الدرس في التعليق على شرح تفسير كلمة التوحيد 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح الشيخ الفوزان أن المشركين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تنوعت معبوداتهم لتشمل الصالحين والملائكة والأنبياء والجن وليس الأصنام فقط. يستدل بالقرآن والسنة على أن أصل الشرك في قوم نوح كان تعظيم الصالحين مما يبطل حصر الشرك في عبادة الأصنام.
يبيّن المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل كل من أشرك بالله بغض النظر عن معبودهم لأن حقيقة الشرك واحدة وهي صرف العبادة لغير الله. يرد على شبهة القبوريين مستدلاً بالآيات وحديث ذات أنواط على أن التوسل بالأولياء هو شرك أكبر كشرك المشركين الأوائل.
يؤكد الشيخ أن النبي قاتل جميع أصناف المشركين لأن حقيقتهم واحدة وهي شرك الألوهية بدعاء غير الله والاستغاثة به. مشركو العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية لكن وقعوا في شرك الألوهية وهو الكفر المخرج من الملة الذي قاتلهم عليه الرسول.
يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى شبهة سيقوم بالرد عليها في الدرس القادم بمشاركة الشيخ الفوزان ويختم بالشهادتين. يذكر النص أيضاً أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في رسالته "تفسير كلمة التوحيد": "وتمام هذا أن تعرف أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون الصالحين، مثل الملائكة وعيسى وأمه وعزيرا وغيرهم من الأولياء، فكفروا بهذا، أو فكفروا بهذا مع إقرارهم بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المدبر". قال الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى في شرحه لهذه العبارات: "قال المشركون الأولون ليسوا كلهم يعبدون الأصنام، فهم متفرقون في عبادتهم؛ فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الصالحين. فمن الخطأ أن يعتقد إنسان أو يظن إنسان أن الذين قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام هم فقط عبادة الأصنام، بل إن المشركين في زمن، أو في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، منهم من يعبد الأصنام، طائفة منهم، ومنهم من يعبد الصالحين. وهذا كله في القرآن وفي السنة. فقد جاء في أحد تفسير قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، بأن اللات رجل صالح كان يلث السويق للحجاج، فلما مات عبدوه ودعوه من دون الله سبحانه وتعالى. وهذا هو صنيع قوم نوح الذين هم أول من وقع في الشرك، كان بداية إشراكهم تعظيم الصالحين، كما في حديث ابن عباس في قول الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. قال ابن عباس: هؤلاء أسماء رجال صالحين كانوا في قوم نوح، فلما مات أولئك صوروا لهم الصور حتى يتذكروا عباداتهم، فلما طال الزمن ودرس العلم عبدوها من دون الله. وهكذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، من المشركين من كان يعبد الصالحين، من كان يعبد الصالحين. فليس كل المشركين كانوا يعبدون الأصنام، لا، منهم من كان يعبد الأصنام، ومنهم من كان يعبد الصالحين، ومنهم من كان يعبد الجن، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. والاستعاذة إنما تكون بالله سبحانه وتعالى وحده، فهؤلاء كانوا يستعيذون بالجن، إذن كانوا يعبدونهم من دون الله. فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. إذن كان من أولئك المشركين من كان يعبد الجن. فليس بصواب من يقول إن المشركين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام هم فقط الذين كانوا يعبدون الأصنام. وهكذا منهم من يعبد الملائكة، كما في الآية: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾. فمنهم من كان يعبد الملائكة، ومنهم من كان يعبد الأنبياء كعيسى، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ إلى آخر الآية. فإذن منهم من كان يعبد عيسى، لا سيما وأن عيسى هو آخر رسول قبل نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان من النصارى ممن كان ربما عنده عبادة وعنده طاعة، لكنه يعتقد في عيسى ويعبد عيسى. فهذا أيضا صنف من الأصناف التي كانت موجودة في عصر وعهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما فرق بينهم، ما قاتل فقط الذين كانوا يعبدون الأصنام، وأما الذين كانوا يعبدون الجن أو يعبدون الصالحين أو كذلك يعبدون الملائكة أو الأنبياء، كركهم لا، لم يفرق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين أولئك المشركين، لأن حقيقة الشرك واحدة، وهو أن يدعى غير الله، سواء كان هذا المدعو نبيا أو صالحا أو ملكا أو هكذا جنيا أو إلى غير ذلك. حقيقة الشرك واحدة، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاتلهم جميعا ولم يفرق بينهم. بل قاتل النبي عليه الصلاة والسلام النصارى، وأرسل جيشه في غزوة تبوك، وخرج معهم عليه الصلاة والسلام إلى بني الأصفر، وهم ما يعبدون الأصنام، إنما يعبدون غير الله، منهم من يعتقد في عيسى، ومنهم من يعتقد في غيره. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج إليهم ليقاتلهم، ثم أعطوا الجزية. وهكذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته أسامة، وكان صغير السن، بعثه إلى الروم ليقاتلهم. فلم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقاتل فقط من كان يعبد الأصنام وترك غيرهم، لا، بل قاتل الجميع، وعاد الجميع، كل من أشرك بالله عز وجل ودعا غير الله، بغض النظر عن هذا المدعو، سواء كان صنما أو حجرا أو صالحا أو جنيا أو نبيا أو إلى غير ذلك. فحقيقة الشرك واحدة، أن تصرف العبادة لغيره سبحانه وتعالى. فهكذا ينبغي أن يعلم". قال الشيخ: "وهؤلاء القبوريون اليوم" -الشيخ الفوزان ما يزال يشرح ما تقدم- قال: "وهؤلاء القبوريون اليوم يقولون: الشرك عبادة الأصنام، وعبادة الأولياء تقرب إلى الله وتوسل إلى الله، ليست بشرك، لأن الشرك عبادة الأصنام فقط. هذه شبهة القوم. إذا قلت له وهو يطلب الولد من ابن علوان أو من العيدروس أو من المحضار أو من غيرهم ممن تُعقد لهم الزيارات ويُذبح لهم، وهكذا يُعظمون ويدعون من دون الله، إذا استدللت على فعل أولئك بقول الله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، قال: أعوذ بالله، هذه الآية في الذين يعبدون الأصنام، أنا ما عبدت صنما، أنا دعوت صالحا، دعوت وليا. فهكذا شبهتهم. إذا قلت له: يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾، قال: أعوذ بالله، هذه الآية إنما هي في من يعبد الصنم، أما أنا فما عبدت صنما، كيف تنزلها علي هذه الآية؟ سبحان الله، انظروا إلى الجهل. فنقول له: من قال لك أن هذه الآية نزلت في من يعبد الأصنام فقط؟ ما الفرق بينك وبين مشرك العرب الذين قالوا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، إلا ليقربون إلى الله زلفى، يعني لنتخذهم وسائط شفعا. ثم انظر إلى ما جاء في حديث أبي واقف، لما قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حنين، ونحن حدثاء عهد بإسلام، قال: وكانت للمشركين، وكانت للمشركين سدرة ينوطون بها أسلحتهم، فمررنا على سدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الله أكبر، إنها السنن، أو السنن، يجوز هذا وهذا، لقد قلتم كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. هذا استدلال من النبي عليه الصلاة والسلام، وما هي الآلهة التي اتخذها قوم موسى الذي يريدها قوم موسى؟ إنها اتخاذ العجل، والعياذ بالله. فانظر كيف النبي عليه الصلاة والسلام استدل بهذه الآية. فلا مانع من الاستدلال بعموم الآية على حقيقة فعل ما، لأن هناك أمرا مشتركا، وإن تعددت أمثلة وصور هذه الشركيات، لكن الحقيقة واحدة، وهي عبادة غير الله. فيستدل بهذه الآيات، مع أننا لا نسلم لهؤلاء أن هذه الآيات كلها، أو أن هذه الآيات كلها نزلت في من يعبد الأصنام. كما تقدم أن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الناس المشركون متفرقون في عباداتهم، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الجن، ومنهم من يعبد الأنبياء، إلى غير ذلك. فإذا هذه شبهة عليلة ينبغي أن يحذر منها المسلمون". قال الشيخ: "يا سبحان الله، الرسول قاتل الجميع، إذا أردت للجميع الذين يعبدون الأصنام، والذين يعبدون الملائكة، والذين يعبدون المسيح، والذين يعبدون عزيرا، والذين يعبدون الأولياء والصالحين، لم يفرق بينهم، لأنه ليس بينهم فرق في الحقيقة، لأن حقيقة فعلهم واحد، وهو عبادة غير الله، وصرف العبادة لغير الله. فالعبرة ليست بالمسميات، وليست بمن يعبد من دون الله بنوع أو شخص من يعبد من دون الله، وإنما العبرة بحقيقة هذا الفعل، ألا وهو صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى". قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "قال: إذا عرفت هذا عرفت معنى لا إله إلا الله". الآن بين لنا رحمه الله شيئين مهمين وأمرين عظيمين: الأمر الأول: أن مشرك العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية. والأمر الثاني: أن مع إقرارهم بتوحيد الربوبية إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام قاتلهم، وسبى نساءهم، واستحل أموالهم، لأنهم قد وقعوا في شرك الألوهية، في شرك الألوهية، فلم يوحدوا الله عز وجل توحيد الألوهية، فمن أجل ذلك قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام مع إقرارهم بتوحيد الربوبية. قال: "إذا عرفت هذا عرفت معنى لا إله إلا الله، وعرفت أن من نخى نبيا". و"نخى" هذه وردت في بعض رسائل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وهي كلمة دارجة عندهم على لغة أو على لهجة بعض العوام، ومعناها الاستنجاد، الاستنجاد بنبي أو بملك أو إلى غير ذلك، فيقال في لغتهم: نخى، يعني من استنجد. قال: "وعرفت أن من نخى نبيا أو ملكا أو ندبه أو استغاث به فقد خرج من الإسلام". وهذا كل معناه دعا غير الله، الاستنجاد يعني النداء والطلب من نبي أو ملك، تستنجد به تطلب منه. وندبه: الندبة هو نداء خاص، ويكون خاصة بحرف النداء، وهذا يكون عند التوجع، و"زيداه وراساه"، هذا معلوم في لغة العرب. والاستغاثة معروفة، يعني الدعاء عند الشدة، الدعاء عند الشدة والمصيبة. فكل وهذا بمعنى دعاء غير الله، دعاء غير الله. قال: "فقد خرج من الإسلام". وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا هو الأمر الذي من أجله قاتلهم عليه الصلاة والسلام، لأنهم يستنجدون بغير الله، وهكذا يستغيثون بغير الله، ويدعون غير الله. قال: "فإن قال قائل من المشركين: نحن نعرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر، لكن هؤلاء الصالحون مقربون، ونحن ندعوهم وننذر لهم وندخل عليهم ونستغيث بهم، ونريد بذلك الوجاهة والشفاعة، وإلا فنحن نفهم أن الله هو الخالق الرازق المدبر". هذه شبهة ربما يضعها البعض، وسيجيب عليها الشيخ، وسيزيد الشيخ الفوزان أيضا شرحا لرد هذه الشبهة. فنترك ذلك إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر