى الصحيح لمعنى "لا إله إلا الله"، ويهتم بتوحيد الربوبية، ويقرر هذا الأمر الذي ربما كان أهل الجاهلية الذين كانوا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يقررون بذلك: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾. قال: "هذا تفسيرهم لها، فهم لا يتعدون توحيد الربوبية، ويفسرون لا إله إلا الله بما لا يزيد على توحيد الربوبية". وهكذا الصوفية، تجد ربما بعض كتبهم فيها التوحيد، كتاب التوحيد، فلما تقرأه فإذا به توحيد الربوبية، يقرر أنه لا خالق إلا الله، وأنه لا مدبر إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا من هذه الأمور التي هي من أفعال الرب سبحانه وتعالى، وهذا هو توحيد الربوبية. قال: "فهم لا يتعدون توحيد الربوبية، ويفسرون لا إله إلا الله بما لا يزيد عن توحيد الربوبية، ولا يتعرضون لتوحيد الألوهية الذي هو مطلوب لـ لا إله إلا الله". طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي في درسنا القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.